أوكرانيا تهشّم الرموز الثقافية: بعد بولغاكوف وأخماتوفا هل يصل الدور إلى غوغول؟

بلدية كييف ستفكك تمثال ميخائيل بولغاكوف ونصب آنا أخماتوفا. فهل تصل الموسى إلى نيقولاي غوغول؟

بناء على قرار مجلس مدينة كييف في 18 كانون الأول/ديسمبر الجاري، ستفكّك البلدية تمثال ميخائيل بولغاكوف التذكاري، ونصب آنا أخماتوفا في المدينة، إضافة إلى 13 نصباً ولوحة تذكارية أخرى مرتبطة رمزياً بالحقبتين السوفياتية والقيصرية. 

كانت الحملة التي أطلقها الغرب الجماعي  برئاسة إدارة جو بايدن الأميركية لشيطنة كلّ ما هو روسي، قد أطلقت في إثر الحرب الروسية الأوكرانية قبل نحو 3 سنوات. لم تقتصر تلك الحملة على الرموز السياسية والعسكرية، كي تبدو منطقية في حالات الحرب، بل طالت الآداب والفنون والعناصر الثقافية بشكل عامّ، فتوجّت جهود القوميين المتشدّدين الذين تلقّوا جرعة إضافية لمواصلة عملهم على مسح الذاكرة الجماعية واعتبار كلّ ما هو روسي يمثّل تهديداً للفرد والمجتمع. 

واليوم، بعد فشل تلك الحملة الممنهجة غربياً وإقرار الغرب ضمنياً باستحالة القضاء على الشعر والنثر واللوحة والنوتة والفنون بشكل عامّ، وبعدما حارب القوميون الأوكرانيون كلّ ما هو متصل فعلياً بالثقافة الروسية محلياً، باتوا يحاربون كلّ ما قد يُشكّ بأنه متصل بها... وصلت الموسى إلى رقبة ميخائيل بولغاكوف وآنا أخماتوفا، بعدما كان هذان الأديبان الكبيران بنظر المثقّفين، إن لم يكونا أوكرانيين فمن أبناء الثقافة الأوكرانية. ولم يبقَ أمام هستيريا القوميين إلّا أن تمسّ بالكاتب الكبير نيقولاي غوغول، فهل ستصل الموسى إلى رقبته أيضاً؟ 

بولغاكوف وأخماتوفا

  • نصب آنا أخماتوفا في زقاق خيرسونسكي في كييف
    نصب آنا أخماتوفا في زقاق خيرسونسكي في كييف

كانت الحملة قد طالت التماثيل والنصب واللوحات التذكارية المتعلّقة بالكتّاب والفنانين الروس في المدن الأوكرانية. وما لم تتمكّن الإدارات المحلية من تفكيكه وإزالته، حجبته عن عيون الناس، كما حدث في تشرين الأول/أكتوبر الماضي مع نصب الشاعر الكبير ألكسندر بوشكين التذكاري في ساحة بيريجوفا في مدينة أوديسا، حيث أحيط بألواح خشبية. 

بطبيعة الحال، لا مجال للشكّ بأنّ بوشكين كبير الشعراء الروس، لكنّ ميخائيل بولغاكوف أمره مختلف، وليس لأنه ولد في مدينة كييف وأحبّها فحسب، بل لأنه جسّدها في ما كتب وخلّد حبّه لها في أعماله. 

في الواقع، كانت بينه وبين مدينة كييف قصة حبّ معلن حاول القوميون تشويهها بشتى السبل. على أيّ حال، ناقش الباحثون في "متحف بولغاكوف"، الكائن وراء تمثاله على منحدر أندريفسكي في المدينة، مسألة اتهامه من قبل القوميين المغالين بمعاداة اللغة الأوكرانية، لكونه كتب بالروسية فقط. لم يكتفوا بذلك بل وصموه بـ"معاداة أوكرانيا". وكان هذا الوصم مثيراً للسخرية لدى الكتّاب والقراّء، فمن المؤكّد أنّ من وصمه بذلك لم يقرأ شيئاً من أعماله الخالدة.

أما آنا أخماتوفا، التي سيفكّك نصبها التذكاري الكائن في زقاق خيرسونسكي، فقد ولدت باسم آنا هورينكو سنة 1889 في إحدى نواحي مدينة أوديسا، كانت قد انتقلت عائلتها إلى تسارسكويه سيلو في سان بطرسبورغ، حيث قضت طفولتها. 

