"سينما الأقاليم" في مصر: أسباب التراجع والبدائل الشعبية

لماذا تختفي دور العرض السينمائي من محافظات الصعيد والدلتا في مصر بينما تتركز أغلبها في القاهرة الكبرى؟ وما هي البدائل لسكان الصعيد والدلتا؟

يغيب المنتج السينمائي تدريجياً عن أعين ووجدان أهل الصعيد والدلتا في مصر، ليلجأ الجمهور إلى بدائل تصنع له المتعة بصورة أرخص وأسهل، عوضاً عن الذهاب إلى دور العرض السينمائي التي اختفى بعضها أو أُغلق أغلبها.

الأرقام تتحدث

  • واجهة سينما
    واجهة سينما "عبد الوهاب" المغلقة في مدينة قوص بمحافظة قنا

لا توجد في محافظة قنا، جنوبي مصر، أي دار عرض سينمائي. وكذلك في دمياط، أقصى شمال البلاد، أُغلقت آخر سينما، وكانت تُدعى دار سينما "الشرق"، عام 2012. بينما تستحوذ القاهرة، العاصمة المصرية، على أكثر من 60 دار عرض سينمائي. أما 40% من المصريين في الصعيد والدلتا، فيعيشون بلا شاشة سينمائية واحدة منذ أكثر من 10 سنوات.

ذلك أن "سينما الأقاليم"، التي أنتجت يوسف شاهين ومحمد خان، اختفت، ولم يبقَ منها سوى يافطات مهترئة على مبانٍ تحولت إلى محلات للهواتف المحمولة.

وحسب بيانات "المجلس الأعلى للسينما" و"الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء" لعام 2025، يبلغ عدد دور العرض العاملة في القاهرة الكبرى 58 دار عرض، بينما لا يوجد في الصعيد، الذي يضم 9 محافظات، سوى دارَي عرض سينمائي. أما الدلتا، التي تضم 7 محافظات، فتوجد فيها 3 دور عرض سينمائي فقط.

أما على مستوى عدد المقاعد المتوافرة في دور العرض، فيُقدّر عدد مقاعد السينما في القاهرة الكبرى بـ18,200 مقعد، بينما يتوافر في الصعيد 620 مقعداً، وفي الدلتا 980 مقعداً فقط، تغطي 7 محافظات.

وجدير بالذكر أن متوسط عدد السكان لكل شاشة في القاهرة الكبرى يبلغ 350 ألف نسمة، أما في الصعيد، فيبلغ متوسط عدد السكان لكل شاشة 9.2 مليون نسمة، ويصل في الدلتا إلى 7.8 مليون نسمة.

الجمهور يجد دائماً بدائله، فقد اخترع سينماه الخاصة عبر شاشة هاتف محمول وسماعة ومجموعة على واتساب لمناقشة الأفلام التي يتبادلها أفرادها.

كذلك تشهد دور العرض في القاهرة الكبرى عرضاً واحداً على الأقل أسبوعياً، فيما شهد الصعيد والدلتا آخر عرض لفيلم سينمائي عام 2023، وهو فيلم "بيت الروبي"، وقد عُرض في دار سينما واحدة بأسيوط، جنوب مصر. أما أغلب الدور في الصعيد، فقد أُغلقت بين عامي 2005 و2015 بسبب الخسائر التي لحقت بها، إذ جرى تحويلها إلى مراكز تجارية.

وتشير آخر الإحصاءات الرسمية حول دور العرض السينمائي إلى وجود سينمات "أُغلقت ولم تعد"، مثل سينما "مترو" في المنصورة عام 2010، وسينما "النصر" في بني سويف عام 2014، وسينما "ريو" في بورسعيد عام 2016. 

كما يأتي 85% من إيرادات شبّاك التذاكر في مصر من 4 محافظات فقط، هي القاهرة والجيزة والإسكندرية والغردقة، بحسب تقرير صادر عن "غرفة صناعة السينما" عام 2024.

أسباب نقص دور العرض.. وبدائل شعبية

تتعدد الأسباب وراء اختفاء دور العرض السينمائي، أو النقص الشديد في عددها، في الصعيد والدلتا في مصر، بحسب الناقد الفني، أشرف غريب، الذي يقول لـ"الميادين الثقافية" إنه: "تصل تكلفة تشغيل شاشة رقمية، إلى جانب إيجار الأفلام، إلى 80 ألف جنيه شهرياً، في حين أن إيراد التذكرة في الأقاليم لا يتجاوز 30 جنيهاً مصرياً. كما أن عدد الجمهور الذي يُقبل على الذهاب إلى دور العرض السينمائي صار قليلاً، فيما وجد المسؤولون عن دور العرض أن الأرباح تكمن في تأجير هذه الدور لإقامة حفلات الزفاف وعقد المؤتمرات".

