التعددية الثقافية: ظاهرة ثراء أم انقسام؟
لا تنمو الثقافة وتتطور إلا في إطار احترام كل الخصوصيات والتنوعات، هذا الاحترام المستند إلى إطار قانوني وإنساني، يقوّي من خيار الوحدة على قاعدة التنوّع.
لا جدال في أن مفهوم الهوية يعد من بين المفاهيم التي تتقاطع عندها العديد من التخصصات، فهو منظومة متكاملة من المعطيات النفسية والمادية والمعنوية والاجتماعية، تنطوي على نسق المعلومات أو العمليات المعرفية أو التكامل المعرفي. والهوية ليست أمراً ثابتاً إلى حد ما، لكنها سيرورة ديناميكية، فهي تشمل الطريقة التي نتعامل بها في ما بيننا، عندما نكون في حالة تفاعل مع العناصر الوطنية/الإنسانية.
ولكن، قبل الدخول في تأثيرات الهوية على الفرد والمجتمع، لا بدّ أولاً من قراءة موضوعية لواقع الأزمات التي تواجه مجتمعنا. تلك الأزمات التي تأسست مع بداية تشكل الدول وتمظهرت بصراعات سياسية وإدارية وخلافات بين الجماعات/الأقليات، لكن عمقها الحقيقي هو وطني وثقافي وفكري يتعلق بطبيعة الذهنية، ورسوخ المفاهيم الصلبة والجامدة والانغلاق والتمحور حول الذات، بما في ذلك الشكل والانقسامات الملتبسة وتفضيلها على الحقائق والمعرفة والتغيير والنقد والاختلاف والمصلحة المجتمعية. إذ تصبح حدود الجماعات/الأقليات المتعددة والمتنوعة حدود تعبيرات ومفاهيم، وليست حدوداً جغرافية فحسب.
تلك الجماعات الراسخة بالعناد والتشدد تمضي وتندفع دائماً باتجاه واحد وتلغي كل الاتجاهات الأخرى وتفسر الأمور تفسيراً سياسياً وتهرب إلى الأمام في مواجهة كل ما يعترضها من أزمات انعزالية، ودائماً ما تبحث عن تبريرات وشماعة ليتم وضع الإخفاقات عليها وهو كنوع من أنواع تبرئة جماعة ما لتظهر بمظهر الممسك بالحقيقة وخلق عدو مفترض لها من أجل التوازن الوطني/النفسي. بهذا المفهوم تكون الجماعات/الأقليات، أمام مقاربة سوسيولوجية لدرس وتحديد بعض المفاهيم الاجتماعية التي تساعد على بناء مجتمع واحد بثقافات متعددة يرتكز على المواطنة لا الانعزال.
لا يمكننا تخطي هذه المرحلة الخطيرة من تاريخ مجتمعنا المعاصر، إلا بعودة الثقة إلى الجماعات/الأقليات، وعودة الثقة بالنفس لا تكون بتجاهل الواقع واللجوء إلى سياسة النعامة، بل علينا أن نواجه الواقع ونرفضه وننقده في آن كي نتجاوزه بالمعرفة الحقة. إن مكمن الخطر الحقيقي هو في المعايير الراهنة التي تتبعها الجماعات/الأقليات باعتبار هذه المعايير صالحة لكل زمان ومكان. ولعل على رأس تلك الأخطار طغيان الانتماء الإرثي - العاطفي على الانتماء العقلاني - الانتقائي.
يستطيع المجتمع أن ينظر إلى معنى الانتماء بشقيه الإرثي - العاطفي، والانتماء الإرادي -العقلاني. كذلك يستطيع أن يحقق "الوحدة في التنوع" وقيم قبول الآخر، وحق الاختلاف، ويرى كما يراها الباحث في العلوم الاجتماعية، منير خوري، أن: "القاعدة العلمية الثابتة هي أن المجتمعات الراقية هي دوماً حصيلة التفاعل بين أوجه الاختلافات والفوارق وليس بين أوجه التشابه والتماثل".
