أدب الثورة والمقاومة في قصص يحيى حقي
يتوج يحيى حقي أدب الثورة بجوانبه في الوعي السياسي والتنوير الفكري والإصلاح الاجتماعي بالتركيز على كل من الإرادة الإنسانية كوقود للتغيير الثوري ودعامة لكل الفضائل، والإنسان الكادح كتعبير عن روح الشعب وبطل التغيير.
-
يحيى حقي (1905 - 1992)
أدب الثورة يكون قبل الثورة وبعدها، قبل الثورة مُحرّض عليها أو مُستشرفٌ لها ينتقد واقع الاستبداد والفساد، ويفضح آفات الحكم والمجتمع، ويكشف تناقضات النظام والفكر، ويشعل وعي النخبة والشعوب، ويكسر حاجز الخوف والرعب، ويُبشر بمستقبل جميل ومشرق... وبعد الثورة مرآةٌ لها أو مُجّملٌ لها: يُنظّر لمبادئها وأفكارها، ويُؤّرخ لأحداثها ورجالها، ويُشيد بنتائجها وآثارها.. وقد يُكبر إنجازاتها ويُصغر إخفاقاتها، وربما يُبرز انتصاراتها ويتجاهل هزائمها، ويُحتمل أنْ يُبرر أخطائها ويُخفي تناقضاتها... وكل ذلك ينطبق على أدب الثورة في قصص الأديب الروائي، يحيى حقي، رائد القصة القصيرة في مصر والوطن العربي بين ثورتي 1919 -1952 وبعدهما.
ثورة 1919 تناولها يحيى حقي (1905 - 1992) في قصته "ابن القباقيبي"، فأعلى من شأن الشعب كبطل للثورة، "لم تكن ثورة مثقفين وحدهم، أو فلاحين وحدهم، أو عمال وحدهم، بل ثورة الشعب كله"، الشعب مُمثلاً في "المواطن الشعبي العادي الفقير صاحب السم المجهول، الذي دفع دمه وحياته ثمن هذه الثورة بالكامل"، وجاء بمثل للمواطن العادي هو ابن القباقيبي "لم يكن يدور بخلدي أنَّ هذا البطل سوف يكون صبياً يقيم بالقرب من داري، وكان في مثل عمري (14) سنة... بجلابية على اللحم.. حافي رغم أنَّ مهنة أبيه هو صناعة القباقب... خرج هذا البطل الشهيد الذي ثار لكرامتنا... ماذا كان اسمه؟ أين قبره؟ لا أحد يدري".
ورأى أنها ثورة شعبية أوجدت وصنعت زعماءها (سعد زغلول ورفاقه) ولم يوجدها ويصنعها الزعماء، بخلاف ثورة 1952م تناولها يحيى حقي في قصته "صح النوم" بطريقةٍ رمزية، فمسرح أحداثها القرية كرمز لمصر، وقسّمها جزئين: كتاب الأمس وكتاب اليوم كرمزٍ للعهدين الملكي والجمهوري، واتخذ من حدث دخول القطار إلى القرية رمزاً لحدث الثورة في مصر، ومن شخصية بطل القصة الأستاذ المثقف الثوري (الراوي) رمزاً لبطل الثورة (جمال عبد الناصر)، وأسقط على القصة أدبه الثوري ومُلخصه: أنَّ ثورة الوعي تسبق ثورة الواقع، فالتغيير الفكري يسبق التغيير العسكري والسياسي والاجتماعي، فالوعي في الفكر الذي يوجد إرادة التغيير في الواقع بعد رفضه والتمرد عليه، وإرادة التغيير هي روح الشعب التي تسري في قيادة مُستنيرة للثورة (الضباط الأحرار) تنزل إلى الناس وتُشاركهم همومهم وآمالهم وتأخذ بأيديهم نحو تجاوز الحاضر المظلم نحو المستقبل المشرق، والقيادة المُستنيرة تُحدث التغيير الثوري بالواقعية الثورية والصبر والمثابرة التي تتطلبها عمليتي الهدم (تفكيك النظام القديم) والبناء (تركيب النظام الجديد).
أدب الثورة في قصتي "ابن القباقيبي" و"صح النوم" عند يحيى حقي برز في قصة "قنديل أم هاشم" التي توضح رأيه في حاجة الثورة إلى التنوير الفكري، فبطل القصة "إسماعيل" ابن حي السيدة زينب بالقاهرة العائد من دراسة طب العيون في ألمانيا مُتسلّحاً بالعلم الحديث لعلاج أمراض العيون، يصطدم بالخرافة التي يؤمن بها الناس وهي زيت قنديل أم هاشم "مسجد السيدة زينب"، وعندما فشل في علاج أهل الحي بالعلم فقط لجأ إلى حيلةٍ رمزية دمج فيها بين العلم الحديث وإيمان الناس، كرمز على حاجة التنوير الفكري للجمع بين العلم والإيمان، وبين المعاصرة والأصلة، وبين التجديد والتراث.
