"تجديد القاهرة التاريخية": هل يحفظ المشروع روح الأحياء وسكّانها؟
هل تنجح خطة تجديد القاهرة التاريخية في إنقاذ العمران التراثي من دون المساس بروح الأحياء وسكّانها؟
ضمن خطة واسعة تستهدف إعادة إحياء قلب القاهرة وتحويله إلى وجهة ثقافية وسياحية عالمية، تتواصل أعمال التطوير والترميم في عدد من أبرز المناطق التراثية بالعاصمة المصرية، وتشمل مسار آل البيت، وتلال الفسطاط، والقاهرة الخديوية، ومحيط سور مجرى العيون.
وبينما ترى الجهات الرسمية أنّ ما يجري يمثّل واحدة من أوسع عمليات إنقاذ وتطوير للتراث العمراني في تاريخ مصر الحديث، يطرح متخصّصون ومهتمون بالشأن الحضري تساؤلات حول كيفية تحقيق التوازن بين متطلبات التطوير والحفاظ على الخصائص الاجتماعية والاقتصادية للمناطق التاريخية.
من ترميم المواقع إلى تطوير النسيج العمراني
-
شارع المعز
خلافاً لمشروعات سابقة ركّزت على ترميم مبانٍ أثرية منفردة، تتبنّى الخطة الحالية نهجاً أوسع يقوم على تطوير المناطق المحيطة بالمعالم التاريخية وإعادة تنظيم المجال العمراني بالكامل.
كما شهدت مناطق مثل القاهرة الخديوية ووسط البلد أعمالاً لإعادة تأهيل الواجهات المعمارية وتحسين المشهد البصري.
وضمن هذا الإطار، أُطلقت الشهر الماضي مبادرة "شارع الفن"، عبر تحويل شوارع منطقة وسط البلد، وتحديداً مثلّث البورصة وشارع الشريفين، إلى ممرات ثقافية مفتوحة للمشاة فقط، وتشمل الأنشطة المقدّمة عروضاً موسيقية أسبوعية، ومعارض تشكيلية، وورشاً للحرف التراثية واليدوية.
بينما تتواصل أعمال التطوير في أحياء القاهرة التاريخية ومزارات آل البيت، تبدو المدينة أمام مرحلة جديدة من إعادة تعريف علاقتها بتراثها الممتد لقرون. ذلك أنّ المشروع لا يقتصر على ترميم مبانٍ ومساجد تاريخية، بل يمسّ أيضاً نسيجاً عمرانياً واجتماعياً وثقافياً تشكّل عبر أجيال متعاقبة.
وإلى جانب ذلك، يبرز مسار آل البيت باعتباره أحد أهم المشروعات الجاري تنفيذها، إذ يربط عدداً من المساجد والمزارات التاريخية الممتدة عبر القاهرة القديمة ضمن مسار عمراني وسياحي متصل، مع تطوير الشوارع والساحات والخدمات المحيطة.
في حين تستهدف مشاريع مثل تلال الفسطاط إنشاء مساحات مفتوحة وخدمات ثقافية وترفيهية في قلب المنطقة التاريخية.
وتقع القاهرة التاريخية، المدرجة على قائمة التراث العالمي لمنظمة "اليونيسكو" منذ عام 1979، في قلب هذا النقاش، إذ تضمّ واحدة من أكبر التجمّعات الأثرية الإسلامية في العالم، وهو ما يجعلها مؤهّلة لاستقطاب أعداد أكبر من الزوّار إذا ما توفّرت البنية التحتية والخدمات المناسبة.
ولهذا السبب، تحتل قضايا الإسكان والخدمات والأنشطة الاقتصادية المحلية مساحة مهمة في النقاش المرتبط بمشاريع التطوير، والتي من المتوقّع أن تستهدف تحسين البيئة العمرانية، وإزالة المناطق غير الآمنة، وتوفير بدائل سكنية وخدمية للسكان، إلى جانب تطوير المرافق العامة والبنية الأساسية.
خطة شاملة وفق معايير "اليونيسكو"
-
حيّ السيدة زينب في القاهرة التاريخية
في هذا الخصوص، يقول سعيد حسانين السيد، استشاري التخطيط العمراني وأستاذ العمارة والتخطيط، إنّ الدولة لديها خطط عمل لإدارة شاملة تشمل التكامل بين التراث المادي وغير المادي، مراعية ما وضعته "اليونيسكو" من شروط لإعادة استخدام المباني الأثرية واستثمار فراغاتها، بما يسهم في زيادة الدخل للسكان من دون أن يؤثّر الاستخدام سلباً على المباني التراثية.