لكنّ كييف أدّت دوراً مهماً في حياتها، ففيها عاشت خالتها، وهذا سبب انتقالها مع أمها إليها. وفي كييف، كتبت قصائدها الأولى، التي سيتضمّنها بعد ذلك ديوانها الأول "المساء" (1912). فأصبحت آنا هورينكو المجهولة الشاعرة المعروفة "آنا أخماتوفا". كانت أخماتوفا ملمة بالأوكرانية، ومنها نقلت إلى الروسية أعمال عدد من الكتّاب والشعراء، ومنهم الشاعر الكبير إيفان فرانكو وأبرز ما نقلته مجموعته "الأوراق الذابلة".

  • تمثال بولغاكوف على منحدر أندريفسكي في كييف
    تمثال بولغاكوف على منحدر أندريفسكي في كييف

للوهلة الأولى، تبدو إزالة التماثيل والنصب التذكارية لأدباء بارزين، يعتبرون من أبناء الثقافة الأوكرانية، مثل ميخائيل بولغاكوف وآنا أخماتوفا أمراً غير مفهوم لدى القرّاء الذين اطلعوا عن كثب على أعمال هذين الأديبين اللذين يمثّلان شطراً من روح كييف ثقافياً. 

بولغاكوف وأخماتوفا ليسا مجرّد شخصيتين تاريخيتين، بل جزء لا يتجزأ من النسيج الثقافي والروحي للمدينة، والتهجّم عليهما ووصمهما بممثّلين لـ "الاستعمار الثقافي" أشبه بمحو جزء من ذاكرة المدينة. 

هذا التسطيح يحاول إخفاء حقيقة لا يمكن لأحد طمسها، فالأدب العظيم يتجاوز الحدود القومية الضحلة. بولغاكوف نفسه سخر من السلطة في أعماله، وأخماتوفا أبدعت في وصف معاناتها من اضطهاد السلطة... وفي المحصّلة، زالت السلطة وتغيّرت الأنظمة وبقيت كلمات هذين الأديبين خالدة حيّة. 

لا شكّ أنّ محاربة أدباء بهذا الحجم يشير إلى رغبة في تطويع التاريخ وفرض رواية ذات سيناريو فاشل، لأنّ الخاسر الأكبر هو المواطن الكييفي، ففي أوقات الحرب تتعرّض الذاكرة الثقافية المعقّدة لضغوط هائلة، ويختزل الحاكم الرموز في معادلة "إما معنا أو ضدّنا"، وبالتالي يُنحر التنوّع الثقافي على مذبح القومية، وفق تعريف القوميين ضيّقي الأفق لها. ويعتبرون أنفسهم حقّقوا انتصاراً، مع أنّ ما اقترفوه هو خسارة للجميع. إلا أنها خسارة مؤقتة، فالذاكرة الجماعية المتعلّقة برموز ثقافية لا تحذف بشطبة قلم أو قرار إداري. 

لم يبقَ غير المسّ بغوغول

  • تمثال نيقولاي غوغول على ضفة الدنيبر اليسرى في كييف
    تمثال نيقولاي غوغول على ضفة الدنيبر اليسرى في كييف

من الممكن نظرياً أن تصل الموسى إلى رقبة الكاتب الكبير نيقولاي غوغول (ميكولا هوهول بالأوكرانية)، ولكن الاحتمال العملي أقلّ بكثير مقارنة ببولغاكوف أو أخماتوفا، وذلك لأسباب معقّدة تتعلّق بطبيعة غوغول وتكوينه وهويته المتشابكة بشكل لا ينفصم مع أوكرانيا. 

كتب غوغول أعماله الخالدة بالروسية، شأنه في ذلك شأن بولغاكوف وأخماتوفا، واعتبر رمزاً للثقافة الروسية مثلهما. ليس ذلك فحسب، بل احتلّ مكانة مهمة في السرديتين القيصرية والسوفياتية كـ "كاتب روسي عظيم"، وهنا يسهل على القوميين المتزمتين إلصاق وصمة "الاستعمار الثقافي" به. فإذا ما حورب بولغاكوف (المنحدر من أسرة كهنوتية روسية-أوكرانية، والذي كتب عن كييف بحب) وآنا أخماتوفا (ابنة أوديسا التي عاشت في كييف وباتت شاعرة فيها وقاست الأمرّين من ظلم السلطة)، فأين يمكن أن تتوقّف حملة "التطهير" التي تقودها عصبة قومية ضيّقة الأفق وهي تبحث بشكل مسعور عن "أعداء محتملين"، وهل يمكن أن تكون شاملة؟

