"جنيريك" نشرات الأخبار: ليس موسيقى فقط!
من كبرى محطات التلفزة إلى أصغرها، كيف تتحوّل موسيقى نشرات الأخبار إلى أداة لجذب الانتباه؟ ولماذا تعيش بعض شاراتها عقوداً؟
"إذا نجح المؤلف الموسيقي في نقل المشاعر خلال ثوانٍ معدودة، يكون قد حقق هدفه من العمل"، يقول المؤلف الموسيقي اللبناني، مهدي كلاس.
تلك هي القاعدة الأساسية التي يبني عليها المؤلف الموسيقي شارة البداية والنهاية، أو ما يُعرف بـ"الجنيريك"، ولا سيما في نشرات الأخبار. فكيف تُصنع موسيقى "الجنيريك"، ولماذا يعمّر العديد منها طويلاً؟ وعلى ماذا يشتغل المؤلف لجذب الانتباه وتحقيق هدفه في خلق هوية متفردة للقناة التلفزيونية أو الإذاعية؟
عادة ما تتخذ نشرات الأخبار طابعاً خاصاً، لارتباطها بالأحداث اليومية العاصفة وبعوامل مختلفة تفرض عليها أشكالاً من الرصانة والجدية وشد الانتباه، ما يتطلب نوعاً خاصاً من صناعة الموسيقى.
ويدخل هنا بقوة عنصر نقل المشاعر واستثارتها، نظراً إلى ارتباط الموسيقى باستجابات عصبية وانفعالية لدى المستمع أو المشاهد، إلى جانب وظيفتها السمعية والجمالية.
قد تكفي ثوانٍ قليلة لنقل المستمع إلى عوالم أخرى وشد انتباهه، فيما تختلف مدة "الجنيريك" بحسب المحطة وطبيعة النشرة والاستخدام التلفزيوني. فإلى ماذا يرتكز مبتكر الموسيقى لتحقيق هذه الغاية؟
يربط، مهدي كلاس، في حديث مع "الميادين الثقافية"، بداية هذه الصناعة بـ"الأثر النفسي" و"اللحن الجميل"، ويضيف أنها ترتكز عادة على عوامل عدة، أهمها "الهوية الإعلامية"، ونوع القناة، إن كانت رسمية أو شبابية، وأنماط الأخبار، إن كانت سياسية أو اقتصادية أو عامة، فضلاً عن الطابع الذي ستتخذه الموسيقى، وما إذا كان عالمياً أو عربياً.
الهوية البصرية وكواليس التأليف
لا ينفصل تأليف موسيقى نشرات الأخبار عن الهوية البصرية للقناة. إذ يشرح كلاس أنه يطّلع، ضمن منهجه الخاص في التأليف، على ديكور الاستديو والمواد المستخدمة فيه، سواء كانت خشبية أو بلاستيكية أو حديدية، ليستلهم منها خامات وآلات موسيقية تنسجم مع هوية المكان.
ويعدّ هذا الربط "سراً من أسرار البصمات الموسيقية"، حيث يجعل الموسيقى أكثر قرباً من المكان، أي "البلاتوه".
وتشتغل الموسيقى على ما يمكن وصفه بـ"الشد النفسي" (Suspense)، ثم يأتي "الإرخاء"، أي انخفاض صوت الموسيقى، ليقوم المذيع بعدها بإلقاء التحية. والهدف هو توليد شعور لدى المستمع يجعله متأهباً لتلقي معلومة مهمة من المذيع، بعد عملية "الإشباع الموسيقي" هذه.
ويقسم كلاس مراحل التأليف إلى قسمين. يرتبط الأول بالإيقاع "الواضح والمنتظم"، نظراً إلى علاقة الأخبار بالدقة والانضباط.
وبحسب كلاس، غالباً ما تكون سرعة هذا النوع من الموسيقى مرتفعة نسبياً، وقد تتراوح تقريباً بين 110 و140 ضربة في الدقيقة، تبعاً للهوية المطلوبة، من دون ينطبق ذلك على جميع شارات الأخبار.
