الصقيع وثقافة القات في اليمن

معظم القرارات التي منعته لم يكتب لها الاستمرار. أي مكانة للقات في حياة اليمنيين؟ وأي اثر للصقيع في دورة الحياة الخاصة بهذه الشجرة؟

يتعاطى اليمنيون مع موسم الصقيع، بوصفه موعداً لأرباح عالية يدرّها عليهم محصول القات، طيلة شهوره الثلاثة: (تشرين الثاني/نوفمبر، كانون الأول/ديسمبر، كانون الثاني/يناير). يليه موسم التراجع في أسعار القات، بدءاً من منتصف شباط/فبراير حتى تموز/يوليو. بعده يأتي موسم الإعداد والتهيئة: (آب/أغسطس، أيلول/سبتمبر، تشرين الأول/أكتوبر)، وفيه يحرص المزارعون على العناية بشجرة القات؛ لتكون في أكمل حال استعدادية، لاستثمار موسم الصقيع.

للصقيع أثره الفاعل، في دورة الحياة الخاصة بهذه الشجرة؛ فلأنّ نموها فيه بطيء فإنّ حجم الإنتاج يتناقص، ويتزايد حجم الطلب، وهو ما يفضي إلى ارتفاع عال في أسعارها. 

هذه المعادلة الاقتصادية نفسها هي ما تسفر عنه أضرار الصقيع، التي تتعرّض لها بعض المناطق اليمنية المشتهرة بزراعة القات، وتتسبّب في تدمير معظم محاصيلها الزراعية، بما في ذلك محصول القات، الذي يحاول بعض مزارعوه تفادي أضرار الصقيع، بتغطية أشجاره بالقماش.

تحظى عادة مضغ القات بمحورية فاعلة في حياة اليمنيين؛ إذ يمضغه نحو 90% من الذكور البالغين، ومثلهم أكثر من 50% من الإناث، بحسب ما ورد في تقرير "منظّمة الصحة العالمية". 

كما أنه طاغية وحاكم مستبد متحكّم في مختلف مجالات الحياة اليمنية، صغيرها وكبيرها، وفقاً لتوصيف الشاعر، محمد محمود الزبيري، لهذه الشجرة، قبل ما يزيد على نصف قرن([1]).

إنّ محدودية الأنشطة الاقتصادية المربحة في اليمن، وتواضع أرباح المحاصيل البديلة ذات القيمة العالية، وانعدام البدائل لقضاء أوقات الفراغ، كلّ ذلك عوامل فاعلة في ازدهار زراعة القات وتجارته؛ فقرابة 13% من سكان اليمن، يستفيدون اقتصادياً، من زراعة هذه الشجرة وتسويق محصولها؛ وعلى ذلك تقوم دورة مالية شاملة ملّاك المزارع، والعاملين فيها، والسائقين، وأصحاب المحلات التجارية والمطاعم. 

وتمتد نسبة من هذه الدورة المالية إلى الدخل القومي، حيث تصل إلى خزينة الدولة مليارات الريالات، كضرائب يتمّ تحصيلها من المزارعين وتجار القات، باعتباره محصولاً نقدياً محلياً، تساوي نسبة ضرائبه 20% من قيمته السوقية، وفقاً لما نصّ عليه قانون الضريبة العامّة اليمني على المبيعات رقم (19)، لسنة 2001.

امتداد تاريخي وخصوصية يمنية

  • الموطن الأصلي لشجرة القات هو الحبشة
    الموطن الأصلي لشجرة القات هو الحبشة

يُجمع معظم المؤرّخين العرب والأجانب على أنّ الموطن الأصلي لشجرة القات هو الحبشة، وتحديداً المرتفعات الجنوبية الغربية من إثيوبيا. 

من هناك، انتشرت زراعتها في بلدان: اليمن، جيبوتي، الصومال، إرتيريا، تنزانيا، كينيا، أوغندا، جنوب أفريقيا. ومثلها مدينة الكاب حتى منطقة بحيرة تانا.

تشغل شجرة القات مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية في اليمن، ومن أبرز المناطق المشتهرة بزراعتها: "أرحب" و"همدان" في صنعاء، و"المحابشة" في حجّة، و"الأهجر" في المحويت، و"مريس" في الضالع، و"الصفراء" في صعدة، و"ماوية" و"صبر"  في تعز، و"رداع" و"عنس" في ذمار.

ومن تجلّيات خصوصية هذه الشجرة في اليمن، تلك المصطلحات اليمنية الخاصة بها، من مثل "المولعي" الذي يعني الشخص الذي صارت هذه العادة من العادات التي لا قدرة له على تركها. 

ثمّ "المبزغ" الذي يعمل في قطف أغصان القات من المزارع، و"الدلال أو المفاوت"، القائم بالوساطة بين المزارع والمشتغلين في تجارة القات. 

أما "الديوان"، فهو المجلس الجماعي الذي يمضغ فيه القات، مع اختلاف المحكيات في اصطلاحها عليه، فهو: في صنعاء "المتكأ"، وفي عدن وبعض مناطق الجنوب "المبرز"، وفي تعز "المقيل"، وفي الحديدة "المنشر".

رؤيتان مختلفتان

  • صنفت
    صنّفت "منظّمة الصحة العالمية" القات عام 1973 كنبات ضار

يقدّم مناهضو عادة مضغ القات رؤيتهم مشفوعة بما يترتّب على زراعة القات ومضغه من آثار سلبية اجتماعية، واقتصادية، وصحية، وبيئية؛ فاليمنيون بحسب الإحصاءات المتداولة يهدرون ما يقارب 20 مليون ساعة عمل في مجالس القات يومياً، ويصرفون على تعاطيه وزراعته أكثر من 400 مليار ريال سنوياً، ويستحوذ على ما نسبته 10% من ميزانية الأسرة في المتوسط، وفقاً لتقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في عام 2015.

