"كان يا ما كان في غزة": عن حياة الفلسطيني "العادية"

يثبت الفيلم أن لدى المجتمع الفلسطيني وجه آخر، وأشكال مختلفة من الحياة والخبرات الإنسانية، فليس علينا أن نراه دائماً شهيد عدوان إسرائيلي.

تسببت حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة والضفة في فرض الواقع الفلسطيني إلى ما قبل الحرب وما بعدها. هذا الواقع الحالي يغرسنا في مناخ ما بعد الكارثة، حيث لا نستطيع أن نرى الفلسطيني إلا كشهيد محتمل أو رقم في نشرات الأخبار.

هكذا ينطلق فيلم "كان يا ما كان في غزة" للأخوين طرزان وعرب ناصر من أساس هام، يتعلق باستعادة هذا الوجه المنسي من الحياة، القائم على استكشاف العيش اليومي الذي نُسي في خضم الحرب، وهو ما فعلاه سابقاً في فيلم "غزة مونامور" (2020)، الذي حاول تقديم حكاية للمجتمع الداخلي في غزة من خلال علاقة حب محافظة تنشأ بين أرملة ورجل كبير على هامش اكتشاف تمثال تاريخي لأبولو.

انطلق الفيلم من حركة بين الماضي الفلسطيني والتواصل الحيوي مع التاريخ، بينما يمنح الحاضر فرصة لمعايشة قصة هادئة مفعمة بعلامات الحياة بعيداً عن هاجس الحرب.

أما فيلم "كان يا ما كان في غزة"، فيدور حول شبح "الحرب" لكنه يدخل إليه من باب الحياة والتجربة الفلسطينية اليومية والعادية.

تدور أحداث الفيلم في غزة عام 2007، حيث الحصار الإسرائيلي يلقي بظلاله على كل شيء. يتابع الفيلم قصة الصداقة بين الشاب يحيى (نادر عبد الحي)، وهو طالب جامعي، وأسامة (مجد عيد)، صاحب مطعم فلافل ذو شخصية كاريزمية يستخدم عمله كواجهة لبيع الحبوب المخدرة، لكنه يقع في خلاف مع "أبو أسامة" (رمزي مقدسي)، الضابط الفاسد الذي يطلب منه أن يعمل مُرشداً مقابل السماح ببيع المخدرات. 

نجد في هذه الحكاية البسيطة دليلاً على فكرة وجود حياة ومادة سينمائية داخل هذا المجتمع، مثله مثل أي شعب آخر يحفل بتجارب إنسانية لا تقوم بالضرورة على البطولة التقليدية، بقدر ما تقوم على بطولة تنطلق من طبيعة الحياة نفسها، ومن محاولة عيشها رغم انعدام الفرص، ويأتي الفضاء الزمني العام لحرب الإبادة كي يُحدد إلى أي مدى يبدو الفلسطيني من جهة أخرى مُقحم تحت وطأة الحصار والعدوان المتواصل.

يبدأ الفيلم بحكاية واضحة، محددة بصراع قائم بين شخصيات تحاول البقاء على قيد الحياة في واقع خانق. ورغم صعوبة التصوير الخارجي في غزة، فإن معالم المدينة غير المحطمة بدت حاضرة كفضاء يحتضن مادة الفيلم، ويتيح للشخصيات إطاراً من الحركة في مكان يحفل بتنويعات متباينة من الصراع.

ارتكز الفيلم على حياة الفلسطيني العادي، حيث رأينا في شخصية يحيى ملمحاً من شخصيات سينما إيليا سليمان، التي تعكس حضوراً  ساخراً ينأى عن التعاطف المجاني، إذ تحاول الشخصيات العيش على هامش المدينة، عبر تجربة قائمة على الفهم والاشتباك مع حياة الفلسطيني، بدلاً من الاتجاه الموحّد للتعامل مع موته.