يتقارب مدلول الهوية الاجتماعية مع مدلول الهوية الثقافية، وهناك دراسات لا تفرق بين المفهومين وفي شأن الهوية الاجتماعية. في هذا الصدد، يقول عالم الأنتربولوجيا، فريدريك بارث، إنها مزودة بفاعلية اجتماعية، وهي في رأيه ظاهرة مركزية في نظام العلاقات الاجتماعية وتنظيم التبادلات في كل مجالات الحياة، ففي تحديدها، لا يتطلب الأمر جرد كل سماتها الثقافية، وإنما التعرف على ما تستخدمه تلك الجماعة من سمات دون الأخرى ما يبرز تميزها بين الجماعات الأخرى، والتمايز هنا يخص ظهور هويات على حساب هويات أخرى، وهذا كله راجع إلى نوعية العلاقة بين الجماعات، فهي حالة بناء دائم، ودراستها لا تتم إلا من خلال التفاعلات الاجتماعية التي تبرز بوضوح ما يسمى بالشعور بالانتماء، وذلك للتأكيد على الهوية أو رسم حدودها مع غيرها من الهويات الأخرى، التي تميز جماعات أخرى.
ويشير التنوع الثقافي إلى تقدم المجتمع وانفتاحه، الأمر الذي يثري المعرفة الفردية والمجتمعية، إذ يدرك الإنسان غيره، فيعي الحقائق المختلفة من حوله، ويبدأ في التفسير والبحث والتقصي؛ ما يمكنه من الارتقاء بتجربته الإنسانية في مختلف المجالات.
هذا الوعي كما وصفه أفلاطون: إيمان مبرر. فهو نتاج هذه التجربة الواقعية التي تضمن للمرء التعرف على العديد من الاحتمالات، ومختلف المعارف والمهارات والخبرات. والحوار الثقافي والتواصل الفكري بين مختلف الجماعات والأفكار، لا يهدد الاستقرار الاجتماعي، وإنما يثريه ويزيده صلابة وتماسكًا.
وبذلك نجد أن مفهوم الهوية حوار تأملي، يتضمن وعياً وإحساساً وشعوراً مركزاً من الفرد تجاه الآخر وتجاه مجتمعه، لتقوية الروابط الاجتماعية بين مختلف الفئات، والتفاعل معها، وتجاوز تحديات الفرقة والتعصب الفكري والمذهبي واللغوي للصالح العام.
ولكل حوار سياسي أو ثقافي أو معرفي قواعد وأصول وهندسة تدركها العقول الواعية (خارج أي إطار أو شكل مؤدلج ومنمط). فالعقليات الرثة لا يمكن لها البتة أن تبني مجتمعاً أو نظاماً وطنياً لأنها شخصيات ذات بعد واحد تتمتع بالغرور، ولا يمكنها أن تخلق حواراً معرفياً مبنياً على أسس معرفية، لذلك فشلنا في إيجاد حوار وطني يرتقي إلى مستوى المسؤولية.
ثمة اغتراب واضح حصل بين الجماعات/الأقليات وبين السلطات على مستوى الأفكار والخطابات. الأمر الذي جعل النخبة الثقافية لا تستطيع أن تتحمل أي حوار صريح وواضح تتعدد فيه الأفكار والرؤى والقناعات ووجهات النظر. علماً أن الثقافة الواعية هي نتاج حوارات هادئة وشفافة تتأتى من تراكمات الاختلافات من دون أي تحيز مسبق أو أفكار جاهزة.
فهل تنتبه الجماعات/الأقليات إلى حجم التصدعات التي يعاني منها المجتمع على المستويات النفسية والأخلاقية والتربوية والثقافية؟ تلك الأعطاب التي تختبئ خلفها أحداث عاصفة قبل أن يكشف الغطاء عنها.
لا تنمو الثقافة وتتطور إلا في إطار احترام كل الخصوصيات والتنوعات، هذا الاحترام المستند إلى إطار قانوني وإنساني، يقوي من خيار الوحدة على قاعدة التنوع. فالخصوصيات تتحرك في فضاء الوحدة، كما أن الوحدة لا معنى لها على الصعيد الإنساني والواقعي إلا بفسح المجال لكل الخصوصيات، لكي تعبر عن ذاتها اجتماعياً وثقافياً وسياسياً.
فلكي تزدهر ثقافة شعب ما (كما يعبر إليوت) ينبغي ألا يكون شديد الاتحاد ولا شديد الانقسام. ففرط الوحدة قد يكون ناشئاً عن التحلل وقد يؤدي إلى الاستبداد أيضاً. وكلا الطرفين يعوق اطراد النمو في الثقافة المتعددة في المجتمع الواحد.
