الأميرة الكاتبة ليديا باشكوفا في مدن الشرق

من هي الأميرة والكاتبة ليديا باشكوفا؟ وما هي أبرز ملاحظاتها حول بيروت وجبل لبنان ودمشق، وعمارتها ومجتمعها ووسائل الترفيه فيها؟

تركت الكاتبة الروسية – الفرنسية، ليديا ألكسندروفنا باشكوفا، إرثاً أدبياً ومقالات عن الشرق نتج عن رحلاتها إليه في سبعينيات وثمانينيات القرن الــ 19. 

زارت باشكوفا لبنان وفلسطين وسوريا ومصر واليمن، قبل أن ينتقل اهتمامها إلى الشرق الأقصى. وبعد عقدين من الشهرة في روسيا وفرنسا، خرجت باشكوفا من دائرة اهتمام المؤرّخين الفرنسيين والروس، لذلك نجد أنّ المعلومات شحيحة عنها. 

ولدت الأميرة ليديا ألكسندروفنا باشكوفا (1845 – نحو 1917) في موسكو، وكانت شهرتها غلينسكايا. تزوجت مرتين في حياتها، وكان زوجها الثاني الكونت الأديب، إيبوليت باشكوف، ثرياً جداً، مما مكّنها من الانطلاق في رحلاتها الواسعة. كتبت ونشرت أعمالها باللغتين الروسية والفرنسية. اشتهرت في فرنسا بفضل رواياتها التي صوّرت الحياة الروسية وكتبتها بالفرنسية، مثل: "المربية مارفا"، "الأميرة فيرا غلينسكايا"، "الطلاق في روسيا". كما أصدرت عام 1880 باكورة أعمالها الشرقية بعنوان: "في الشرق: دراما ومشاهد". 

  • ليديا باشكوفا في تدمير
    ليديا باشكوفا في تدمير

عملت مراسلة لصحيفة "فيغارو" الباريسية في سان بطرسبورغ، ثمّ بدأت تنشر مقالات تتضمّن مشاهداتها وملحوظاتها عن رحلاتها الشرقية في المجلات الروسية، حيث تعاونت مع مجلتي "غراجدانين" (المواطن) و"نوفوروسيسكي تلغراف". كما أصدرت في أوديسا كتاباً بعنوان "المستعمرات الفرنسية والإنكليزية في الشرق الأقصى والشرق". بعد فراغها من الترحال، ألّفت نصّ باليه "رايموندا" الذي عُرض في مسرح مارينسكي عام 1897.  

طرق الشرق

  • بورتريه الأميرة باشكوفا للفنان قنسطنطين ماكوفسكي، 1866
    بورتريه الأميرة باشكوفا للفنان قنسطنطين ماكوفسكي، 1866

تُعدّ نصوص باشكوفا عن رحلاتها مصدراً ممتازاً لدراسة صورة الشرق بعيني امرأة غربية في الثلث الأخير من القرن الــ 19. وقد ركّز الباحثون على طرق تنقّل الكاتبة بين المدن، وأماكن توقّفها في الطريق، ووسائل الترفيه المتاحة لها في مدن الشرق. آنذاك، كانت الرحلات خطيرة وطويلة، لكنّ ليديا باشكوفا لم تخشَ الصعوبات، ففي عام 1886، على سبيل المثال، "سافرت ومعها مسدسان في جيبَي السرج". وكثيراً ما كانت تخرج في نزهات وحدها، ودرّبت فرسها على الركل حتى لا يقترب منها أحد. كان الرجال يخاطبونها باحترام "باشكوف خانوم"، وبالنسبة لبعض النساء الشرقيات، أصبحت قدوة في ركوب الخيل. 

كتبت باشكوفا: "... سرعان ما بدأت سيدات بيروت يركبن الخيول خلفي. وبات يُطلق عليهن الأمازونيات على طريقة باشكوفا".