تمتع نصف الفيلم الأول بهوية بصرية قائمة على المُعايشة، تتبع الصديقين يحيى وأسامة خلال مواقف العمل وتهريب الحبوب المخدرة داخل "السندويشات"، إضافة لتنويعة من المشاهد البطيئة، التي تتيح لهذه الشخصيات أن تتأمل واقعها، طبيعة صداقاتها، وقدرتها الأصيلة على الرفض وعدم المساومة. 

في النصف الثاني من الفيلم، يحدث تحوّل مفاجئ في الحبكة بعد مقتل أسامة، حيث يقفز الفيلم زمنياً إلى الأمام عامين، ويتم اختيار يحيى صدفة لبطولة أول فيلم أكشن يُصنع في قطاع غزة.

هذا التحول يوجه الفيلم إلى مساحة متخبطة، حيث لم تحافظ الحكاية على بعدها الخطي المتجه إلى جهة واحدة. يتوزع توجه الفيلم إلى صراع آخر، يبدو أنه امتداد لصراع الفيلم في بدايته، لكنه متحور ومشتبك بشكل ضبابي مع السياق الاجتماعي والسياسي للحياة في غزة.

هكذا يصبح يحيى، الذي يشبه مقاتلاً استشهد، ممثلاً في فيلم أكشن ترعاه الحكومة. يمكن حصر النصف الثاني من الفيلم في عدة مشاهد ساخرة، ومحاولة تطعيم شخصيتي الفيلم الأساسيتين وقتها بشيء من الحقد المفتعل، وإقحام مساحة من الخصومة غير واضحة المعالم.

في هذا النصف، حاول الفيلم تقديم كل شيء، لكنه بسبب هذا التشتت، لم يستطع أن يقدم فكرة واحدة متكاملة، وبالتالي انتهى الفيلم كأنه قُطع من منتصف أحداثه.

  • هيام عبّاس ,سليم ضو في لقطة من فيلم
    هيام عبّاس وسليم ضو في لقطة من فيلم "غزة مونامور"

ظهرت في الفيلم أسئلة لم يتم الإجابة عنها أو بلورتها في إطار يدفعنا للتفكير في الواقع الفلسطيني، سواء في حياته الداخلية التي انطلق منها الفيلم، أو في فضاء الحرب المُتكرر زمنياً. على سبيل المثال، تدخل الحكومة لإنتاج أول فيلم أكشن فلسطيني، والتحول الذي حدث لشخصية يحيى من الحياة السلبية والاتكاء على صديقه المتوفى، إلى الاحتفاء به والتحول إلى شخصية فاعلة ومؤثرة، تنتهي بشكل متخبط ومبلور في كونه انتهى شهيداً بالصدفة. 

عزز  انشغال مخرجا الفيلم بضرورة تقديم أفكار مختلفة، والموازاة بين واقع الحرب وواقع الحياة الفلسطينية البعيدة عن الحرب، إلى حكاية مبتورة من المنتصف. إلا أن الفيلم، على عيبه الواضح في نصفه الثاني، يعكس رؤية مغايرة لما يبدو عليه الشأن الفلسطيني في العلاقة بين الحياة البشرية والحرب غير البشرية.

يثبت الفيلم أن لدى المجتمع الفلسطيني وجه آخر، وأشكال مختلفة من الحياة والخبرات الإنسانية، فليس علينا أن نراه دائماً شهيد عدوان إسرائيلي. وربما تكون ضرورة الفيلم في كونه تأكيد على أن السينما يمكن أن تكون شكلاً من أشكال المقاومة، ليس فقط بتصوير الصراع، بل بتصوير الحياة نفسها.

في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 أعلنت كتائب القسام معركة "طوفان الأقصى"، فاقتحمت المستوطنات الإسرائيلية في غلاف غزة، وأسرت جنوداً ومستوطنين إسرائيليين. قامت "إسرائيل" بعدها بحملة انتقام وحشية ضد القطاع، في عدوانٍ قتل وأصاب عشرات الآلاف من الفلسطينيين.

اخترنا لك