"صداقة" تشومسكي وإبستين: لماذا يلتقي الفكر النقدي بالمال المعولم؟

"صديق عالي القيمة"، هكذا وصف تشومسكي علاقته بإبستين. تطرح هذه العلاقة أسئلة كثيرة حول المسافة بين المثقّف والسلطة، والأهم: هل يمكن للمعرفة أن تكون مستقلة عن شبكات المصالح؟

حين يتقاطع اسمٌ بحجم نعوم تشومسكي مع فضيحة إعلامية من العيار الثقيل مثل قضية جيفري إبستين، فإنّ الأمر لا يظلّ في حدود خبرٍ صادم أو "تفصيل محرج" في سيرة مفكّر كبير، بل يتحوّل إلى لحظة كاشفة تختبر موقع المثقف النقدي داخل بنية السلطة المعاصرة. 

ليست المسألة هنا قانونية بالمعنى الضيّق، إذ لا وجود لاتهام جنائي مباشر، بل هي مسألة رمزية بامتياز: مسألة صورة، وشرعية، واتساق بين خطاب طالما انحاز إلى المقهورين، وعلاقةٍ ظهرت، بفعل التسريبات، وكأنها تموضع داخل دائرة نفوذ تجسّد أقصى أشكال اختلال القوة والمال المعولم.

لقد كشفت الوثائق المسرّبة عن مراسلات بين تشومسكي وإبستين تعود إلى العام 2019، تتضمّن نصائح قدّمها تشومسكي لإبستين حول كيفيّة التعامل مع العاصفة الإعلامية التي حاصرته بعد انكشاف شهادات عشرات النساء واتساع دائرة الاتهامات. 

تضمّنت الرسائل تعاطفاً مع "الطريقة المروّعة" التي يُعامل بها في الصحافة، ودعوة إلى تجاهل الهجوم بدل الانخراط في سجال علني، بل وإشارة إلى ما وُصف بـ"الهستيريا" المحيطة بقضايا الاعتداء على النساء. 

في المقابل، صدر لاحقاً اعتذار من فاليريا، زوجة تشومسكي، التي أقرّت بـ"خطأ جسيم" و"إهمال" في التحقّق من خلفيّة إبستين، مؤكّدة أنّ الأخير خدعهما وقدّم نفسه بوصفه داعماً للعلوم والبحث الأكاديمي، وأنّ المعرفة الكاملة بخطورة الاتهامات لم تتضح إلا بعد اعتقاله الثاني.

بين هذين السرديتين؛ سردية التعاطف والنصيحة، وسردية الخداع والاعتذار، تتشكّل مساحة تحليلية أوسع من مجرّد مساءلة فردية. 

ذلك أنّ تشومسكي لم يكن مفكّراً تقنياً محصوراً في تخصصه، بل أحد أبرز رموز النقد الراديكالي للنظام الرأسمالي والإمبريالي، وفاعلاً عمومياً ارتبط اسمه بالدفاع عن ضحايا السلطة وكشف آليات الهيمنة الإعلامية والسياسية. 

هنا تحديداً تكمن كثافة المفارقة: حين يظهر في مراسلاته متعاطفاً مع شخصية باتت رمزاً لانحرافات النخبة المالية والإفلات من العقاب، فإنّ الصدمة لا تنبع من العلاقة وحدها، بل من اهتزاز صورة "المسافة النقدية" التي يفترض أن تفصل المثقّف عن دوائر النفوذ المشبوهة.

غير أنّ التحليل السوسيولوجي يفرض علينا تجاوز منطق الصدمة الأخلاقية السريعة نحو تفكيك الشروط البنيوية التي تجعل مثل هذا التقاطع ممكناً. ذلك أنّ الحقل الفكري، مهما ادّعى استقلاله، لا يعمل في عزلة عن الحقل الاقتصادي. فالجامعات، ومراكز الأبحاث، والصالونات الفكرية، وشبكات التمويل، تشكّل فضاءات تتداخل فيها رؤوس الأموال الرمزية والاقتصادية. رأس المال الرمزي الذي راكمه تشومسكي عبر عقود من الإنتاج المعرفي منحه مكانة فريدة في الفضاء العامّ، لكنه في الوقت ذاته جعله فاعلاً ذا قيمة داخل شبكات تبحث عن شرعية ثقافية تعزّز موقعها. المال المعولم لا يسعى فقط إلى الاستثمار، إنما إلى إعادة تشكيل صورته عبر الاقتراب من العلماء والمفكّرين، مستثمراً في الرمزية بقدر استثماره في الأسواق.