رأت باشكوفا أنّ بيروت "أجمل مدن الشرق وأكثرها راحة. وهي أكثر راحة بكثير من القسطنطينية". وكتبت: "شوارعها مستوية وجميلة. أنشأت شركة فرنسية طريقاً معبّداً يقود من بيروت إلى دمشق. والعربات غير مكلفة وجيدة، والمؤن والخدمة غير مكلفة أيضاً للأجانب...". وبخصوص شوارع دمشق، كتبت: "شوارع دمشق مرصوفة، لكنّ الحجارة تآكلت لدرجة أنها أصبحت زلقة كالزجاج. لا تستطيع الخيول الثبات عليها وتنزلق كما على الجليد". 

وروت كيف كانت تضطرّ للتحرّك في مثل هذه الشوارع، وهي دائماً في حالة تأهّب للقفز في الوقت المناسب إذا سقط الحصان، ولحسن الحظ، لم يسقط حصان الأميرة ولو مرة واحدة. 

بيروت كانت مختلفة. زارت ليديا باشكوفا بيروت للمرة الأولى عام 1868، وعادت إليها عدة مرات لاحقاً، بل وأرادت الاستقرار فيها. كانت هذه المدينة تجذبها كالمغناطيس، وفق تعبيرها. ولم يكن الأمر متعلّقاً بالترفيه، بل بالطبيعة والمناخ والمجتمع الجيد.

للتنزّه سيراً على قدميها استخدمت باشكوفا صنادل خاصة صنعها لها أحد المجرمين المحكومين بالأشغال الشاقة، وكان مزوّراً سابقاً، وكان يصنع صنادل مرصّعة باللؤلؤ، أو كانت تستخدم "قبقابين" بسيطة من خشب البندق، وهذا النوع من الأحذية لا يبلى، على حدّ تعبيرها.

  • دمشق أواخر القرن ال 19
    دمشق أواخر القرن ال 19

بعد زيارتها جبال لبنان، كتبت باشكوفا عن الطرق المحلية: "طرق لبنان هي دروب ضيّقة، يحدّها الصخر من جهة والوادي من جهة أخرى. على هذه الدروب، حياتي تعتمد على مدى رشاقتي وثبات خطوة حصاني، هكذا أحبّ أن أفكّر دائماً". كان السفر بالعربة على هذه الطريق خطيراً، كما ذكرت في غير موقع. 

بين الموانئ البحرية، سافرت على متن البواخر التي انطلقت من أوديسا إلى سينوب وإسطنبول وأزمير وبيروت ويافا. وفي إحدى المرات، وهي متأخرة على الباخرة "ميساجيري" من عدن إلى السويس، اضطرّت إلى استئجار قارب مع 12 مجدفاً أوصلوها إلى الباخرة في 4 أيام. بعد ذلك، توجّهت إلى بورسعيد، في شمال شرق مصر. في بورسعيد، كانت وسيلة النقل الوحيدة عربة يملكها سائق يُلقّب بــ "الكرز". تقول: "كان ينقل الموتى إلى المقبرة صباحاً، وأجرته 5 فرنكات في الساعة للنزهة نهاراً".

أماكن الإقامة

  • مرفأ بيروت عام 1870 من تصوير فيليكس
    مرفأ بيروت عام 1870 من تصوير فيليكس

داخل المدن، كانت أماكن الإقامة مريحة نسبياً لتوفّر المال لدى الكاتبة وقدرتها على إقامة علاقات ودّية مع أشخاص مختلفين في طريقها، ففي إسطنبول كانت تحلّ ضيفة على السفير الروسي نيقولاي إغناتييف، وفي سينوب كانت الدعوات تصلها من القنصل الروسي وزوجته، ومن المرجّح أنها اكتسبت هذه المعارف بفضل زوجها الذي خدم في الدائرة الآسيوية بوزارة الخارجية الروسية. 

أما حيث لا يوجد معارف يستضيفونها فكانت تحلّ في الفنادق، وتتحوّل إلى شخصية نزقة دائمة النقّ لا يرضيها شيء، حيث سطّرت عن معظم الفنادق التي حلّت فيها انطباعات سلبية. 