ويؤكّد السيد أنّ الدولة تستند في أعمال تطوير منطقة القاهرة التاريخية إلى معايير الحفاظ على التراث، متضمّنة إزالة وتطوير عدد من المناطق غير الآمنة والعشوائية، مثل عين الحياة وسور مجرى العيون والفسطاط وتل العقارب وبعض المناطق المجاورة للقاهرة الخديوية.
يرى شاكر أنّ بعض أعمال التخطيط للتطوير لا تمنح القيمة الأثرية للمكان ما تستحقّه من عناية كافية، ويدلّل على ذلك بما حصل خلال الفترة الماضية من وقائع أثارت جدلاً واسعاً، مثل هدم قبة مستولدة محمد علي باشا، والتي يرى أنها "أساءت لصورة مصر في العالم".
ويردف استشاري التخطيط العمراني أنّ ذلك تضمّن زيادة مساحة حديقة الفسطاط إلى أضعاف مساحتها، وترميم المباني التراثية والأثرية بالمنطقة، مثل جامع عمرو بن العاص ومنطقة الحفريات.
كما يرى السيد أنّ هذه الأعمال من شأنها أن تشجّع فرص الاستثمار السياحي والفندقي في المنطقة، خاصة مع تحسّن البنية العمرانية والخدمات المحيطة بالمواقع التاريخية.
وعن مردود عملية التطوير على السكان، أشار السيد في حديث مع "الميادين الثقافية" إلى أنّ الدولة تعاملت مع عدد كبير من المناطق غير الآمنة والعشوائية، لتتحوّل إلى مساحات ذات طابع مميّز يتناغم مع طابع المناطق التراثية حولها.
ويأتي ذلك تماشياً مع رغبة الدولة في زيادة الرحلات السياحية والزوّار، في إطار مستهدفات رسمية للوصول إلى نحو 30 مليون سائح خلال السنوات المقبلة.
وعن مسار آل البيت، الذي يعدّ جزءاً مهماً من المشروع الكبير، يقول السيد إنه تجري إعادة هندسة المناطق المجاورة لمساجد السيدة زينب والسيدة عائشة والسيدة نفيسة ومزارات شارع الأشرف حتى تتلاءم مع القيمة التراثية لهذه الأماكن، مؤكّداً أنّ كلّ ذلك يجري بالموازاة مع ربط هذه الأماكن التراثية بامتداداتها الموجودة على نهر النيل، وكذلك بمبانٍ تراثية وأثرية مهمة، مثل مسجد ابن طولان وقبة شجرة الدر ومنتزه الخليفة والقلعة.
البنية التحتية وضعف المتابعة عائقان أمام التطوير
-
سور مجرى العيون - القناطر التاريخي
أما في ما يخص الهدف من المشروع الضخم، فيقول كبير الأثريين بوزارة السياحة والآثار، مجدي شاكر، إن المشروع يستهدف بشكل رئيسي زيادة الجذب السياحي لتلك المنطقة بالغة الأهمية، موضحاً أنه رغم أهميتها، فإن السائح عادة لا يقضي بها سوى ليلة أو ليلتين.
لكن بعد أن يكتمل المشروع وتتحول هذه المساحة الكبيرة إلى مزار مفتوح متكامل، سيزداد عدد الليالي السياحية. وإلى جانب زيارة الأماكن السياحية، بحسب الخبير الأثري، فإن السائح سيتمكن من التجول والتسوق في مشهد يشبه كثيراً ما نراه في مدن مثل روما وإسطنبول وفاس في المغرب.
وعن الموازنة بين الحفاظ على القيمة التراثية للمنطقة ومتطلبات الاستثمار، يرى شاكر أن تلك المعادلة ربما يكون بها خلل كبير.
وفي هذا الخصوص، يقول كبير الأثريين في حديث مع "الميادين الثقافية": "دائماً ما أكرر أننا الدولة الوحيدة التي يصرف فيها الميت على الحي. مع ذلك، فللأسف الشديد، ومن خلال التجارب السابقة، فإن أعمال التطوير غالباً ما تجور على التراث، مثل ما حدث في موضوع المقابر التاريخية التي أزيلت، وكان يمكن الاستفادة منها".