في هذا السياق، لا يبدو التقاطع بين فاعلين من حقلين مختلفين حدثاً استثنائياً، بل احتمالاً بنيوياً داخل مجتمع الشبكات، حيث تنتج الروابط الضعيفة لقاءات عابرة للقطاعات. 

غير أنّ "طبيعة" الشبكة لا تُلغي التوتر الأخلاقي. على العكس، كلما تعاظم رأس المال الرمزي لفاعل ما، تعاظمت التوقّعات المعيارية المحيطة به. فالمثقّف الذي بنى خطابه على التضامن مع المستضعفين يُنتظر منه اتساقٌ صارم بين القول والموقع، وأيّ اقتراب من شخصية تجسّد، في المخيال العامّ، أقصى درجات استغلال السلطة، يُقرأ بوصفه خللاً في هذا الاتساق، حتى وإن لم يتجاوز حدود النصيحة أو اللقاءات الاجتماعية.

"الفضيحة" هنا تعمل بوصفها آلية لإعادة ترتيب المعاني. إنها ليست كشفاً لوقائع فحسب، بل لحظة صراع تأويلي حول الإرث والشرعية. 

في العصر الرقمي، حيث تتكثّف التسريبات وتنتشر خلال ساعات، تتحوّل السمعة إلى رأس مال هشّ، قابل لإعادة التقييم في ضوء كلّ معطى جديد. وحين يكون المعنيّ شخصية في العقد العاشر من العمر، وصاحب إنتاج يتجاوز 150 كتاباً وتأثيراً ممتداً لعقود، فإنّ السؤال لا يكون: هل يُمحى الإرث؟ بل: كيف يُعاد تأطيره؟ وكيف ستُقرأ أعماله السياسية بعد هذه الواقعة؟ وهل تُفصل النظرية عن السلوك، أم يُنظر إلى السلوك بوصفه مفتاحاً لإعادة تفسير النظرية؟

اعتذار فاليريا، وتأكيدها أنّ إبستين قدّم نفسه بوصفه رجل أعمال خيّراً وداعماً للعلوم، يحاول إعادة صياغة الحدث ضمن منطق "الانخداع". لكنّ النقاش العامّ، خاصة في الأوساط اليسارية، اتجه نحو مساءلة أعمق: هل كان الجهل ممكناً في ظلّ سجل قضائي سابق واتهامات علنيّة؟ وهل كانت الإشارة إلى "الهستيريا" حول قضايا الاعتداء انعكاساً لموقف عابر أم تموضعاً إشكالياً في لحظة كان فيها خطاب العدالة الجندرية في أوجه؟ 

هنا تتداخل الاعتبارات الأخلاقية بالتحليل السياسي، ويتحوّل السؤال من مجرّد خطأ في التقدير إلى اختبار للانسجام بين الموقف المعلن والممارسة.

ومع ذلك، فإنّ اختزال المسألة في ثنائية السقوط أو البراءة يظلّ قاصراً. ذلك أنّ المثقّف، مهما بلغت راديكاليته، يتحرّك داخل عالم من التمايز الوظيفي المعقّد، حيث تتقاطع الأدوار وتتداخل الحقول. الاستقلال لا يعني الانفصال التامّ، بل التفاوض الدائم على الحدود. ومن داخل هذه المسامية تولد المفارقات: الفكر الذي يفكّك آليات السلطة قد يجد نفسه، بفعل البنية ذاتها، قريباً من دوائرها؛ والرأسمال الذي يُنتقد بوصفه مصدراً للاختلالات البنيوية يسعى إلى الاقتراب من الحقول المعرفية لإعادة ترميم صورته.

إنّ دلالة تقاطع تشومسكي مع فضيحة إعلامية بحجم إبستين لا تكمن فقط في محتوى الرسائل، بل في ما تكشفه عن هشاشة فكرة "النقاء النقدي" داخل عالم معولم تتشابك فيه الشبكات. إنها لحظة تُظهر أنّ المسافة بين النقد والسلطة ليست خطاً مستقيماً، إنما مجال شدّ وجذب دائم، وأنّ رأس المال الرمزي مهما بدا متعالياً، يظل جزءاً من لعبة أوسع لإعادة توزيع الشرعية. 

