"في مزهريات روحي".. أغنية الوفاء اليمنية مزهرية روحية

كتب كلماتها الشاعر عباس الديلمي، ولحّنها وغنّاها الفنان أيوب طارش العبسي.. ما قصة أغنية "في مزهريات روحي" اليمنية؟

يغلب على مضامين أغنية الوفاء - يمنيةً وغير يمنية - أن تأتي تعبيراً عن الألم الوجداني، الذي يتسبب فيه التخلّي عن هذه القيمة الإنسانية، لا سيما تلك الأغاني التي تستوعب التعبير عن صدمة الخديعة، التي يتعرّض لها شخصٌ وفيٌّ، لم يكن في حسبانه أن يصل به وفاؤه إلى حالٍ من الحسرة والندم. لذلك، يتداعى مع ما يتّسق مع حاله تلك، فتطربه الأغاني الطافحة بمعاني الشكوى والعتاب، ومضامين الغدر والجحود.

وعلى ما في الأغنية اليمنية من حضور لهذا النوع من المضامين، إلّا أن منها ما ينحو منحىً مغايراً، تقوم مركزية الوجدان الغنائي فيه على الاحتفاء بالوفاء وجوهره الفاعل في صياغة الفكرة المُغنّاة، وإضفاء المحبّ على محبوبه نقاءً لا مجال فيه لاحتمالات التفريط بهذه القيمة السامية.

ولعل من أهم نماذج الأغاني اليمنية، التي يتجسّد فيها هذا المنحى المغاير، أغنية "في مزهريات روحي"، التي كتب كلماتها الشاعر عباس الديلمي، ولحّنها وغنّاها الفنان أيوب طارش العبسي. كما غنّتها الفنانة السورية أمل عرفة، بلحنٍ آخر، من تأليف أبيها الموسيقار سهيل عرفة.

الحب ماء ودواء

  • الفنان أيوب طارش العبسي
    الفنان أيوب طارش العبسي

تشابكت مضامين أغنية "في مزهريات روحي" في مقاطع ثلاثة، تغنّى فيها (المحبُّ/ المتكلم) بوفائه لـ(محبوبه/ المخاطَب)، وامتنّ لحبّه، الذي ارتقى، فصار ماءَ حياته ودواءَ أسقامه، فكان عليه أن يعتني بغصون الوفاء المخضرة في روحه، مستهلّاً المقطع الأول، بالحديث عن ذلك إلى محبوبه:

في مزهرياتِ روحيْ لكْ زرعْتُ الوفا

واسْقيتُ قلبي بحبّكْ؛ فارْتوى، واكتفى

لقد اجتمع هنا محورا التجربة الوجدانية: الماديّ (القلب)، والمعنويّ (الروح). وكلاهما متعلقان بالمُحبّ، وهو يتغنّى بما زرعه في رياض روحه، من وفاء لذاك المحبوب، وما حظي به هو من ماء حبّه، الذي روى ظمأه، واكتفى به وحده؛ لتفرُّده بسمات حصرية، متكاملة فيه ومقصورة عليه:

لأنّكَ الحُبّ، أنتَ الطُّهْر، أنتَ الصفا

يا فجْر في ابتسامهْ كُلّ ضوءِ اختفى

تلك السمات الاستثنائية، انضفرت في قِيَم: الحبّ، والطّهر، والصفاء، والضياء. وجميعها ارتقى إليها المحبوب، فلم يتّصف بها فحسب، بل تمثّلها، فصار القيم نفسها، فهو الحبُّ نفسه، وهو الطّهر والصفاء المتجلّي فيه، وهو الفجر الذي يتلاشى بابتسامته كلُّ ضوء.

ثم تجلّت سمات المحبوب تلك في أحوال أثيرة، قامت عليها جماليات حياة المُحبّ، الذي انتقل إلى المقطع الثاني، مستمرّاً في مناجاته:

إنْ أضْمَأوا روْض زهْرِيْ؛ كُنْتَ النَّدى والظِّلالْ

أو حاصَروا ضوءَ فجْرِيْ؛ كُنتَ الضِّيْاء والجمالْ

إذ يتجلّى هنا الارتباط النسيجي بين المقطعين الأول والثاني، من خلال تشاركهما المعاني المضفورة في دلالات: الضوء، والفجر، والزهر. ومثل ذلك، هو الأمر في تشاركهما الدلالة على القيمة المحورية في استحقاق المحبوب أن يُكتفى به ماءً للقلب. 

وبذلك، تبلور نوعٌ من التماسك التعبيري، الذي استوى صِيغاً شرطيةً قام الجواب فيها على الاحتفاء بـ(المحبوب/ المخاطَب)، وحضوره الفاعل في حماية مُحبِّه، الذي ينجو به؛ فكلما اعترضت محاولاتُ الذبول مزهرياته، تهادى المحبوب إليه ندىً عذباً وظلّاً وارفاً. 

