"حبيبي حسين": عن الــ NGOs وإعادة الاعتبار للخبرة المنسيّة

فيلم "حبيبي حسين" يكشف طبقة كاملة من الواقع الفلسطيني. واقع يتقاطع فيه الشغف السينمائي القديم مع منظومات التمويل الدولي، والذاكرة المحلية مع حضور أجنبي لا يعرف المكان، لكنه يدّعي إصلاحه.

خلال "مهرجان القاهرة السينمائي الدولي"، الذي اختتم فعّالياته قبل أسابيع قليلة، وبين ضجيج النقاشات المعتادة بعد انتهاء عرض كلّ فيلم، خيض نقاش من نوع آخر حول فيلم "حبيبي حسين" للمخرج الفلسطيني، أليكس بكري. كأنّ الفيلم أقرب إلى جرس إنذار بصري منه إلى فيلم وثائقي تقليدي. 

ذلك أنّ "حبيبي حسين" لا يقدّم قصة بقدر ما يكشف طبقة كاملة من الواقع الفلسطيني؛ واقع يتقاطع فيه الشغف السينمائي القديم مع منظومات التمويل الدولي، والذاكرة المحلية مع حضور أجنبي لا يعرف المكان، لكنه يدّعي إصلاحه.

حسين دربي: الرجل الذي بقي حين غادرت السينما

  • يكشف فيلم
    يكشف فيلم "حبيبي حسين" طبقة كاملة من الواقع الفلسطيني

ينطلق الفيلم من قلب مدينة جنين، وتحديداً من داخل سينما قديمة كانت ذاكرة جماعية أكثر من كونها مبنى. أما البطل فهو حسين دربي، الذي يقف كآخر حارس لحقبة كاملة من زمن السينما الفلسطينية. 

حسين، الرجل الذي أمضى أكثر من 4 عقود خلف آلة عرض تضيء العتمة بصور متحرّكة، يجد نفسه اليوم أمام فرصة قد تبدو، للوهلة الأولى، أشبه بعودة الروح: منظمة ألمانية غير حكومية تعلن نيّتها ترميم السينما المتوقّفة منذ سنوات وإعادة فتح الستار من جديد.

بالنسبة لحسين، لم تكن هذه مجرّد مبادرة خارجية أو مشروع تمويل أجنبي - بل هي وعد باستعادة ما فقده: وظيفته، دوره، ومكانته داخل المكان الذي كان قبل سنوات "مملكته الصغيرة". ومع وصول الفريق الأجنبي، يستيقظ في داخله شغفه القديم؛ فيهرع نحو جهاز العرض العتيق الذي يعود عمره إلى نصف قرن - جهاز يعمل بالفحم وتقنيات اندثرت، لكنه بالنسبة له قطعة من روحه.

عند سؤاله حول ما شدّه في شخصية بطل الفيلم، يقول المخرج اليكس بكري في حديثه مع "الميادين الثقافية" إنّ: "جورج برنارد شو، قال نحن لا نكفّ عن اللعب لأننا نكبر بل نكبر لأننا نكفّ عن اللعب، وحسين لم يكفّ أبداً عن اللعب وكان شغوفاً جداً بما يعمله، وهذا ما أضاف لشخصيته جمالاً وعفوية وجعله شخصاً مميّزاً بالفعل". 

ويضيف بكري "رغم تحمّله همّ الاعتناء بأسرته الكبيرة والصغيرة، إلا أنّ حسين لم يسمح أبداً لهذه المسؤوليات بالانتقاص من البهجة التي كان يضفيها على عمله، كان به سحر خاصّ، في طريقة تأمّله للأشياء، واستمتاعه بعمله والحياة بشكل عام وبإخلاصه لفكرته ولنفسه. اللحظة التي أشعل فيها حسين الضوء في الماكينة القديمة (عمرها 50 عاماً وتعمل بالفحم الحديدي)، كانت اللحظة التي شدّتني إليه في البداية. أحسست أنه شخصية سينمائية، وكأنّ كلّ سنين العرض طبعت فيه سمات البطل السينمائي، كما أنّي شعرت بأنّ مصيرنا مشترك، ربما لأننا فلسطينيان، أو لأننا نتشابه في رؤيتنا للحياة".

خط تماس بين زمنين

في الفيلم، يتحوّل بحث حسين دربي عن قطع الغيار إلى رحلة عبر الزمن والجغرافيا معاً؛ فيتنقّل بين مدن الضفة الغربية، بل ويخاطر بمحاولة عبور الحدود إلى "إسرائيل"، ليجمع ما تبقّى من عدسات وشرائط كربون ومصابيح من دور سينما هجرتها الحياة. كلّ ذلك فقط كي يعود الضوء يوماً إلى شاشة سينما جنين.