ويستكمل شاكر أن بعض الأفكار التي أُعلن عنها للحفاظ على الأماكن التراثية لم تحقّق، من وجهة نظره، الأثر المنتظر منها حتى الآن، ومن بينها ما أثير بشأن مشروع مقابر الخالدين.
تقع القاهرة التاريخية، المدرجة على قائمة التراث العالمي لمنظمة "اليونسكو" منذ عام 1979، في قلب هذا النقاش، إذ تضم واحدة من أكبر التجمعات الأثرية الإسلامية في العالم، وهو ما يجعلها مؤهلة لاستقطاب أعداد أكبر من الزوار إذا ما توفرت البنية التحتية والخدمات المناسبة.
لذلك، وفق شاكر، فإن بعض أعمال التخطيط للتطوير لا تمنح القيمة الأثرية للمكان ما تستحقه من عناية كافية. ويدلل على ذلك بما حصل خلال الفترة الماضية من وقائع أثارت جدلاً واسعاً، مثل هدم قبة مستولدة محمد علي باشا، والتي يرى أنها "أساءت لصورة مصر في العالم".
من ناحية أخرى، ينتقد شاكر عملية متابعة ما أُنجز من تطوير. ذلك أن أحد أشهر المزارات التاريخية بالمنطقة، مثل شارع المعز، والذي كان مصدر فخر للأثريين على اعتبار أن الحرف القائمة بمحلاته ما زالت على حالها منذ ألف عام، قد تغيرت طبيعته كثيراً، حيث انتشرت به الكافيهات، بينما تكسّرت أو أُتلفت الإضاءة الليلية التي كانت مصممة لكي تبرز جماليات المكان.
وعن التحديات الإضافية التي تواجه مشروع تجديد القاهرة التاريخية، قال شاكر إن الأثر، بطبيعة الحال، في حاجة إلى تعامل خاص، يتضمن متابعة دورية وترميماً مستمراً. لكنه يضيف: "للأسف، رغم ما بذل في هذا الجانب، تظل البنية التحتية للكثير من الأماكن التراثية سيئة للغاية".
ويتابع: "يجب أن يسبق الإقدام على أي تطوير إيجاد حلول لمشكلات البنية التحتية، خاصة أن هذه المنطقة التاريخية مشبعة بالمياه الجوفية".
ويؤكد شاكر: "للأسف، الأماكن الأثرية لدينا دائماً ما يتفرق دمها بين القبائل، بمعنى أن هناك آثاراً تابعة لوزارة السياحة والآثار، وأخرى تعود لوزارة الأوقاف، وثالثة تابعة لهيئة التنسيق الحضاري بوزارة الثقافة".
ويستكمل: "أحياناً تتداخل ولاية هذه المؤسسات الحكومية، فالمسجد مثلاً قد يكون تابعاً لوزارة السياحة، لكن إدارته تابعة لوزارة الأوقاف، وهذا يخلق كثيراً من المشكلات. فعند الترميم مثلاً لا يكون معروفاً أي جهة من الجهتين ستتولى الإنفاق، ولذلك لا بد من معالجة مثل هذه الأمور عن طريق تأسيس جهة تتولى ترميم الأثر وتكون لديها رؤية شاملة حول هذا الأمر".
-
مسار آل البيت في القاهرة التاريخية
وبينما تتواصل أعمال التطوير في أحياء القاهرة التاريخية ومزارات آل البيت، تبدو المدينة أمام مرحلة جديدة من إعادة تعريف علاقتها بتراثها الممتد لقرون. ذلك أن المشروع لا يقتصر على ترميم مبانٍ ومساجد تاريخية، بل يمس أيضاً نسيجاً عمرانياً واجتماعياً وثقافياً تشكّل عبر أجيال متعاقبة.
بينما ترى الجهات الرسمية أنّ ما يجري يمثّل واحدة من أوسع عمليات إنقاذ وتطوير للتراث العمراني في تاريخ مصر الحديث، يطرح متخصصون ومهتمون بالشأن الحضري تساؤلات حول كيفية تحقيق التوازن بين متطلبات التطوير والحفاظ على الخصائص الاجتماعية والاقتصادية للمناطق التاريخية.
وفي ظل الرهان على تنشيط السياحة واستعادة المكانة التاريخية للعاصمة، في مقابل التساؤلات المرتبطة بالحفاظ على روح الأحياء وسكانها، سيظل الحكم على التجربة مرهوناً بما ستكشفه السنوات المقبلة، وبقدرة القاهرة على التوفيق بين حماية ماضيها ومتطلبات مستقبلها.
