الأدب الملتزم: هل يفقد جماليته حين يحمل موقفاً سياسياً مباشراً؟
هل يفقد الأدب قيمته الجمالية حين يحمل موقفاً سياسياً مباشراً؟ وأين تكمن قوة الأدب الملتزم؟
هل تلغي جمالية الأسلوب الأدبي وقوة سرد القصص في النص تضمُّنه لأيديولوجيا سياسية مباشرة؟ أم أن المبحثين يتساوقان لينجزا ما يمكن تسميته بالكتابة المضيئة، التي تسلّط الضوء على الجوانب القاتمة للواقع وتجمع أفكاراً ومبادئ عليا تنشدها البشرية؟
الالتزام ذريعة لواقع بديل
-
جان بول سارتر
تتحدث الفيلسوفة الفرنسية، ألكسندرا ماكووياك، في مقالها "المفارقات الفلسفية للالتزام"، عن التوترات الكامنة في نقطة الالتقاء بين الحرية الفردية والمسؤولية الجماعية.
وترى أن الالتزام لا يقتصر على الممارسة الفعلية، بل يتبلور عبر اللغة. فهو بمنزلة كلمة - عهد تُلزم الفرد وتجسّد نيته في الفعل. وهو ينطوي على بُعدين: الأول استرجاعي والثاني استشرافي، إذ إن الالتزام استعادة لوقائع ماضية بما يجعلنا، كأفراد، نتقبل هويتنا بهدف توجيه ذواتنا بمسؤولية نحو المستقبل.
وهي النقطة التي توقف عندها، قبل ذلك، الفيلسوف والروائي والمسرحي الفرنسي، جان بول سارتر، في كتابه "ما هو الأدب؟"، إذ تعامل مع لغة النثر بوصفها أداة دلالية تستمد جدواها من الإحالة إلى العالم والواقع.
ويحدد سارتر علاقة النص والمؤلف بالقارئ، فحرية القارئ شرط أساسي لوجود النص. وهو يضطلع بمسؤولية أخلاقية عبر المشاركة في التفاعل مع المتن السردي والتصدي لمظاهر الظلم: القمع، والقهر النفسي، وخنق الحريات الفكرية، وتهميش دور المثقف، وسحب حقوق الشعوب المضطهدة.
وقد شغلت هذه القضايا مدارس فلسفية وفكرية في النصف الأول من القرن الــ 20، واستمر الجدل حولها بعد الحرب العالمية الثانية. ولا تنفي هذه القضايا جودة الأعمال التي قدمها سارتر، ومنها "الذباب" و"خلف الأبواب الموصدة" و"الأيدي القذرة" و"الجدار". وقد أسست منحى جمالياً تجاوز السؤال التقليدي: هل الفن في خدمة الفن فقط؟ ونسف بذلك أسس الصراع المتعلق بالسؤال السابق حول مصطلحات الاشتباك والانخراط وكيفية توظيفها كمرآة تعكس توجهات نضالية للمفكر والأديب الملتزم.
-
أراكاتاكا، كولومبيا، مسقط رأس غابرييل غارسيا ماركيز
وفي سياق الجدل نفسه، كان الأديب والروائي الفرنسي، أندريه جيد، من المثقفين الذين أبدوا في البداية تعاطفاً كبيراً مع التجربة السوفياتية، قبل أن تتغير رؤيته بعد زيارته الاتحاد السوفياتي عام 1936، وأن يعبّر عن انتقاداته في كتاب "العودة من الاتحاد السوفياتي".
وقد أصبح موقفه لاحقاً من التجربة السوفياتية أكثر تحفظاً، ولا سيما تجاه ما رآه من مظاهر التفاوت والتضييق الفكري والابتعاد عن الآمال التي كان يعلقها على المشروع الاشتراكي.
يرى أدورنو أن العمل الفني، حين يُختزل في إملاء موقف أو سلوك سياسي مباشر، يهدد بفقدان استقلاليته والتحول إلى أداة دعائية. وهو يرفض بذلك المفهوم السارتري للأدب الملتزم، وينتقد اختزال كل شيء في خانة حرية الاختيار مع تجاهل الوطأة الساحقة للبنى الاجتماعية.
وكان موقف جيد النقدي منافياً أيضاً للموقف الذي عرضه السياسي والمسؤول الأيديولوجي السوفياتي، أندريه جدانوف، في خطابه أمام المؤتمر الأول لاتحاد الكتاب السوفيات عام 1934، حيث دافع عن التصور الرسمي للأدب السوفياتي وعن ارتباطه بالمشروع السياسي والاجتماعي للدولة.