تقول عن بورسعيد مثلاً: "في زيارتي الأولى لبورسعيد، أقمت في فندق فرانس. إنه مكان مقرف. وفي مرة ثانية، في حزيران/يونيو عام 1866، شغلت غرفة في أوتيل دي هولاند. إنه أسوأ من الأول، وخطير أيضاً، فالخدم اليونانيون في حالة سكر دائم". وعندما احتجت باشكوفا على هؤلاء الخدم، خُصّص لها خادم عربي، وهو شقيق سكرتير الخديوي إسماعيل، لكنها لم تكن راضية عن الخادم الجديد أيضاً، لأنه كان يحدّثها "عن حياته التعيسة. كان يحضّر الطعام، ويقدّمه بدقة، ويرتّب الغرفة، وكلّ ذلك مع الأنين والتنهّد". 

بعد زيارتها جبال لبنان، كتبت باشكوفا عن الطرق المحلية: "طرق لبنان هي دروب ضيّقة، يحدّها الصخر من جهة والوادي من جهة أخرى. على هذه الدروب، حياتي تعتمد على مدى رشاقتي وثبات خطوة حصاني، هكذا أحبّ أن أفكّر دائماً".

كذلك كتبت بسلبية عن فنادق عدن، أما في السويس التي احترق فندقها الوحيد اكتفت بالقول: "لا أحد يهتم ببناء فندق جديد. والمسافرون يبيتون على البواخر".

أتيح لباشكوفا أن تعيش لمدة 8 أشهر في دير أرثوذكسي (دير القديس جاورجيوس) في جبل لبنان، بالقرب من قرية سوق الغرب. لكنها لم تصف تفاصيل الحياة في الدير واكتفت بالقول إنّ القنصل الروسي يتخذ من الدير مصيفاً سنوياً، ويدفع لصيانة النوافذ المكسورة في الربيع، كما أنّ الكهنة يؤجّرون غرفاً لعائلات بيروتية تقيم فيه. 

  • سوق الغرب أواخر القرن 19
    سوق الغرب أواخر القرن الـ 19

أما عن القرية نفسها، فكتبت: "سوق الغرب ليست مبهجة ولا جميلة، هناك قرى أفضل بكثير، لكن هنا، كما لو كان عن قصد، توجد أفضل المنازل". لكنها حذّرت من "الثعابين والعناكب الرتيلاء والعقارب" في القرية: "اعتدت على العيش في حالة تأهّب، وكثيراً ما كنت أنجو من لدغة الرتيلاء القاتلة فقط بخلع ردائي بسرعة عندما تتسلّق عليه هذه الحشرة الزاحفة. كنا نقتل الثعابين عدة مرات في الأسبوع في فناء المنزل". 

رأت باشكوفا أنّ بيروت "أجمل مدن الشرق وأكثرها راحة. وهي أكثر راحة بكثير من القسطنطينية". وكتبت: "شوارعها مستوية وجميلة. أنشأت شركة فرنسية طريقاً معبّداً يقود من بيروت إلى دمشق. والعربات غير مكلفة وجيدة، والمؤن والخدمة غير مكلفة أيضاً للأجانب".

عندما انطلقت من جبل لبنان إلى دمشق عام 1866، استأجرت حديقة، ونصبت خياماً وعاشت "على طريقة الغجر". خلال رحلة أخرى من دمشق إلى تدمر في عام 1872، باتت باشكوفا أيضاً في خيام أثناء الطريق. آنذاك، رافقتها امرأتان عربيتان وانضمّ إلى قافلتها القنصل الروسي في دمشق مع حرّاسه. وكان البدو يساعدون في نصب الخيام، تقول: "تألّف معسكرنا من خيام عديدة. كانت في خيمتي غرفة للمكتب وغرفة للملابس، وكانت هناك خيمة للقنصل، وخيمة لتناول الطعام".