هنا، لا تصبح القضية مسألة شخصية فقط، لكن مرآة تعكس طبيعة النظام الذي نعيش فيه. نظام تتداخل فيه الحقول، وتتقاطع فيه الرمزية مع المال، وتتحوّل فيه الفضيحة إلى اختبار قاسٍ لدور المثقّف وحدود استقلاله.

رأس المال الرمزي في مواجهة المال المعولم: إبستين عُقدة في النظام العالمي

  • يتقاطع موقع إبستين داخل النظام العالمي مع موقع تشومسكي داخله
    يتقاطع موقع إبستين داخل النظام العالمي مع موقع تشومسكي فيه

لا يمكن فهم قضية جيفري إبستين بوصفها مجرّد انحراف جنائي فردي داخل مجتمع رأسمالي، بل بوصفها عُقدة كثيفة في شبكة عابرة للحدود تجمع المال، والسياسة، والجامعة، والعمل الخيري، والإعلام. 

لم تكشف التحقيقات والتسريبات عن سلوك إجرامي فقط، إنما بنية علاقات تربط رجال الأعمال، والساسة، والأكاديميين، والمؤسسات البحثية. بهذا المعنى، تمثّل القضية نموذجاً لما وصفته دراسات النخب بـ"الدوائر الداخلية" التي تتقاطع فيها الرساميل المختلفة لإنتاج نفوذ يتجاوز الحدود الوطنية (Mills, 1956؛ Useem, 1984). إبستين ليس مجرّد مموّل. لقد كان وسيطاً شبكياً يجمع بين الرأسمال المالي والرأسمال الاجتماعي، ويستثمر في الرأسمال الرمزي عبر الاقتراب من علماء ومفكّرين ذوي مكانة عالمية.

من منظور سوسيولوجيا الحقول، ما يجري هنا ليس اختراقاً فجّاً للحقل الأكاديمي، بل اشتغال على تخومه. فالحقل العلمي، كما بيّنت تحليلات بيار بورديو، ينتج رأسمالاً رمزياً نادراً: الاعتراف، والمكانة، والقدرة على تعريف ما يُعدّ معرفة مشروعة. 

هذا الرأسمال قابل للتحويل؛ ولا يظل حبيس الجامعة، بل ينتقل عبر الشبكات إلى فضاءات أخرى. وعندما يسعى فاعل مالي مثير للجدل إلى الاقتراب من أسماء أكاديمية كبرى، فإنه يستثمر في هذا الرأسمال تحديداً. ليس الأمر تمويلاً للعلم فحسب، بل تموضعاً داخل دوائر الاعتراف التي تمنح حصانة معنوية أو على الأقل تعقيداً للصورة العامّة.

هنا يتقاطع موقع إبستين داخل النظام العالمي مع موقع تشومسكي فيه. إبستين جسّد نمطاً من الفاعلين الذين يعملون في المناطق الرمادية للعولمة المالية: إدارة ثروات، شبكات خاصة، علاقات مع نخب سياسية وعلمية. هذا النمط وُصف في دراسات الثروة المعولمة بأنه يعتمد على وسطاء قادرين على عبور الحقول وتنسيق العلاقات بين عوالم متباينة (Harrington, 2016). في المقابل، يمثّل تشومسكي ذروة الرأسمال الرمزي في الحقل الفكري: اسم يتجاوز التخصص، يُستدعى في النقاشات السياسية والأخلاقية، ويُمنح مكانة استثنائية في الفضاء العامّ. التقاء هذين النمطين من الرأسمال، المالي والرمزي، لا يبدو، بنيوياً، حادثاً عرضياً.

تكشف المراسلات المسرّبة بين الرجلين عام 2019، والتي تضمّنت نصائح حول كيفية التعامل مع العاصفة الإعلامية، عن لحظة تداخل بين رأس المالين. فالنصيحة ذاتها، أي الدعوة إلى تجاهل الهجوم الصحفي، والتحفّظ على ما وصفه تشومسكي بـــ "الهستيريا"، يمكن قراءتها بوصفها تدخّلاً من حامل رأسمال رمزي في أزمة تخصّ حامل رأسمال مالي. 

هنا لا يعمل الرأسمال الرمزي كقوة معارضة، إنما كموارد تفسيرية تُستدعى داخل لحظة دفاعية. إن ما يجعل هذه اللحظة دالة ليس مضمونها الأخلاقي فحسب، بل انتقال سلطة التعريف، التي طالما استُخدمت لتفكيك خطاب القوة، إلى سياق يخصّ فاعلاً من قلب شبكاتها.