ويتماشى هذا التوجه الفكري أيضاً مع موقف الشاعر الفرنسي وأحد أبرز منظّري الحركة السوريالية، أندريه بريتون، في محاضرته "الموقف السياسي للفن المعاصر"، التي ألقاها في براغ عام 1935، حيث أظهر رغبته في رفض رؤية السوريالية تنحرف نحو اللاسياسة، إذ تفقد بذلك قيمتها التاريخية.
أما بالنسبة إلى عالم الاجتماع الفرنسي، بيار بورديو، فإن الالتزام الأدبي مصطلح لا يقتصر فقط على الموقف السياسي المعلن، بل يمكن فهمه، في ضوء تصوره للحقل الأدبي، انطلاقاً من واقع الكاتب داخل هذا الحقل ومدى استقلاليته عن السلطة، وكذلك علاقته بآليات الهيمنة والعنف الرمزي.
ذلك أنه كلما ازدادت استقلالية الكاتب عن الإملاءات السياسية وعن التبعية المالية للجهة الداعمة، اتسعت المساحة التي يمكن أن يمارس فيها وظيفته النقدية. وقد بلور بورديو تصوره لاستقلال الحقل الأدبي وعلاقته بقوى السلطة والمال في كتابه "قواعد الفن".
الانغماس في كيان العمل الأدبي
-
هانس غيورغ غادامير
يذهب الفيلسوف الألماني، هانس غيورغ غادامير، أحد أبرز أعلام التأويلية الفلسفية المعاصرة، إلى أبعد من موقف الكاتب أو المبدع، ويطرح قضية الالتزام باعتباره انخراطاً وجودياً للقارئ في تجربة كيانية تعكس فهم الفن.
بالنسبة إلى غادامير، لا يُعدّ الأدب مجرد أداة لخدمة قضية معينة، بل تكمن أهميته أيضاً في التحول الذي يحصل للقارئ حين يوافق على الدخول في حوار مع النص. ذلك أن معنى النص، بعد كتابته، لا يعود قابلاً للاختزال في مقصد مؤلفه وحده.
ويشير غادامير إلى "المشاركة في اللعبة". ففهم النص يعني الانخراط في لعبته، وفي هذه اللعبة لا يبقى القارئ ذاتاً مهيمنة تفرض معناها مسبقاً، بل يدخل في حركة النص ويعرض قناعاته المسبقة للاختبار. فلعبة التأويل تستدعي الاستعداد للمخاطرة بالقناعات الراسخة من أجل الإنصات لما يقوله الأثر الأدبي.
تتوقع أميركا اللاتينية من الرواية ما هو أكثر من مجرد تعرية واقع القمع والظلم الذي يعرفه الجميع. ويرى ماركيز أن رواية عن الحب يمكن أن ترقى إلى مستوى أية رواية أخرى، شرط أن يكون الكاتب الثوري قد ألّفها بطريقة جديدة.
في حين يرى الفيلسوف وعالم الاجتماع الألماني، ثيودور أدورنو، أحد أبرز مفكري مدرسة فرانكفورت، في مقالته الشهيرة "الالتزام" عام 1962، أن الإمكانات الحقيقية والسيادية للأدب تكمن في استقلالية شكله فنياً، وليس في نقل رسائل أيديولوجية صريحة.
ويرى أدورنو أنه، في أعقاب صدمات القرن الــ 20، فإن العمل الفني، حين يُختزل في إملاء موقف أو سلوك سياسي مباشر، يهدد بفقدان استقلاليته والتحول إلى أداة دعائية.
وهو يرفض بذلك المفهوم السارتري للأدب الملتزم ومأزق الذاتية، وينتقد اختزال كل شيء في خانة حرية الاختيار، مع تجاهل الوطأة الساحقة للبنى الاجتماعية التي تعمل على تغريب الإنسان عن ذاته.
الأدب جرح الذات والجغرافيا.. ورفض استباحة الأوطان
-
غابرييل غارسيا ماركيز
في كتاب "رائحة الجوافة"، وهو كتاب حوارات بين الصحفي والكاتب الكولومبي، بلينيو أبوليو ميندوزا، وأديب نوبل الكولومبي، غابرييل غارسيا ماركيز، يسأل ميندوزا ماركيز عن رفضه أدب الالتزام، فيجيبه بأنه يتمنى أن يكون العالم اشتراكياً، وهو يعتقد أنه أمر سيحدث يوماً ما. بينما يبدي تحفظات حول رواية الاحتجاج الاجتماعي، لأنه يعتقد أن وجهة النظر المحدودة لهذا المفهوم الأدبي عن العالم وعن الحياة لا تساعد على إنجاز أي شيء على صعيد العمل السياسي. وهو أبعد ما يكون عن توسيع المدارك، بل إنه يساعد على إبطائها.