حول التنقّل بين الأزمنة يقول بكري إنّ: "هناك رحلتين يقوم بهما حسين خلال الفيلم؛ الأولى للحصول على الفحم الحديدي الذي كان يشغّل الماكينات القديمة، وهي أشبه برحلة إلى الماضي حيث يلتقي حسين بأصحاب السينمات القديمة في الضفة، ومن خلال هذه الرحلة نتعرّف إلى مصير هذه السينمات". 

"أما الرحلة الثانية فيقوم بها حسين لجلب عدسات للآلات الجديدة، وخلالها يحاول العبور إلى إسرائيل وهنا نرى كيف تعمل منظومة الاحتلال، ونتعرّف إلى الصعوبات في الحصول على أبسط الأشياء من خلال تحديد حركة الفلسطيني الذي يجب أن يهرق وقتاً كبيراً من أجل الحصول على تصريح للعبور من مكان إلى آخر". 

ويتابع بكري: "هنا نرى جانباً آخر من شخصية حسين دربي. إذ لم يثنه شيء عن خوض أصعب الظروف، وظل ملتزماً بالفكرة مهما بلغت صعوبتها. تلك الرحلة هي جانب من الفيلم، إلا أنّ ما منح الوثائقي نبضه الإنساني هو شخصية حسين نفسه. الإنسان الذي يحمل بعداً أكبر من السينما ذاتها، لأنّ وجوده هو ما يفتح نافذة للمعنى والسينما هنا هي امتداد لهذه الحالة الإنسانية".

هكذا يروي الفيلم قصة مُشغّل أفلام يحاول إنقاذ جهاز قديم يجد نفسه أمام حالة "صداميّة" عميقة: بين خبرة محلية أصلية ومتجذّرة، وبين مؤسسة أجنبية تدخل السياق الفلسطيني محمّلة بالتصوّرات الحديثة، والهياكل البيروقراطية، والحلول المستوردة. شيئاً فشيئاً، يبدأ حسين يشعر أنّ ما قُدّم له كفرصة هو في الحقيقة مساحة تضيق باستمرار، وأنّ خبرته التي كانت يوماً ضرورة أصبحت اليوم "غير ملائمة" لعصر لم يعد يشبهه.

الفيلم، المستوحى من أحداث حقيقية تعود لعام 2008، لا يكتفي بسرد حكاية شخصية؛ بل يلتقط، بحدةٍ شاعرية وبكوميديا سوداء، ظاهرة أكبر يصفها كثيرون في فلسطين بـ"الاحتلال الثالث": أي حضور المنظمات الدولية بميزانياتها وأجنداتها، وما تتركه — أحياناً من دون قصد — من تهميش للخبرات المحلية، وإعادة تشكيل للمكان بصورة منفصلة عن سياقه وعن ناسه.

وسط هذا التغيير، يبدو حسين دربي كمَن يقف على خط تماس بين زمنين: زمن سينما تشتعل بالحلم والمقاومة والذاكرة، وزمن آخر تُدار فيه الأشياء عبر شاشات الحاسوب وبرامج التدريب، في زمن سريع لا يحتمل بطء الفحم ولا دفء اليد التي تعرف كيف تُعيد الحياة لآلة صامتة منذ عقود.

يشكّل هذا الفيلم الوثائقي الطويل والذي امتدت صناعته نحو 17 عاماً، الانطلاقة الإخراجية الأولى لأليكس بكري؛ ابن قرية البعنة في الجليل والمقيم في ألمانيا. اسمٌ حاضر منذ سنوات في المشهد السينمائي الفلسطيني والعالمي، لكن غالباً من خلف الكاميرا أو داخل غرفة المونتاج. 

فقد سبق لبكري أنّ عمل كمونتير في أفلام بارزة، من بينها الوثائقي المرشّح للجوائز الدولية "عن الآباء والأبناء" (2017)، كما شارك كمصوّر سينمائي وممثّل في أعمال شكّلت جزءاً من الذاكرة البصرية للسينما الفلسطينية المعاصرة، مثل فيلم إيليا سليمان "الزمن الباقي".