لقد بيّنت أدبيات "الرأسمالية الأكاديمية" أنّ الجامعة ليست معزولة عن منطق السوق وصارت جزءاً من اقتصاد تنافسي يعتمد على التمويل الخاصّ والشراكات (Slaughter & Rhoades, 2004). 

في هذا السياق، يصبح التقاطع بين العلماء والمموّلين ظاهرة اعتيادية. لكنّ الاعتياد البنيوي لا يُلغي التوتر الرمزي حين يكون المموّل متورّطاً في فضيحة ذات أبعاد عالمية. 

الفضيحة، كما حلّلتها دراسات "الفضيحة السياسية" (Thompson, 2000)، ليست مجرّد كشف لواقعة حيث تتعداها إلى إعادة ترتيب للمراتب داخل الفضاء العامّ. إنها لحظة تُعاد فيها كتابة السرديات حول الفاعلين، ويُعاد تقييم رساميلهم.

قضية إبستين، بوصفها فضيحة عابرة للحدود، سلّطت الضوء على طبيعة النظام العالمي الذي يسمح بتراكم الثروة والنفوذ في شبكات مغلقة نسبياً، قادرة على تأمين قدر من الإفلات من المساءلة. هذا النمط من التمركز، الذي وصفته تحليلات النخبة العابرة للقوميات (Sklair, 2001)، يعمل عبر الشركات والثقافة والجامعة والعمل الخيري. وفي هذا الإطار، يصبح استقطاب شخصيات فكرية وازنة جزءاً من استراتيجية أوسع لإعادة إنتاج الشرعية.

أما تشومسكي، الذي بنى خطابه على نقد الإمبريالية والرأسمالية المعولمة، فيتحرّك هو الآخر داخل النظام العالمي، لا خارجه. إنتاجه المعرفي يُتداول عالمياً، جامعات النخبة تحتضنه، الإعلام الدولي يستضيفه. إنه فاعل في حقل عالمي للمعرفة، يتقاطع موضوعياً مع الحقول الاقتصادية والسياسية. 

من هذا المنظور، لا يبدو لقاؤه بشبكات ثروة معولمة قطيعة منطقية مع موقعه، بل نتيجة لمسار تراكم رأسمالي رمزي بلغ درجة تجعله مرغوباً داخل دوائر متعددة، حتى المتناقضة أيديولوجياً معه.

التحليل الصادم هنا لا يقوم على اتهام أخلاقي، كاشفاً منطق التحويل المتبادل بين الرساميل. الرأسمال المالي الذي يسعى إلى الاقتراب من مصادر الاعتراف الثقافي؛ والرأسمال الرمزي، بحكم انتشاره العالمي، الذي يدخل موضوعياً في شبكة علاقات لا يمكن فصلها تماماً عن البنية التي ينتقدها. 

إنّ ما تكشفه قضية إبستين ليس فقط هشاشة أخلاقية محتملة، بل هشاشة تصوّرنا للمثقّف بوصفه خارج اللعبة. وكما بيّنت تحليلات الحقول، لا يوجد موقع خارج البنية؛ هناك فقط مواقع متفاوتة في قدرتها على المناورة داخلها (Bourdieu, 1996).

بهذا المعنى، تمثّل قضية إبستين لحظة تكثيف لآليات النظام العالمي: المال يبحث عن شرعية، والشرعية تُنتج داخل الحقول الثقافية، والفضيحة تعيد توزيع الرساميل عبر كشف التداخلات. وعندما يظهر اسم تشومسكي داخل هذه الشبكة، فإنّ الصدمة لا تكمن في حدوث اللقاء، بل في انكشاف منطق كان يعمل بصمت: أنّ الرأسمال الرمزي، مهما بدا نقدياً، يظل جزءاً من اقتصاد عالمي للشرعية.

إنّ التقاءهما لا يلغي التناقض الأيديولوجي، لكنه يكشف أنّ التناقض ذاته لا يمنع التماس البنيوي. وفي هذا التماس تحديداً تتجلى دلالة القضية: ليس بوصفها انحرافاً فردياً، بل كمرآة تعكس طبيعة نظام تتقاطع فيه المعرفة والمال في شبكة واحدة، حتى حين يبدو الخطاب على طرفيها متباعدين.

