"حرام عليك تِرمي الغَزال": أغنية الوجع والحب الخالد في اليمن
"حرام عليك ترمي الغزال يا رامي": كيف تحوّل هذه الأغنية اليمنية تجربة الفراق القسري إلى حكاية عن حب تعجز الضغوط عن إخماده؟
أقسى أحوال فراق المُحبّين هي تلك التي لا يكون لهما أيُّ دورٍ فيها. تلك التي عادة ما تأتي بعد حياةٍ مشتركة بينهما؛ استجابة لانهزامهما بضغوط واعتبارات اجتماعية، أو أسرية، أو اقتصادية. والأقسى منها تلك الأحوال التي لا تقتصر فيها معاناة كلٍّ منهما على عذابه وحده، بل تمتد إلى تعذيبه بحال محبوبه، لا سيما حينما ترتبط هذه الحال بحبيبة تعيش مصيراً قاتماً، آلت إليه حياتها بعد الفراق.
هذا المصير المؤلم هو المضمون الوجداني الذي تشكّلت به سياقات الأغنية اليمنية: "حَرَامْ عَلَيكْ تِرْمِي الغزالْ يا رامِيْ"، التي كتب كلماتها الشاعر أبو جلال الأثوري، ولحّنها الفنان، أحمد عبد الرحمن الكعمدي، وتغنّى بها الفنان، أيوب طارش العبسي.
غزالُ القلب الجريح
من أبرز اشتغالات الرمز في الأغنية اليمنية توظيف الغزال وأسمائه رمزاً للمحبوبة. ذلك هو ما قامت عليه الرمزية الشعرية في مستهل هذه الأغنية، التي خاطبت فيه كلَّ من يتسبب في إيلام (الغزال/ المحبوبة):
حرامْ عليكْ تِرْمِي الغَزالْ يا رامِيْ
باللّه عليكْ ردّ النبالْ ردِّهْ
ويتضمّن هذان البيتان قدراً عالياً من رأفة الحبيب بمحبوبته التي كُتب عليه أن يفارقها؛ إذ يلتمس الرفق بها ممّن يتمادى في تعذيب قلبها. ومن خلال هذا السياق، تتجلّى بعض من صفات المخاطَب، أهمها أنه من غير الممكن مخاطبته إلّا بهذه الصيغة من التوسّل، وهو ما يحيل إلى نوعٍ من صلة القرابة التي تجمعه بالمحبوبة، وتمنحه مشروعية تعذيبها؛ عقاباً على تشبُّثها بحبيبها، أو تأديباً على ما يراه مُستحِقّاً للتأديب من سلوكياتها.
إذا كانت صيغة التعبير المحكي، عن رغبة الحبيب في الفوز بنظرة محبوبته، قد تضمّنت نسقاً من الدلالة الثقافية على تلك الحواجز المُبالغ فيها، إلا أن الأمر مختلف في صيغة الحديث عن شوقه إلى لحظة عناق، مقرونة بقُبَلٍ متبادلة بينهما، وتأوهات مترعة باستعذابه رائحة خديها. وبذلك، فإن هذه الصيغة تنطوي على نسق من ضمنيّة التأكيد لنوعية تجربة الحب في هذه الأغنية.
ويظهر اتساق جمالي فني بين (الغزال/ المحبوبة) وسياق تعذيبها، الذي استوعبت التعبير عنه عملية الاصطياد باستخدام النبال. كما يتجلّى نسق جمالي آخر في التزامن التعبيري بين اللحظة التي يَهمُّ فيها الرامي بإطلاق السهم نحو المحبوبة، والتوسّل إليه أن يعيد ذاك السهم إلى كنانته، مع تضمين ذلك تبريراً لهذا الموقف التوسُّلي:
أنا الذيْ ساهِرْ عليْهْ مناميْ
كمْ طالْ لَيْلَيْ ما عرَفْتْ رَقْدَةْ
إذ يلح الحبيب على التوقف عن إيلام محبوبته، مستمداً طاقة إلحاحه من المكانة العالية التي تحظى بها في وجدانه، واستحواذ طيفها على مساءاته، التي تطاول فيها سهره، وحرمانه من لذة النوم، منذ أن نُكِبَ بفراقها.
سلام مثخن بالأنين
ينتقل خطاب الأغنية من مخاطبة رامي الغزال إلى الغزال نفسه؛ إذ يناجي الحبيب محبوبته، محاولاً لفت انتباهها إلى الماضي المسكون بجمال حياتهما المشتركة:
أيَا شريكْ روْحيْ عليكْ سلامِيْ
مِن قلْبيَ المَجْرُوْحْ أَنَّةْ ونُهْدَةْ
أبرز ما يلفت الانتباه، في التغنّي بهذا البيت الشعري، هو الخيط التأويلي الكامن في الجملة: "شريك روحي". إذ يمضي هذا الخيط في اتجاه تحديد نوعية هذه التجربة العاطفية، وهوية المحبوبة فيها، وصولاً إلى ما يشبه البت في أنها علاقة زوجية، أُجْبِرَ الزوج فيها على فراق زوجته، فاضطلع السياق الشعري والغنائي بمهمة التعبير عن حال معاناته وعذابه.