حول الرحلة الطويلة لصناعة الفيلم يقول بكري: "لقد كان الفيلم جزءاً جوهرياً من حياتي طوال هذه السنوات، ومع مرور الوقت ازدادت أوجه التشابه بيني وبين حسين دربي قوة ووضوحاً. حين دخل حسين السينما في بداية المشروع، كان يحمل معه عقوداً من الذكريات عن ذلك المكان. ومنذ تلك اللحظة حملت أنا ذكراه معي، فأصبح هو وقصته جزءاً مني، يوجّهني على الصعيدين الشخصي والمهني. منه تعلّمت الصدق والإخلاص في العمل، ليس سعياً وراء مكسب مادي، بل هو إشباع نابع من حب العمل. تعلّمت أنّ أتذوّق اللحظة حتى في أصعب الظروف. وكما كان حسين دربي يحتفي بالحياة رغم قسوتها، حاولت أنا أيضاً أن أحتفي بها، وأن أطمح لأن أكون إنساناً صالحاً كما كان هو. يمكن القول إنّ الفيلم يحمل بين طيّاته الذكريات والفرح والألم والفقدان، إلى جانب الفخر والشرف الكبيرين المتمثّلين في حفظ ذاكرته وإبقائها حيّة".

منعطف مثقل بالخيبات

  •  حسين دربي
    حسين دربي

مع تقدّم الأحداث، يبدأ المشروع في الانعطاف نحو مسار يبعث على الإحباط. فبدلاً من البناء على المعرفة المحلية أو الاستماع إلى خبرة حسين المتراكمة عبر أكثر من 4 عقود، تنشغل الجهة الألمانية المسؤولة في ضخّ ميزانيات إضافية والسعي وراء تمويل لا يتوقّف بهدف "تحديث" السينما. والمفارقة أنّ الفريق القادم بحماسة الإصلاح لا يتحدّث العربية، ولا يمتلك أيّ معرفة تقنية بتشغيل جهاز العرض القديم الذي يُفترض أن يكون محور المشروع.

كلما حاول حسين دربي التدخّل، أو تقديم ملاحظة تقنية يعرف تماماً ضرورتها، كان يُواجَه بتجاهل بارد وبجملة يكرّرها مدير المنظمة بثقة مريحة: مفادها: "دع الأمر لهم.. إنهم يعرفون أكثر". هنا تتجسّد الفجوة الحقيقية: ليست فجوة تقنية، بل فجوة في السلطة، وفي تعريف من يملك حقّ القرار ومن يمنح المعرفة قيمتها.

بين شعارات التعاون والشراكة التي تتغنّى بها المنظمات غير الحكومية، والواقع الذي يعيشه حسين دربي، يتكشّف وجه آخر للمشهد: خبرة محلية تمتد لـ 43 عاماً تُختزل أمام شهادة أوروبية، ورجلٌ كان يوماً عمود هذا المكان يصبح مجرّد يد عاملة تُستدعى عند الحاجة، من دون تقدير أو وعد أو حتى راتب.

في يوم العرض الأول، يُفتح باب السينما أخيراً. لكنّ حسين دربي لا يدخل من الباب الذي كان يوماً ملكه؛ بل يجلس على الهامش، يراقب المقاعد التي امتلأت بالموظفين الأجانب العاملين في ما يزيد عن 1000 منظمة في الضفة الغربية. أما التواصل معه، ومع المكان الذي عاش فيه عمره، فيتقلّص إلى 3 كلمات تُقال بابتسامة عابرة، وتحمل مفارقة ساخرة أكثر مما تحمل قرباً إنسانياً: "حبيبي، حسين، يلا".

على عكس الفيلم الألماني "سينما جنين" قرّر بكري الشروع في رحلة تنصف حسين دربي، محور الأحداث وقلب السينما النابض: "قصة إحياء السينما يجب أن تُروى من خلاله، فهو الروح التي كانت تنبض في السينما القديمة. كنت أتطلّع لصناعة حكاية انتصار؛ قصة مفعمة بالأمل يتّحد فيها البطل مع شغفه ويعود حلمه إلى الحياة. وهذا ما شدّني للمشروع في الأساس: فكرة إحياء شيء من روح المكان، واستعادة أثرٍ من ماضيه لأهله".