الفضيحة كاختبار للاتساق الأخلاقي

  • قوة
    قوة "الفضيحة" لا تترك للفاعل سيطرة كاملة على سرديته؛ فالجمهور شريك في إنتاج المعنى، حتى أنه قد يفرض تأويلاً مغايراً

الفضيحة ليست حادثاً عرضياً في الحياة العامّة. إنها آلية اجتماعية لإعادة فحص العلاقة بين الهوية والخطاب والموقع. إنها لحظة تكثيف يُعاد فيها توزيع الشرعية، ويُختبر فيها ما إذا كان الرصيد الرمزي المتراكم قادراً على الصمود أمام انكشاف مفاجئ.

وكما بيّن جون ب. طومسون في تحليله للفضائح السياسية، فإنّ الحدث لا يكتسب دلالته من الفعل ذاته بقدر ما يكتسبها من كونه يقع تحت نظام رؤية مكثّف، حيث تتحوّل الخصوصيات إلى مادة عمومية، وتُعاد صياغة المكانة في ضوء ما يظهر (Thompson, 2000). الفضيحة، بهذا المعنى، ليست كشفاً فحسب. إنها إعادة تعريف.

في حالة تقاطع اسم فكري بحجم تشومسكي مع فضيحة إبستين، لم يكن النقاش منصبّاً على خرق قانوني مباشر، بل على سؤال الاتساق. فالمثقف الذي شغل موقعاً أخلاقياً واضحاً في نقد السلطة، وفضح تواطؤ النخب، وجد نفسه في لحظة يُقرأ فيها فعله - أو نصيحته - ضمن سردية معاكسة. هنا يتدخّل منطق المجال العامّ كما حلّله يورغن هابرماس: الفاعل العمومي مطالب دائماً بتبرير أفعاله أمام جمهور يفترض اتساقاً بين الخطاب والممارسة. وعندما يظهر تنافر بينهما، فإنّ الأزمة لا تكون تقنية، بل معيارية.

الفضيحة تعمل كمرآة أخلاقية. إنها تُظهر الفجوة ، إن وُجدت، بين الصورة الذاتية التي بناها الفاعل، والصورة التي ينتجها الحدث. في هذا السياق، يصبح الرأسمال الرمزي عبئاً بقدر ما هو رصيد. فكلما ارتفعت المكانة، تعاظمت التوقّعات. إن ما يُغتفر لفاعل عادي، يُقرأ بوصفه خيانة رمزية لدى فاعل بُنيت شرعيته على ادعاء الاتساق الأخلاقي. هنا لا يعود السؤال: هل ارتُكب خطأ؟ بل: هل يتعارض هذا الخطأ مع الهوية المعلنة؟

تُظهر سوسيولوجيا الوصم أنّ السمعة ليست جوهراً ثابتاً، بل بناء تفاعليّ يُدار باستمرار. الفضيحة تقطع هذا التدبير وتفرض تعريفاً جديداً للفاعل في نظر الجمهور. وفي حالة تشومسكي، لم تكن المراسلات المسرّبة مجرّد وثائق؛ كانت مادة لإعادة تأويل تاريخه. النصيحة بتجاهل العاصفة الإعلامية، أو التحفّظ على "الهستيريا"، لم تُقرأ بوصفها رأياً عابراً، إنما إشارة تُختبر في ضوء عقود من الخطاب النقدي. "الفضيحة"، إذاً، لا تقيس الفعل منفصلاً، بل تضعه في ميزان السردية الكاملة.

غير أنّ الفضيحة ليست فقط لحظة إدانة، بل لحظة تبرير أيضاً. لقد طوّر تحليل "أنظمة التبرير" فكرة أنّ الفاعلين، حين يُوضعون تحت المساءلة، يلجأون إلى عوالم قيمية مختلفة لإعادة إدماج أفعالهم ضمن إطار مقبول. الاعتذار، والإشارة إلى الخداع، وتأكيد الجهل بحجم الوقائع، كلّها محاولات لاستعادة الاتساق عبر إعادة تأطير الحدث.

غير أنّ قوة الفضيحة تكمن في أنها لا تترك للفاعل سيطرة كاملة على سرديته؛ فالجمهور شريك في إنتاج المعنى، حتى أنه قد يفرض تأويلاً مغايراً.