تبقى الكثير من البصمات الموسيقية لعقود، ويعاد توزيعها وصياغتها مع الحفاظ على فكرتها اللحنية أو نبضها الإيقاعي الأساسي. وينجح المؤلف حين يستمع المتابع إليها بعد 10 سنوات من دون أن يشعر بأنها أصبحت قديمة.
أما القسم الثاني فيتعلق بـ"التآلف الموسيقي"، أو الهارموني، وبالانتقالات الموسيقية التي تمنح إحساساً بالحركة "من دون مبالغة عاطفية".
وغالباً ما تُستخدم سلالم أو تآلفات ذات طابع مينوري، لما تضفيه من جدية وتوتر درامي محسوب، مع إمكان الانتقال إلى تآلفات أخرى بحسب البناء الموسيقي المطلوب، ويُعتمد هذا البناء للتأثير في الحالة النفسية وتحريك مخيلة المستمع.
هكذا يتعمد المؤلف أن تكون الموسيقى الافتتاحية ملفتة للانتباه، فتتصاعد تدريجياً قبل أن تنتهي عند نقطة استقرار تسمح بدخول المذيع من دون أن تتعارض مع صوته. ويمكن تحقيق ذلك عبر تآلف موسيقي نهائي، أو نغمة ثابتة وممتدة تُعرف بـ"Pedal Note".
أما الآلات الموسيقية المستخدمة، فغالباً ما تكون مزيجاً من الأوركسترا والعناصر الإلكترونية الحديثة، ولا سيما الآلات النحاسية "Brass"، مثل الهورن والترومبيت والترومبون، لإضفاء شعور بالهيبة والقوة، إضافة إلى التيمباني، أي الطبول الأوركسترالية، وطبول التايكو اليابانية، والبيانو أو البيانو الهجين "Hybrid Piano"، لإبراز بعض النبضات، إلى جانب مؤثرات صوتية تحاكي لغة البيانات أو تشير إلى دقات الساعة.
لماذا لا تموت موسيقى "الجنيريك"؟
بعضها يموت طبعاً، لأن صناعة الموسيقى تكون عندها مرتبطة بالوظيفة والاستهلاك. أما البصمات الموسيقية الخالدة، فترتبط عادة بالهوية. ويقول المؤلف اللبناني إن السرّ يكمن في أن تكون الموسيقى "خارج الزمن"، وألا تكون بالضرورة مرتبطة باتجاه موسيقي حديث وعابر.
ويعدد كلاس أسباب نجاح هذه البصمات الموسيقية واستمرارها، بدءاً من اللحن القصير المبني على فكرة موسيقية من 3 إلى 6 نغمات، ليصبح "شعاراً صوتياً" (Audio Logo)، مروراً بالاعتماد على الأوركسترا والإيقاع الكلاسيكي واستخدام الآلات النحاسية، وهي عناصر يمكنها أن تعيش عشرات السنين، وصولاً إلى البساطة، إذ "كلما زادت التفاصيل، شاخت الموسيقى أسرع".
وظيفة تأليف موسيقى "الجنيريك" لا تتمثل في صنع قطعة موسيقية مستقلة للاستماع، بل في إنتاج موسيقى للأخبار تدعم الصورة ولا تطغى عليها.
وتؤدي المرونة أيضاً دوراً مهماً، إذ تصبح الموسيقى جزءاً من ذاكرة المشاهد وتخدم الصورة من دون أن تنافسها. ومن المفيد هنا التركيز على أن وظيفة تأليف موسيقى "الجنيريك" لا تتمثل في "صنع قطعة موسيقية مستقلة للاستماع"، بل في إنتاج موسيقى للأخبار تدعم الصورة ولا تطغى عليها.