ويشير الإحصاء الزراعي، إلى أنّ القات يسيطر على 71 % من المساحة الزراعية في اليمن، متصدّراً بذلك المرتبة الأولى في قائمة المحاصيل النقدية. إذ بلغت هذه المساحة 152 ألفاً و748 هكتاراً في المتوسط. 

كما يستهلك ريّ هذه الشجرة ما تزيد نسبته على 60% من المياه، وبما مقداره 800 مليون متر مكعب سنوياً، وباستنزاف جائر يهدّد تصاعده بنضوب المياه الجوفية. 

وصنّفت "منظّمة الصحة العالمية" القات، عام 1973، كنبات ضار، بعدما أثبتت أبحاثها احتواءه على مادتي: "نويسيدو فيدرين" و"الكائين"، المتشابهتين في تأثيرهما لـ "الأفيتامينات". 

في مقابل هذه الرؤية المناهضة للقات، تأتي الرؤية المدافعة عنه، ويتلمّس أصحابها محاسنه في حياة اليمنيين، وينظرون إلى آثاره السلبية من زاوية تبريرية مختلفة. إذ يقلّلون من السلبية التي يصاب بها ماضغ القات، بعد جلسة التخزين كالاكتئاب وهبوط الحيوية. 

كما أنهم يشيدون، في الوقت نفسه، بما يشعر به متعاطي القات من نشوة وطاقة هائلة مفيدة في التركيز، حيث يستفيد منه في ذلك الطلاب، وأصحاب المهن الدقيقة، والبناؤون الذين يعملون في أماكن مرتفعة. 

كما تعيد وجهة النظر هذه أزمة المياه في اليمن إلى عشوائية الإدارة الرسمية، لا إلى اتساع زراعة شجرة القات، التي لا تحتاج وفق هذه الرؤية إلى مياه كثيرة، فما تحتاج إليه مزرعة طماطم من المياه، يساوي 10 أضعاف ما تحتاج إليه المساحة نفسها، فيما لو كانت مزروعة بالقات، بحسب ما ورد في كتاب محمد عبد الله الحاوري "القات وشجونه". 

وضمن هذا الاتجاه، قرّر مجموعة من الشباب اليمني تأسيس "نقابة الموالعة اليمنيين"، للاهتمام بشؤون القات، وتنميته، والحفاظ على حقوق متعاطيه والعاملين فيه، وكسر الحظر عليه، والوصول به إلى العالمية، ومن ثم تصديره إلى الخارج، بما يحقّق الفائدة القومية للبلد، وتصحيح النظرة المغلوطة تجاه متعاطي القات والشعب اليمني.

محاولات متعثّرة

  • كل القرارات بمنع القات لم يكتب لها الاستمرار سوى فترة وجيزة ثم توقفت
    كلّ القرارات بمنع القات لم يكتب لها الاستمرار سوى فترة وجيزة ثم توقّفت

إنّ عوامل استمرارية هذه العادة في اليمن تحول دون أية محاولة ـــ رسمية وغير رسمية ــــ هادفة إلى معالجة مشكلة القات والحد من أضراره. ففي سبعينيات القرن الماضي، أصدرت السلطات في جنوب اليمن قانوناً يمنع تعاطي القات وحيازته وشراءه خلال أيام الأسبوع، باستثناء يومي الخميس والجمعة والعطل الرسمية، ولم يشمل هذا القانون مناطق زراعته. 

أما محافظتا حضرموت والمهرة، فكان المنع فيهما شاملاً بلا استثناءات. وعلى إيجابية هذا القرار، فإنه انعكس سلباً على الفئات المستفيدة من زراعة القات وبيعه والخدمات المتعلقة به. 

هكذا خرجت في مناطق زراعته مسيرات، ردّد فيها المشاركون شعارات رافضة للقرار. أما في شمال اليمن، فقد شرع رئيس الحكومة، محسن العيني، بداية سبعينيات القرن العشرين، في وضع خطوات أولية تفضي إلى اقتلاع شجرة القات، لكن سرعان ما أجهضت محاولته تلك.

استمر تطبيق القرار في جنوب اليمن، حتى تحقيق الوحدة اليمنية عام 1990. بعدها فقد القرار فاعليته، ومضغ القات طيلة أيام الأسبوع. وفي العام 1999، أصدر رئيس الجمهورية قراراً قضى بمنع تناول القات على المنتسبين إلى المؤسسات العسكرية في مقارّ العمل، ومنعهم من دخول أسواق القات، بألبستهم الرسمية. وسبق ذلك قرارات حكومية، شملت الموظفين المدنيين، قضت بمنع تناولهم القات في مقارّ العمل. 

كلّ تلك القرارات، لم يكتب لها الاستمرار سوى فترة وجيزة، ثم توقّفت، وتوقّف اتخاذ عقوبات بحقّ المخالفين. 

كما كان الفشل هو ما آل إليه انعقاد المؤتمر الوطني حول القات بصنعاء في نيسان/أبريل عام 2002. ومثله كان مصير مناقشة مجلس النواب لـ "مشروع قانون معالجة أضرار القات بالتدرّج والتعويض" في شباط/فبراير عام 2007.

[1] في مقالته: "شيطان في صورة شجرة"، مجلة العربي، العدد الأول، الكويت، كانون الأول/ديسمبر، 1958م، ص: 38. 

اخترنا لك