يضاعف الفضاء الإعلامي المعاصر هذا الأثر. كما أشار لومان، وسائل الإعلام لا تنقل الواقع فحسب، بل تبنيه عبر اختيار ما يُعرض وكيف يُعرض. التسريب يصبح حدثاً بحدّ ذاته، ويتحوّل إلى عقدة سردية تُدرج ضمن قصة أكبر عن النخبة والامتياز والإفلات من العقاب. في هذه البنية، لا تُقرأ العلاقة في عزلة، بل في سياق شبكة واسعة من الاتهامات والتاريخ المسبق. وهكذا تتجاوز الفضيحة حدود الفعل الفردي لتصبح اختباراً للنظام الأخلاقي الذي يُفترض أن يحكم المجال العامّ.

يظهر هنا بوضوح أنّ الاتساق الأخلاقي ليس حالة مستقرة، بل علاقة هشّة بين الفاعل والجمهور. وفق تحليل الاعتراف الاجتماعي، لا تقوم الهوية العمومية إلا بقدر ما يُمنح الفاعل اعترافاً مستمراً من الآخرين. الفضيحة تُهدّد هذا الاعتراف، لأنها تُدخل عنصر الشكّ في السردية السابقة. ولا يتعلّق الأمر بإلغاء الماضي، بل بإعادة ترتيبه: هل تُقرأ الأعمال السابقة بوصفها دليلاً على صدقية طويلة، أم يُعاد تأويلها في ضوء اللحظة الراهنة؟

ما يجعل هذه الحالة صادمة ليس مجرّد التناقض الظاهر، بل حقيقة أنّ الفضيحة تكشف حدود الفصل بين الخاصّ والعامّ. الفاعل العمومي لا يملك ترف اعتبار علاقاته شأناً خاصاً بالكامل. المجال العمومي الحديث، كما بيّنت تحليلات السياسة والأخلاق، يقوم على توقّع أن تكون الحياة الخاصة منسجمة، أو على الأقل غير متعارضة بوضوح، مع الرسالة العامّة. وحين يحدث تماسّ بين المجالين، تتحوّل المسافة إلى موضوع مساءلة.

ومع ذلك، فإنّ القراءة التحليلية لا تنتهي عند حدود الإدانة. الفضيحة تُظهر أيضاً أنّ المثقّف، مهما بلغ من الوعي النقدي، ليس خارج البنية التي يعمل داخلها. إنه يخضع للمنطق ذاته الذي يُخضع غيره: منطق الرؤية، والمساءلة، وإعادة التقييم. لا توجد حصانة رمزية مطلقة. الاتساق ليس صفة ثابتة، بل أداء مستمر يُختبر كلما انكشف حدث جديد.

بهذا المعنى، تعمل الفضيحة كآلية ضبط أخلاقي في المجتمعات الحديثة. إنها لا تُسقط بالضرورة، لكنها تُعيد ترتيب المراتب، وتُجبر الفاعلين على إعادة صياغة مواقعهم. في حالة تشومسكي، لم تُمحَ أعماله، لكنّ إرثه أصبح موضوع نقاش مختلف. لم يعد يُقرأ فقط كمنظّر نقدي، بل كفاعل خضع لاختبار علني للاتساق.

إنّ الصدمة الحقيقية لا تكمن في أنّ مثقّفاً يمكن أن يخطئ، بل في أنّ الرأسمال الرمزي — الذي يُفترض أنه ضمانة ضدّ التناقض — يظلّ عرضة للانكشاف. الفضيحة تذكّرنا بأنّ المجال العمومي لا يحاكم الأفعال فقط، بل يحاكم الصور. وأنّ الاتساق الأخلاقي، مهما بدا راسخاً، يظلّ علاقة متجدّدة بين القول والفعل، علاقة يمكن لحدث واحد أن يعيد فتحها على مصراعيها.

حدود المسافة بين النقد والسلطة: عندما يصبح القرب بنيوياً

  • المكانة التي تُنتج نوعاً من الثقة المسبقة بالذات جعلت تشومسكي يرى نفسه محصّناً ضدّ الوقوع في فخاخ السلطة
    المكانة التي تُنتج نوعاً من الثقة المسبقة بالذات جعلت تشومسكي يرى نفسه محصّناً ضدّ الوقوع في فخاخ السلطة

ما تكشفه وثائق العلاقة بين تشومسكي وإبستين لا يقتصر على إحراج أخلاقي أو مفارقة شخصية، إنما يضعنا أمام سؤال أكثر تعقيداً: كيف تُنتَج المسافة بين المثقّف والسلطة، وكيف تتآكل من دون أن يشعر الفاعل نفسه بذلك؟ المسألة هنا ليست أنّ ناقداً التقى برجل مال نافذ، بل أنّ هذا اللقاء اتخذ طابعاً "منتظماً"، وجرى وصفه بأنه "تبادل فكري ذو قيمة كبيرة". هذه اللغة بالذات تستحق التوقّف؛ لأنها تكشف أنّ العلاقة لم تُفهم، على الأقل من أحد أطرافها، كتناقض، بل كتفاعل مشروع داخل فضاء مشترك.