سينما تنتزع الحقّ في رواية الحكاية

  • يشكل فيلم
    يشكل فيلم "حبيبي حسين" نقطة اشتباك ثقافي وسياسي

فيلم "حبيبي حسين" الحائز على "جائزة شادي عبد السلام" لأحسن فيلم في الدورة السادسة والأربعين من "مهرجان القاهرة السينمائي الدولي"، يشكّل نقطة اشتباك ثقافي وسياسي. الفيلم الذي قدّمه أليكس بكري، لا يُقدَّم فقط كحكاية شخصية عن الحياة والذاكرة، بل إنه يفلت من التصنيفات الوطنية التقليدية، ويدفع الجمهور لطرح سؤال أكثر إرباكاً: من يحقّ له أن يروي فلسطين؟ ومن يملك تعريفاً لقيمة المعرفة؟ 

يقول بكري: "بعد أن تراجع دور حسين دربي في النسخة الأولى من الفيلم، كان الدافع الأساسي وراء تمسّكي بالمادة الأصلية وإعادة بناء المشروع من جديد هو شعوري بأنّ حسين، وامتداداً لذلك الفلسطيني، يستحقّ تمثيلاً أكثر قوة وحضوراً. لا يمكن لقصة تدور في جنين - عاصمة المقاومة الفلسطينية، أن تضع الفلسطينيين في موقع الشخصيات الثانوية؛ فذلك لا يفرغ الحكاية من معناها فحسب، بل يكرّس أيضاً تهميشنا في سرد روايتنا. إلى جانب ذلك، كان حسين يسألني باستمرار عن الفيلم ومتى سيكتمل. لم أتمكّن إلّا من عرض بعض المقاطع عليه، معظمها من البداية، ورأيت الفخر في عينيه وهو يشاهد نفسه في مركز القصة. عندها أدركت أنّ إتمام هذا الفيلم لم يعد مجرّد مشروع فنّي، بل أصبح قبل كلّ شيء وفاءً بوعد قطعته لصديق، والوعد دين".

عن اللغة السينمائية والسينما التي تستشرف المستقبل

  • أليكس بكري
    أليكس بكري

- كيف حافظ بكري على لغة سينمائية موحّدة رغم السنوات الطويلة؟ وهل هناك مشهد أو لحظة شعر أنها تختصر جوهر الفيلم؟

أليكس بكري: "لغة الفيلم السينمائية تطوّرت تدريجياً. إنّ الطريقة التي صُوِّر بها الفيلم هي في حدّ ذاتها توثيق للعلاقة المتطوّرة بيني وبين حسين. مع مرور الوقت، تعلّمنا معاً كيف نوجد داخل الفضاء نفسه. انسابت حركتي بشكل غير واعٍ مع إيقاع حركة حسين، ونما أسلوبي في التصوير إلى جانبه، وبفضله أيضاً. أصبحت لغة الفيلم طبيعية نابعة من علاقتنا".

- يلمّح الفيلم إلى أنّ ما حدث في جنين سيتكرّر في غزة في مشاريع الإعمار، كيف ترى هذا الارتباط؟

أليكس بكري: "إنّ دورة الدمار وإعادة الإعمار ليست غريبة على منطقتنا، إذ طالما جرى تمويلها والاستفادة منها عبر الاستعمار الغربي بأشكاله المختلفة. ومع ذلك، لم يكن فيلمي موجّهاً ليكون دراسة أكاديمية لهذه الأنماط، بل محاولة لالتقاط الأثر النفسي والعاطفي الذي تخلّفه على المتأثرين بها، مجسَّداً هنا في شخصية حسين دربي. في الفيلم لم تكن نيّتي انتقاد الأشخاص المعنيين، فهم أيضاً يأتون بنوايا حسنة ويريدون فعلاً أن يساعدوا. لكنّ النظام الذي يعملون ضمنه يخلق ظروفاً تؤدّي في النهاية إلى عكس ما كانوا يقصدونه. وهنا تكمن أهمية فهم التبعات المترتّبة على العمل داخل هذا النظام. ومن هنا فهي ربما تتطرّق بشكل أوسع لدور المنظومة الغربية في تكريس الاحتلال من خلال ترسيخ الوضع القائم. لكن أخشى أنّ الخطط الخاصة بغزة هي أكثر خبثاً ووضوحاً: عملية تطهير عرقي مباشرة ومتعمّدة، مجرّدة حتى من اللغة الإنسانية المصقولة التي كانت تُستخدم سابقاً لإخفاء مثل هذه الأنماط".

في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 أعلنت كتائب القسام معركة "طوفان الأقصى"، فاقتحمت المستوطنات الإسرائيلية في غلاف غزة، وأسرت جنوداً ومستوطنين إسرائيليين. قامت "إسرائيل" بعدها بحملة انتقام وحشية ضد القطاع، في عدوانٍ قتل وأصاب عشرات الآلاف من الفلسطينيين.

اخترنا لك