العمارة والترفيه

  • رستم باشا سنة 1873
    رستم باشا سنة 1873

كانت ليديا باشكوفا امرأة شديدة الفضول والملاحظة. لم تكتفِ بجولات على المعالم السياحية فحسب، بل كانت تحاول، حيث أمكن، أن تتجوّل في الأزقة الصغيرة. أبدت اهتماماً خاصاً بالمنازل ووصفتها في بيروت وعدن وبورسعيد، وحلّت ضيفة في منازل الأوروبيين والأغنياء المحليين. 

في بيروت، حلّت في منازل عائلتي سرسق وبسترس. تقول: "جميلة ومريحة، وهندستها المعمارية تدّعي التشابه مع النمط الشرقي، لكنها أشبه بفيلات أثرياء الفرنسيين من تجار الأثاث. كتلك الفيلات المشادة حول باريس، وجزئياً في نيس، حيث يلتصق برج من العصور الوسطى من جهة، ومدرج إيطالي مع جناح صيني من جهة أخرى، بمنزل مربع برجوازي تماماً... المال موجود، لكنهم لا يستطيعون التعامل معه والتصرّف فيه بشكل صحيح". وقد خيّب الأثاث أملها، حيث تضيف: "بسبب انعدام الذوق. يمثّل الأثاث في المنازل مزيجاً قبيحاً من الفرنسي والتركي". 

تُعدّ نصوص باشكوفا عن رحلاتها مصدراً ممتازاً لدراسة صورة الشرق بعيني امرأة غربية في الثلث الأخير من القرن الـ19. وقد ركّز الباحثون على طرق تنقّل الكاتبة بين المدن، وأماكن توقّفها في الطريق، ووسائل الترفيه المتاحة لها في مدن الشرق.

في مذكّراتها، روت عن الأمسيات الراقصة التي دُعيت إليها من قبل شخصيات بارزة من النخبة الشرقية. وصفت ليديا باشكوفا بشكل واضح إلى حدّ ما متصرّف لبنان رستم باشا، الذي التقت به في بيروت عدة مرات. تقول: "خلال إقامتي في بيروت، أقام رستم باشا حفلاً رسمياً على شرف دوق مكلنبورغ، الذي كان قد عاد لتوه من القدس". أضافت عن الحفل: "في كلّ شيء، كانت الرفاهية تتصادم مع الفقر". 

  • شارع التجارة في بورسعيد في سبعينيات القرن 19
    شارع التجارة في بورسعيد في سبعينيات القرن الـ 19

في إحدى المرات، بالقرب من سوق الغرب، حيث أقامت الكاتبة، نصب رستم باشا معسكره. كانت باشكوفا تتردّد عليه في المساءات لتناول العشاء والاستماع إلى الموسيقى. وفي القرية، وفقاً لباشكوفا، "كانت الحياة الفكرية غائبة تماماً، وكلّ ما كان من ترفيه هو النميمة". ولتشغل نفسها، اضطرت إلى استعارة بيانو من أحد اللبنانيين، كانت قد نسيته سيدة إنكليزية.

بخصوص شوارع دمشق، كتبت: "شوارع دمشق مرصوفة، لكنّ الحجارة تآكلت لدرجة أنها أصبحت زلقة كالزجاج. لا تستطيع الخيول الثبات عليها وتنزلق كما على الجليد". 

أما بيروت فكانت مختلفة. زارت ليديا باشكوفا بيروت للمرة الأولى عام 1868، وعادت إليها عدة مرات لاحقاً، بل وأرادت الاستقرار فيها. كانت هذه المدينة تجذبها كالمغناطيس، وفق تعبيرها. ولم يكن الأمر متعلّقاً بالترفيه، بل بالطبيعة والمناخ والمجتمع الجيد، وتقول: "شعرت مجدّداً بالانجذاب إلى هذه المنطقة الساحرة، التي حباها الله بالطبيعة السخية... سيكون من الجيد الاستقرار هنا وإنهاء حياتي المضطربة في مناخ جيد وفي مجتمع قليل العدد ولكنه يتكوّن من أناس طيبين".

اخترنا لك