لفهم ذلك، ينبغي الانتقال من سؤال الأخلاق إلى سؤال البنية. في تحليل الحقول، لا تُعرَّف السلطة بوصفها قمعاً مباشراً، ولكن كقدرة على تنظيم المسافات بين المواقع. الحقل الأكاديمي ينتج شرعيته عبر ادعاء الاستقلال، إلا أن هذا الاستقلال ليس عزلة، بل شكل خاص من الارتباط. بورديو أشار إلى أنّ الاستقلالية تُنتَج تاريخياً داخل شبكة علاقات مع الدولة والسوق، لا خارجها. كلما ارتفع موقع الفاعل داخل الحقل، ازداد احتكاكه بحدوده. ومن يبلغ ذروة الاعتراف العالمي، كما في حالة تشومسكي، لا يعود يتحرّك داخل دائرة تخصصية ضيقة، بل داخل فضاء عابر للحقول.

إبستين، من جهته، لم يكن رجل مال تقليدياً يعمل في الظلّ فقط. كان يبني لنفسه صورة وسيط بين الثروة والمعرفة. دعواته للعلماء، واستخدام ممتلكاته كمواقع لقاء، وتقديم دعم مالي في سياقات شخصية، كلها أدوات لإدخال رأس المال المالي في مدار الرأسمال الرمزي. هذا النمط من الفاعلين وُصف في دراسات النخب الشبكية بأنه يقوم على "الوساطة بين العوالم". أي ربط مواقع غير متجانسة لإنتاج نفوذ غير مرئي. من هذه الزاوية، يصبح التقاطع مع شخصية فكرية كبرى جزءاً من استراتيجية بناء مكانة، لا حدثاً طارئاً.

السؤال الذي يفرض نفسه: لماذا قَبِل تشومسكي هذا القرب؟ هنا لا يكفي القول إنه خُدع أو لم يكن مطلعاً على كل التفاصيل. الأهم أنّ العلاقة بدت، في لحظتها، قابلة للتبرير. تحليل "أنظمة التبرير" يوضح أنّ الفاعلين يقيّمون أفعالهم وفق عوالم قيمية متعدّدة. من داخل عالم البحث والتبادل الفكري، قد يُنظر إلى اللقاء باعتباره حواراً معرفياً؛ من داخل عالم العدالة الجندرية، يُقرأ بوصفه تقاطعاً مقلقاً. المفارقة تنشأ من انتقال الفعل بين هذين العالمين.

هناك أيضاً عنصر آخر. إنه المكانة التي تُنتج نوعاً من الثقة المسبقة بالذات. المفكّر الذي أمضى عقوداً في تفكيك خطاب السلطة قد يرى نفسه محصّناً ضدّ الوقوع في فخاخها. هذه الثقة قد تُنتج ما يشبه "العمى البنيوي". أي الاعتقاد بأنّ القدرة على النقد تمنح مناعة ضدّ الاستيعاب. لكنّ ميشال فوكو أظهر أنّ السلطة لا تعمل فقط عبر القمع، بل عبر إدماج الذوات داخل شبكاتها. ليس المطلوب إسكات الناقد، بل جعله جزءاً من مشهد أوسع حيث يصبح حضوره قيمة مضافة.

التحويل المالي الذي مرّ عبر حساب مرتبط بإبستين، حتى لو لم يُقدَّم بوصفه دعماً مباشراً، يدخل ضمن هذا الاقتصاد الرمزي. المال هنا ليس مجرد مبلغ، ولكن علامة على وجود علاقة ثقة وتبادل. في عالم تتداخل فيه الشبكات، لا يُقاس القرب فقط بحجم التمويل، بل بنوع العلاقة التي يسمح بها. عندما يصف مفكّر عالمي مثل تشومسكي رجلاً مثيراً للجدل كإبستين بأنه "صديق عالي القيمة"، فإننا أمام شكل من الاعتراف المتبادل يتجاوز المجاملة.