  • أغنية الوفاء مزهرية روحية

وكلما أحاطت به عوائق النور، كان المحبوب نافذة الضوء، التي تذوب فيها أيَّةُ عتمة تحاول اكتساح حياته. وبذلك؛ تصل عناية المحبوب بالمُحبّ إلى ذروة السعادة، التي غرّد بها قلبه:

وقالْ عصفور صدري: هذا اكْتِمال الكَمالْ

يا ليتَ مَنْ رَامْ قَهْرِيْ مِنكْ تعَلَّمْ خِصَالْ

فما العصفور هنا سوى رمزٍ لقلب المُحبّ، الذي ناب عنه، فأفصح عن شعوره بأقاصي النشوة، التي وصل إليها بفضل المحبوب، واستثنائية حبّه وشخصيته الجديرة بأن تكون نموذجاً مُلهِماً الآخرين قيمَه النبيلة، لا سيما أولئك الذين يسعون إلى قهر مُحبِّه المفتون به.

وعلى نسق الخطاب والمناجاة نفسه، يمضي المحبّ في حديثه إلى المحبوب، في ثالث مقاطع الأغنية، مؤكّداً استناده المطلق إليه:

وحدَك إذا سال جَرْحي مِنْ سهامِ الجَفا

أسقيْتَني مِنْ نَدى حُبّك كؤوسَ الشِّفا  

إذ يتجلّى ارتباط هذا المقطع الأخير بالمقطعين السابقين، اللذين تنامت فيهما مكانة المحبوب في قلب المُحبّ. واكتملت في المقطع الثالث؛ فوصلت بالمحبوب إلى منزلة الطبيب القادر على مداواة جروح السهام، التي تخترق قلب المُحبّ المتفاني في الإخلاص والوفاء له.

وكما كان الحبُّ ماءَ عاطفة المحبّ، فقد كان دواء جروحه. وكما كانت عملية السقي هي الصورة المادية لري وجدان المُحبّ (اسقيت قلبي)، كانت عملية السقي نفسها هي وسيلة تطبيب جروح عاطفته (أسقيتني). مع ملاحظة نوعٍ من التمايُز الجمالي بين العمليتين؛ إذ اضطلع المُحبُّ بإنجاز الأولى، وتكفّل المحبوب بإنجاز الثانية، فتجلّى وفاؤه عنايةً وتفانياً في رعاية المُحبّ؛ كونه الأقرب إليه في كل حال:

آنستْ روحي بقربكْ والفؤاد احتفى

وشدْو أزْهارِ فَنِّي نَحْو عِطْرَك هَفا

لقد وصل المُحِبُّ في مناجاة محبوبه إلى الاطمئنان والسعادة، مستنداً في ذلك إلى المحبوب وحده؛ بوصفه مصدرَ أنسه المُستقر في روحه، والفرحة التي احتفى بها قلبه، والأزهار التي يتهادى إليها أريج تغنّيه به، وتنسكب فيها لذة وفائه له.

وقد ارتبطت بداية الأغنية بمنتهاها، من خلال جمالية التماهي بين العطر والزهر والفن؛ إذ تجلّت في مقدّمتها تلك الجمالية في صيغة: (مزهريات روحي)، كما تجلّت في الخاتمة مكثفةً في هذه الصيغة الجمالية: (أزهار فنّي).

ذائقة التّلقّي والإيحاءات المتجدّدة

  • الشاعر عباس الديلمي
    الشاعر عباس الديلمي

من أهم مقومات الإبداع الخالد تلك التي تتعلّق باكتنازه طاقةً إيحائية، يتمكّن من خلالها من تجاوز السياق الفاعل في تشكيله. ومن خلال التأمل في نص هذه الأغنية، يتجلّى انفتاح إمكانياتها التعبيرية على عالمٍ من علاقات المحبة، بماهيتها العامة، التي تنطوي على نوعٍ من الشمول لتجارب الحب والصداقة وما في سياقهما.

وبذلك، تجاوزت مضامين هذه الأغنية موقفها المباشر الذي كان فاعلاً في صياغتها. كما أنها احتفظت بحيوية فكرتها، التي تجلّى فيها الوفاءُ معنىً وقيمةً مركزيّةً في الاحتفاء الغنائي المطلق بها.

وفي السياق نفسه، يأتي الدور الفاعل لذائقة التلقي، بطبيعتها المتجددة بتجدد التجارب والأزمنة، التي تجد في مضامين هذه الأغنية ما يُغري بالتداعي مع إيحاءاتها المتوالدة في ذات المتلقي، على اختلاف الأحوال التأويليّة الممكنة؛ كأن تكون حال صديق مخلصٍ، أو حال محبوبٍ منذور للوفاء، أو حال فتاة مسكونة بالحب، اتخذت من الوفاء للمحبوب ملاذاً، ومن حبّه سياجاً، تحتمي به، وتستمد منه ضوء حياتها، وتأنس به مداوياً جروح الأزمنة النازفة في وجدانها.

اخترنا لك