وتبقى الكثير من البصمات الموسيقية لعقود، ويُعاد توزيعها وصياغتها مع الحفاظ على فكرتها اللحنية أو نبضها الإيقاعي الأساسي. وينجح المؤلف حين يستمع المتابع إلى موسيقى نشرة الأخبار بعد 10 سنوات، مثلاً، من دون أن يشعر بأنها أصبحت قديمة.
"الجنيريك" والجهاز العصبي
-
الموسيقي اللبناني مهدي كلاس
تجمع الموسيقى علاقة وثيقة باستجابات الدماغ والجهاز العصبي لدى المستمع. وتشير دراسات إلى أن سرعة الموسيقى وإيقاعها ودرجة الألفة بها قد تؤثر في مستوى الاستثارة والانتباه، وفي بعض استجابات الجهاز العصبي اللاإرادي، علماً أن هذه التأثيرات تختلف بين الأفراد والثقافات والسياقات.
وبحسب كلاس، يمكن للإيقاع المنتظم والسريع نسبياً أن يعزز الشعور باليقظة والاستعداد، فيما يرفع التصاعد التدريجي في القوة الصوتية مستوى الاستثارة، ويخلق شعوراً بأن شيئاً مهماً على وشك الحدوث.
أما في التصميم الصوتي، فتستخدم الترددات المنخفضة، مثل أصوات الآلات النحاسية الغليظة والطبول، غالباً لإضفاء الإحساس بالقوة والثقل، فيما تساعد الترددات الأعلى على إبراز بعض الإشارات والتنبيهات. إلا أن تأثير هذه العناصر لا يكون متماثلاً لدى جميع المستمعين.
المهم هو إيصال المستمع إلى حالة "يقظة هادئة، لا إلى إثارة مفرطة"، تشعره بأن هناك معلومات مهمة وعاجلة من دون أن تدخله في حالة توتر أو خوف.
ويقول كلاس في هذا الإطار: "عندما يحقق المؤلف توازناً بين المتوقع والمفاجئ، يحافظ بذلك على انتباه المستمع من دون أن يربكه". ذلك أن المهم هنا هو إيصال المستمع إلى حالة "يقظة هادئة، لا إلى إثارة مفرطة"، تشعره بأن هناك معلومات مهمة وعاجلة من دون أن تدخله في حالة توتر أو خوف.
ويتحقق ذلك من خلال استخدام ضربات قوية في لحظات محددة لجذب الانتباه، والاتكاء على جمل لحنية قصيرة ومتكررة، نظراً إلى سهولة تعرّف الدماغ إلى الأنماط المتكررة وتذكّرها، خاصة إذا ربطناها بالتفاعل الكيميائي في الدماغ عند سماع ألوان مختلفة من الموسيقى وطريقة تفاعلنا العصبي معها. ذلك أن الموسيقى تتفاعل عموماً مع مناطق متعددة في الدماغ ترتبط بالسمع والذاكرة والانفعال. لذلك يمكن، وفق كلاس، إطلاق تسمية "هندسة الانتباه" على هذه الموسيقى التي تسعى إلى توجيه المستمع نحو الحالة الذهنية التي تخدم الرسالة الإعلامية.
موسيقى أخبار "BBC News"
-
\
أطلق المؤلف البريطاني ديفيد لوي (David Lowe)، عام 1999، الهوية الموسيقية الخاصة بأخبار شبكة "بي بي سي".
وحافظت هذه البصمة الموسيقية على هويتها الأساسية حتى اليوم، مع إعادة توزيعها وتحديثها مرات عدة.
وتعود أسباب نجاحها، بحسب كلاس، إلى جمعها العديد من العناصر المدروسة، بدءاً من الجملة الموسيقية القصيرة، مروراً بالنبضات المستوحاة من إشارات الوقت الإذاعية المعروفة باسم "BBC Pips"، والتي تحاكي دقات الساعة، وصولاً إلى استخدام الإيقاعات المفاجئة ضمن سياق منسجم يجذب الانتباه. كما تضم آلات وإيقاعات لا ترتبط باتجاه موسيقي عابر، ما ساعدها على الاستمرار.