هالة القوصي: "إحنا هنا مش بنعرض فيلم.. إحنا بنثبت للناس إن لسه في حاجة اسمها تجربة جماعية"

وأضاف غريب أنه مع انتشار شبكة الإنترنت والقنوات الفضائية، فإن الجمهور يستطيع مشاهدة الأفلام عبر الهواتف المحمولة فور عرضها في دور السينما، "فلماذا يدفع تكلفة المواصلات وتذكرة السينما ليشاهد الفيلم الذي يأتيه إلى بيته بلا مقابل؟".

وأشار غريب إلى أن آخر خطة لتطوير "سينما الشعب" كانت عام 2009، ومنذ ذلك الوقت لا توجد ميزانية لإعادة تأهيل 30 دار عرض سينمائي مملوكة للدولة، ولذلك لا تزال هذه الدور مغلقة.

وبحسب تقرير صادر عن "Watch It" عام 2025، فإن أعلى 3 محافظات من حيث الاشتراك في منصات "شاهد" و"نتفليكس" و"ووتش ايت" هي المنيا وسوهاج في صعيد مصر، ثم الغربية، إحدى محافظات دلتا النيل.

ويقول أحمد، من مدينة أسيوط: "نحن ندفع 120 جنيهاً للاشتراك الشهري، ثم نتقاسم التكلفة بين 4 منازل، ولذلك يكون الاشتراك أرخص من تذكرة السينما وتكلفة المواصلات إلى القاهرة. لكن المشكلة تكمن في سرعة الإنترنت، لذلك يلجأ بعض الجمهور إلى تنزيل الأفلام عبر تطبيق تلغرام بدلاً من مشاهدتها مباشرة عبر المنصات".

"سينما المقاهي"

  • انتشرت في سوهاج مبادرة شبابية تحت اسم
    انتشرت في سوهاج مبادرة شبابية تحت اسم "السينما المتنقلة"

ظهرت 17 مبادرة بين عامي 2020 و2025 لسد الفراغ الناتج عن غياب دور العرض السينمائي، مثل "سينما الهناجر" في المنيا، حيث يعرض قصر الثقافة أفلاماً شهرياً، وتبلغ تكلفة التذكرة 20 جنيهاً مصرياً.

كذلك يستأجر "نادي سينما طنطا" قاعة في أحد مراكز الشباب، ويعرض أفلاماً باستخدام جهاز عرض، أمام نحو 80 شخصاً يجلسون على الأرض.

"سينما الأقاليم"، التي أنتجت يوسف شاهين ومحمد خان، اختفت، ولم يبقَ منها سوى يافطات مهترئة على مبانٍ تحولت إلى محلات للهواتف المحمولة.

وفي سوهاج، انتشرت مبادرة شبابية تحت اسم "السينما المتنقلة"، تجوب القرى بسيارة تعرض بعض الأفلام السينمائية.

وتعلّق المخرجة هالة القوصي، من أسيوط، قائلة: "إحنا هنا مش بنعرض فيلم.. إحنا بنثبت للناس إن لسه في حاجة اسمها تجربة جماعية".

المهرجانات بديلاً

  • جمهور في دورة سابقة من
    جمهور في دورة سابقة من "مهرجان الأقصر للسينما الأفريقية"

يُعد "مهرجان الأقصر للسينما الأفريقية" و"مهرجان الإسماعيلية" المنفذ الوحيد لسكان 10 محافظات لمشاهدة الأفلام السينمائية على شاشة كبيرة.

وكان غياب دور العرض السينمائي في أقاليم مصر يحتاج إلى تدخل الدولة عبر مشروع "سينما الشعب الجديدة"، الذي طُرح عام 2024 لتطوير 5 دور عرض في الصعيد، لكن المستثمرين قالوا: "هات فيلم مصري يربح مليوني جنيه في المنيا وإحنا نفتح 10 دور عرض".

يغيب المنتج السينمائي تدريجياً عن أعين ووجدان أهل الصعيد والدلتا في مصر، ليلجأ الجمهور إلى بدائل تصنع له المتعة بصورة أرخص وأسهل، عوضاً عن الذهاب إلى دور العرض السينمائي التي اختفى بعضها أو أُغلق أغلبها.

لكن الجمهور يجد دائماً بدائله، فقد اخترع سينماه الخاصة عبر شاشة هاتف محمول وسماعة ومجموعة على "واتساب" لمناقشة الأفلام التي يتبادلها أفرادها.

لذلك، يرى البعض أن السينما لم تمت في أقاليم مصر، بل انتقلت من دور العرض التقليدية إلى مجموعات الأصدقاء وقاعات مراكز الشباب.

اخترنا لك