هذا يقودنا إلى رأي أعمق ليحيى حقي في رفض التبعية والاستلاب لكل من الغرب والماضي، فالتبعية للغرب تُفقد الأمة هويتها وروحها، والتبعية للماضي تفقد الأمة قدرتها على التجديد والإبداع، والحل في الجمع بين الأصالة والمعاصرة "فالأصالة هي الجذور التي تمد الإنسان بالثبات، والمعاصرة هي الأجنحة التي تمكن من التحليق في سماء العصر".
الوعي السياسي والتنوير الفكري يُستكملان بالإصلاح الاجتماعي، وهذا ما جسّده يحيى حقي في قصته "البوسطجي" وبطلها "عباس" موظف في مصلحة البريد تم نقله حديثاً من القاهرة إلى قرية "كوم النحل" بمحافظة أسيوط. واجه عباس صدمة الفرق الكبير في حياتي المدينة والقرية، فحاول التغلّب على الركود والملل في القرية بطريقة غير أخلاقية ومخالفة للمهنة، وهي فتح رسائل أهل القرية وقراءتها لمعرفة قصص أهلها ثم إغلاقها وإرسالها، ومنها قصة حب بين فتاة من أهل القرية وشاب من خارجها، ولخطأ ما من عباس لا يُرسل أحد رسائل الشاب إلى الفتاة يتوقف عليها مصيرها، فتُقتل على يد أهلها.
طرح حقي من خلال أحداث القصة رؤيته للإصلاح الاجتماعي بتسليط الضوء على الجمود الاجتماعي الذي تعبر عنه تقاليد القرية، والتناقض الثقافي بين قيمي المدينة والقرية، والاستبداد الطبقي السائد في القرية، وفساد الإدارة ممثلاً في شخصية العمدة، وأزمة التواصل بين الأجيال والطبقات والبيئات.
ويتوج يحيى حقي أدب الثورة بجوانبه في الوعي السياسي والتنوير الفكري والإصلاح الاجتماعي بالتركيز على كل من الإرادة الإنسانية كوقود للتغيير الثوري ودعامة لكل الفضائل، والإنسان الكادح كتعبير عن روح الشعب وبطل التغيير، من خلال قصصه العديدة ومنها "أم العواجز"، وبطلها "إبراهيم أبو خليل" الذي نشأ يتيماً لا يملك شيئاً، ويمثل مأساة الإنسان المطحون في مواجهة قسوة الحياة، كما يمثل الضعف الإنساني الذي يُمكن التغلّب عليه بالإرادة الصلبة والكدح المتواصل كوسيلة لتخطي الصعاب وتجاوز التحديات، وتقدم قصة الإنسان الكادح ومعاناته في المجتمع ومحاولاته لانتزاع حقه في الحياة وتحقيق ذاته، ليصل إلى نتيجة أنَّ الحياة معركة ينتصر فيها صاحب الإرادة وفعل التغيير، وهو ما أكده في موضع آخر "إنَّ السقوط والانكسار لا يعنيان النهاية، بل يجب أن يكون مُحفّزاً لاستنهاض الإرادة الداخلية لمواجهة التحديات والانتصار على الضعف الإنساني".
ولم يغفل يحيى حقي عن أخطر ظاهرة على الثورة والأمة وهي الصهيونية كحركة ومشروع ودولة، وحتمية مقاومتها وهزيمتها وإزالتها، فكتب في كتابه "صفحات من تاريخ مصر" تحت عنوان "هذه الندوة" مقالاً أدبياً بعد هزيمة 1967م بعامين ورد فيه: "هذا الشرق العربي الذي دافع عن الحضارة لا عن نفسه فحسب بعد التتار والمغول، والذي دافع عن أصالته ووحدة أراضيه بإجلاء الصليبيين، يُلقى الآن على الجيل الحاضر من أبنائه أشق وأشرف مهمة عرفها تاريخه إلى اليوم... برد أعتى عدوان وقع على أراضيه، بقلب هزيمة قاسية إلى نصر، باسترداد عروبة فلسطين، بحماية الأماكن المقدسة، بل أن يدافع أيضاً عن الحضارة، أن يتولى وحده كسر الصهيونية وفضح زيفها وخطرها... لتمهيد الطريق نحو مستقبل يسود فيه السلام ويمتنع العدوان".
وما زالت أشق وأشرف مهمة - كما كتب يحيى حقي - هي مقاومة الصهيونية وإزالة خطرها كمشروع استعماري وحركة عنصرية ودولة استيطانية، وهي مهمة تعاقبت عليها الأجيال حتى وصلت إلى الجيل الحاضر وطليعته الثورية. الطليعة التي حملت إرث الثورة وأدبها المقاوم فتقدمت بالوعي والإيمان والثورة لتنفذ المهمة المقدسة في فلسطين ولبنان، ومن طهران إلى صنعاء مروراً ببيروت والقدس وكل عواصم الأحرار... محورها المقاومة وبوصلتها فلسطين وقبلتها القدس.