من مصر إلى سوريا ولبنان: "تترات" قاومت الزمن
تُنسب شارة نشرة الأخبار الشهيرة في التلفزيون المصري إلى "موسيقار الأجيال" محمد عبد الوهاب، وقد ظهرت خلال النصف الثاني من ثمانينيات القرن الماضي.
ويعلّق كلاس على هذه الموسيقى التي عاشت سنوات طويلة بأنها تخرج، من الناحية التقنية، عن بعض القواعد الحديثة لصناعة الشعار الصوتي، لكنها استمرت بفضل تعلق الناس بها ومكانة مؤلفها.
سوريا
أما من أشهر المقطوعات الموسيقية السورية الخاصة بنشرات الأخبار فتلك التي أُطلقت خلال فترة التسعينيات.
وتشير تسجيلات ومصادر أرشيفية إلى وجود صلة لحنية بينها وبين "نشيد القس" لمحمد عبد الوهاب، فيما تستحضر طبيعتها الإيقاعية أجواء الأناشيد العسكرية والقومية التي كانت مألوفة آنذاك.
ويرى كلاس أن هذه البصمة الموسيقية، التي اشتهرت في تلك الفترة وعاشت سنوات، تقاطعت مع الجو السياسي السائد آنذاك في دمشق، وعززت في ذاكرة الجمهور ارتباط النشرة بالخطاب الرسمي والعسكري.
المغرب
تعود إحدى شارات نشرة الأخبار المعروفة في القناة الثانية المغربية إلى عام 1999. ويرى كلاس أن الشارة تتضمن ملمحاً خماسياً، أي بناء لحنياً يرتكز على 5 درجات أساسية، ما يمنحها طابعاً مختلفاً عن عدد من شارات الأخبار العربية الأخرى.
ويعلّق كلاس بأن الموسيقى تسعى إلى "لفت الانتباه" عبر توظيف المؤثرات الصوتية والبناء اللحني المميز.
لبنان
في العام 1985، أطلقت قناة "LBCI" اللبنانية "الجنيريك" الخاص بأخبارها المسائية. ورافقت هذه الموسيقى أجيالاً لأكثر من 40 عاماً.
وفي آذار/مارس 2026، جدّدت القناة بصمتها الموسيقية بالتعاون مع المؤلف الموسيقي، غي مانوكيان (1976)، بالتزامن مع افتتاح استديو جديد للأخبار.
قد تكفي ثوانٍ قليلة لنقل المستمع إلى عوالم أخرى وشد انتباهه، فيما تختلف مدة "الجنيريك" بحسب المحطة وطبيعة النشرة والاستخدام التلفزيوني.
وحافظ التوزيع الجديد بواسطة أوركسترا مصغرة في أرمينيا، على الفكرة الأساسية للشارة وروحها، مع تحديث بنيتها الصوتية لتواكب الهوية البصرية الجديدة.
ويعلّق كلاس بأن الخطوة حافظت على "النبض الإيقاعي" وعلى التضخيم المطلوب، وطبقت قواعد تنفيذ الشعار الصوتي (Audio Logo).
كما يمكن هنا الإطلالة على نموذج مختلف، يقوم على التغيير الموسمي لموسيقى "الجنيريك" الخاصة بنشرات الأخبار. فقد أطلقت قناة "الجديد" اللبنانية أخيراً حلة جديدة شملت الاستديوات والموسيقى المرافقة.
ويرى كلاس أن التغيير المتكرر في الهوية الموسيقية، من وجهة نظره، قد يعكس غياب هوية ثابتة للقناة.
تقنياً، وفق تحليل كلاس، لجأت القناة إلى محاكاة آلات الأوركسترا رقمياً، بدلاً من تسجيلها مع أوركسترا حية. كما استخدمت الموسيقى إيقاعات مفاجئة لإحداث التوتر (Tension)، وهو ما يظهر بوضوح في بناء الشارة.