في المرحلة الحالية يبدو من الصعب أن نتخيّل المسّ بغوغول على الرغم من أنه "كاتب روسي عظيم"، لكونه خضع لعملية إعادة إنتاجه أوكرانياً، خلال العقدين الماضيين. فإضافة إلى ترجمة أعماله إلى الأوكرانية، والتي لم تخرج نقيّة، بمعنى أنّ الشوائب التي لحقت بها كانت على أساس قومي؛ تتبّع الباحثون أصل غوغول ليعيدوا جذوره إلى عائلة غوغوليف – يانوفسكي، التي ذكرت في مخطوطات نيكونوفسكي في العام 1405، وفق ي. لوتسكي في كتابه "مآسي ميكولا هوهول المعروف باسم نيقولاي غوغول" (كييف: زنانيا أوكراييني، 2002). 

وذهب آخرون إلى أنّ العائلة تناقلت في مرويّاتها أن جدّ غوغول، أوباناس، أخبر أنّ جدّه أوستاب أندريه غوغول كان عقيداً في عهد الهيتمان القوزاقي بوهدان خملنيتسكي، كما ذكر أولكسندر أوهلوبين في بحث له نُشر في كييف سنة 2009 (خرونيكا 2000، ع 78). 

وذكر أيضاً أنّ أسلاف غوغول لجهة والدته وجدّته هم كذلك الهيتمانات ميخايلو وبيترو دوروسينكو وإيفان سكوروبادسكي. وهذه المعلومات ليست بالغة الأهميّة بحد ذاتها إن لم يجرِ توجيهها قومياً، وتحضير الأرضية المناسبة لها لقرنها بمقولة إنّ أوكرانيا الحديثة هي امتداد لإمارة القوزاق المستقلّة التي أسّسها خملنيتسكي زعيم هذا الشعب على حوض نهر الدنيبر من 1648 إلى 1657.

كما أنّ أعمال الكاتب الأولى مثل "أمسيات في مزرعة قرب ديكانكا"، وإن كتبت بالروسية، هي احتفاء صريح ومليء بالحنين والحب للريف الأوكراني وأساطيره. حتى في أعماله "الروسية" اللاحقة مثل "النفوس الميتة"، بطلها أوكراني يجوب الأنحاء الروسية.

حالياً، حتى لو لم تجد عصبة القوميين ضيّقي الأفق "عدواً" تستهدفه، ستبدو محاولة اقتلاع نيقولاي غوغول من السياق الأوكراني أشبه بمحاولة اقتلاع جذور شجرة من تربتها. فهو ليس "رمزاً روسياً" زرع في أوكرانيا، بل هو نبتة أوكرانية الأصل أزهرت في الحديقة الأدبية الروسية وحملت ثماراً للعالم كلّه. كما أنّ المثقّفين والأدباء الأوكرانيين الصامتين اليوم، سيرون أنّ الهجوم على غوغول يشكّل انتحاراً ثقافياً وضربة للعمق التاريخي الأوكراني نفسه.

من المرجّح استمرار حملة التهجّم على الرموز المرتبطة بالحقبتين القيصرية والسوفياتية كجزء من سياسة "اجتثاث" الرمزية القديمة. ومن المرجّح أيضاً أن تستمر المعارك الضارية حول شخصيات عظيمة مثل بيوتر تشايكوفسكي، وفيودر دوستويفسكي، والرسّامين الروس الكبار الذين خلّدت أعمالهم أوكرانيا. 

ذلك أنّ مصير هؤلاء يعتمد على مدى حدّة الخطاب القومي وقدرة الأصوات الثقافية المعتدلة على الدفاع عن عالمية الأدب والفن. لكن من غير المرجّح حالياً المسّ بغوغول في كييف، فذلك سيشكّل اعتراف القوميين بالهزيمة الثقافية، كأنّهم يقولون: لا نملك السيطرة على تراثنا الثقافي المركّب، والحلّ الوحيد هو القطع. 

كما سيخلق ذلك شرخاً هائلاً داخل المجتمع الأوكراني نفسه بين القوميين المتشدّدين الحاكمين اليوم والمجتمع الثقافي الذي يرى في غوغول كنزاً وطنياً، حتى وإن كتب كلّ أعماله بالروسية.

اخترنا لك