تتضح أهمية هذه النقطة حين ننظر إلى أثر القضية على المؤسسات الأكاديمية المرتبطة بتشومسكي. ردود الجامعات لم تتجاوز مراجعة سياسات الهبات، وكأنّ المشكلة إدارية. لكنّ المسألة أعمق: إنها تتعلّق بالبنية التي تسمح بتدفّق الرأسمال المالي إلى الحقول المعرفية من دون مساءلة كافية. "الرأسمالية الأكاديمية" لم تعد فرضية نقدية، إنما أضحت واقعاً مؤسسياً. في هذا الواقع، تصبح العلاقات مع مموّلين نافذين جزءاً من الحياة الجامعية، حتى حين تتعارض قيمهم مع الخطاب المعلن.

لا يعني ذلك أنّ النقد يتحوّل تلقائياً إلى تواطؤ، إلا أن الحدود بينهما أقل صلابة مما نتصوّر. أنطونيو غرامشي تحدّث عن المثقف بوصفه جزءاً من كتلة تاريخية، لا متفرّجاً عليها. من هذا المنظور، لا يمكن للمثقف العالمي أن يقف خارج النظام الذي يمنحه منصته وشرعيته. إنه يتحرّك داخل شبكة عالمية من الجامعات ووسائل الإعلام والمؤسسات، وكلها مرتبطة، بدرجات متفاوتة، بمنطق السوق والتمويل. المسافة هنا ليست جداراً، بل خطاً تفاوضياً متحرّكاً.

القضية إذاً لا تكمن في إثبات جرم، ولكن في إدراك كيف يتشكّل القرب من دون نيّة معلنة. اللقاءات، الرسائل، الإشادات المتبادلة، كلها عناصر صغيرة تتراكم لتنتج علاقة. وعندما تنكشف الشبكة بفعل فضيحة، تبدو هذه العناصر فجأة ذات دلالة مختلفة. ما كان يُرى كتبادل فكري يُقرأ كغطاء؛ وما كان يُعدّ دعماً تقنياً يُعاد تفسيره كجزء من اقتصاد الاعتراف.

الأثر الأكثر عمقاً لا يخصّ تشومسكي وحده، بل صورة المثقف النقدي في زمن الشبكات. إذا كان النقد نفسه يتحرّك داخل بنية تُعيد توزيع الشرعية، فإنّ السؤال يصبح: كيف يمكن الحفاظ على مسافة فعّالة؟ ليس عبر ادّعاء النقاء، بل عبر وعي دائم بأنّ كلّ علاقة هي موقع محتمل لتحويل الرأسمال. ما تكشفه هذه الحالة هو أنّ السلطة لا تحتاج إلى شراء الضمائر؛ يكفي أن تفتح أبوابها، وأن تسمح للرأسمال الرمزي بأن يجد فيها مكاناً.

في النهاية، لا يُختزل الأمر في مفارقة شخصية، بل في بنية عالم تتقاطع فيه المعرفة والمال على نحو يجعل المسافة بينهما قابلة للانكماش من دون إعلان. تشومسكي لم يتحوّل إلى مدافع عن السلطة، لكنّ حضوره داخل شبكة إبستين أظهر أنّ النقد، مهما كان جذرياً، يتحرّك داخل فضاء مشترك مع ما ينتقده. وهذه الحقيقة، بقدر ما هي مزعجة، تكشف أنّ حدود المسافة ليست خطوطاً أخلاقية ثابتة، بل علاقات اجتماعية تُعاد صياغتها باستمرار.

قائمة المراجع

Bourdieu, P. (1988). Homo Academicus. Stanford, CA: Stanford University Press.

Bourdieu, P. (1996). The State Nobility: Elite Schools in the Field of Power. Stanford, CA: Stanford University Press.

Harrington, B. (2016). Capital Without Borders: Wealth Managers and the One Percent. Cambridge, MA: Harvard University Press.

Mills, C. W. (1956). The Power Elite. New York, NY: Oxford University Press.

Sklair, L. (2001). The Transnational Capitalist Class. Oxford: Blackwell.

Slaughter, S., & Rhoades, G. (2004). Academic Capitalism and the New Economy: Markets, State, and Higher Education. Baltimore, MD: Johns Hopkins University Press.

Thompson, J. B. (2000). Political Scandal: Power and Visibility in the Media Age. Cambridge: Polity Press.

Useem, M. (1984). The Inner Circle: Large Corporations and the Rise of Business 

 

اخترنا لك