فأميركا اللاتينية تتوقع من الرواية ما هو أكثر من مجرد تعرية واقع القمع والظلم الذي يعرفه الجميع. ويرى ماركيز أن الكثير من أصدقائه المناضلين يشعرون بأنه عليهم أن يُملوا على الكاتب ما ينبغي عليه كتابته، في حين أن رواية عن الحب يمكن أن ترقى إلى مستوى أية رواية أخرى، شرط أن يكون الكاتب الثوري قد ألّفها بطريقة جديدة.
ويمكن أن يُستنتج من هذا الموقف أن تقنية الكتابة والتمكن من أدواتها قد تصبح، في ذاتها، شكلاً من أشكال الالتزام حين تعبر في ثناياها عن نقد وتعرية لواقع سيئ.
-
ليوناردو بادورا فوينتس
من جهته، لا يزال الروائي والصحفي الكوبي، ليوناردو بادورا فوينتس، يعيش في مانتيلا على أطراف هافانا، في البيئة التي نشأ فيها، ورغم شهرته العالمية وحصوله على جوائز وترجمة أعماله إلى عشرات اللغات، فإنه يؤمن بأنه يتمتع بهدوء الهامش، مما يمنحه بُعداً عن الأضواء الساطعة.
ويتمتع بهامش لنقد الأوضاع في بلده، فهو يرسم الفساد في سلسلته الروائية "ماريو كوندي"، ويرصد معاناة الطبقات الفقيرة والمهمشة وانسداد الآفاق.
لكنه في كتابه "الذهاب إلى هافانا" يمدح مدينته، إذ تظل "مدينة تحتفظ بروحها، تلك الروح الطاهرة بوضوح رغم كل ما تعانيه من عيوب ونقائص".
ولم يقدّم بادورا نفسه بوصفه منشقاً سياسياً بالمعنى التقليدي، لكنه ظل ناقداً للتجربة الكوبية وللمشكلات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي أنتجتها. وتشير بعض القراءات لأعماله إلى تفكك اليوتوبيا الشيوعية، لا سيما في روايته "الرجل الذي عشق الكلاب"، التي تناول فيها تجربة تروتسكي والستالينية والمصائر التي آلت إليها الأحلام الثورية.
يرى بيار بورديو أن الالتزام الأدبي مصطلح لا يقتصر فقط على الموقف السياسي المعلن، بل يمكن فهمه، في ضوء تصوره للحقل الأدبي، انطلاقاً من واقع الكاتب داخل هذا الحقل ومدى استقلاليته عن السلطة، وكذلك علاقته بآليات الهيمنة والعنف الرمزي.
ويتحدث بادورا عن جيله بوصفه جيلاً شكلته الثورة الكوبية وصاغت جزءاً أساسياً من مفهومه للعالم. ومع التحولات التي شهدها العالم في نهاية ثمانينيات وبداية تسعينيات القرن الماضي، ولا سيما انهيار الكتلة السوفياتية، وجد هذا الجيل نفسه مضطراً إلى النظر إلى واقع أوسع وامتلاك رؤية أشمل وأعمق.
ويُعرّف ليوناردو بادورا بأنه كاتب الفقد والتفجع والبحث عن الهوية، وهو الذي يكتب في "كغبار في الريح": "لسنا في ذاكرة أحد، وليس أحد في ذاكرتنا. نحن كائنون وغير كائنين في آن واحد، وستمر سنوات طويلة قبل أن نكون شيئاً أكبر من الطيف".
-
هافانا، كوبا
أما الكاتب والمسرحي والروائي الفنزويلي، لويس بريتو غارسيا، المعروف بالتزامه الراسخ بالثورة البوليفارية والتشافيزية، فهو يدعم الديمقراطية التشاركية والفاعلة في مواجهة ما يسميه "الديمقراطية الليبرالية"، ويرى أن الالتزام الأدبي يتمثل في نقد الأوضاع الداخلية عبر السخرية من خلال قصصه ومسرحياته.
وقد جمع بريتو غارسيا بين الكتابة الأدبية والعمل الأكاديمي، وهو حاصل على الدكتوراه في القانون وعمل أستاذاً جامعياً، إلى جانب إنتاجه الروائي والمسرحي والفكري.
كما ينتقد بشدة السياسة الخارجية الأميركية، واصفاً أفعالها ضد فنزويلا بأنها إعلانات حرب وعدوان غير شرعي. ويركّز خصوصاً في كتاباته على السيادة الوطنية، لا سيما في سياق العقوبات المفروضة على بلده.