من ذاك العذاب ما تشكّلت به صيغة السلام التي بعث بها إلى محبوبته، وما اتّسمت به هذه الصيغة من خصوصية وجمال بنائي؛ فسلام المفارق، هنا، سلام مختلف، تشكّل من تفاصيل حال صاحبه المحزون، فاستوى أنيناً وآهات معجونة بأمنيته الوصول إلى محبوبته؛ ليتحدّث معها عن أحواله:
يا ليْتَنْا عِنْدَكْ تِسْمَعْ كَلَامِيْ
نِسْتَعْمِلَ الصمْتْ والوَتَرْ نشُدّهْ
تتجلّى، هنا، جمالية المفارقة بين النقيضين (الصمت/ وكلام الحبيب). الكلام الذي يرغب في أن يسمعها إيّاه، والصمت الذي سيلوذان به. ولعلّ في لفظة "الوتر"، المحيلة إلى آلة العزف العود، مساحةً لتسويغ هذه المفارقة، بإمكانية اضطلاع الفن الغنائي باستيعاب معاني اللحظة التي غزلت هذه الأمنية في الذات العاشقة، المُكبّلة بتداعيات الفراق.
شوقاً إلى الأُنس المغدور
يعرِّج سياق التغني بهذه التجربة على الشوق، وتفاصيله المستعرة في مشاعر الحبيب المفارق:
فَقْدَانْ أنَا لِنَظْرَة اللِّثامِ
واحِنْ علَى شَمّ الخُدودْ وِوَرْدَهْ
يتمحور شوق الحبيب إلى حبيبته في شوقه إلى نظرة عينيها، وإلى لذة تقبيله خدّيها. ولم يربط السياق النظرة بالحبيبة، بل بـ"اللثام" الذي ترتديه. تلك القطعة القماشية التي تعني في المحكية اليمنية "الخمار"، الذي يغطي وجه الفتاة، فلا يترك منه سوى عينيها.
ويستند هذا الربط إلى مرجعية بلاغية كنائية في سياقات اللغة العربية الفصحى. كما أنه، بمعية ذلك، يستند إلى مرجعية ثقافية ذات علاقة مباشرة بمجتمع الحبيبين، وتقاليده التي يغلب عليها الإسراف في صناعة الحواجز والحدود الفاصلة بينهما.
من ذاك العذاب ما تشكّلت به صيغة السلام التي بعث بها إلى محبوبته، وما اتّسمت به هذه الصيغة من خصوصية وجمالٍ بنائي؛ فسلام المفارق، هنا، سلام مختلف، تشكّل من تفاصيل حال صاحبه المحزون، فاستوى أنيناً وآهات معجونة بأمنيته الوصول إلى محبوبته؛ ليتحدّث معها عن أحواله.
وإذا كانت صيغة التعبير المحكي، عن رغبة الحبيب في الفوز بنظرة محبوبته، قد تضمّنت نسقاً من الدلالة الثقافية على تلك الحواجز المبالغ فيها، إلا أن الأمر مختلف في صيغة الحديث عن شوقه إلى لحظة عناقٍ، مقرونةٍ بقُبَلٍ متبادلة بينهما، وتأوهات مترعة باستعذابه رائحة خدّيها.
وبذلك، فإن هذه الصيغة تنطوي على نسق من ضمنيّة التأكيد لنوعية تجربة الحب في هذه الأغنية. تلك التجربة التي تبدو أقرب إلى أن تكون مُتّصِلة بعلاقة زوجية، حال دون استمرارها فراق قسري، بعد زمن من السعادة المغدورة:
حيرانْ أَنَا هَايِمْ فِيْ غَرَامِيْ
بَعْد السَّلَى والأُنْس وَالمَوَدّةْ
إذ يحتار (الحبيب/ المفارق) في حاله التي لم يتراجع فيها غرامه بمحبوبته. كما تشمل هذه الحيرة استغرابه من هذا التحوّل في علاقتهما، من ماض مشرق بحياة هانئة، إلى حاضر مظلم بالحرمان منها.
وتكتنز ثلاثية: (السّلى/الأُنس/المودة) معنى السعادة ذات الأفق المفتوح، في المحكية اليمنية والعربية الفصحى على حدٍّ سواء. كما تنطوي هذه الثلاثية على نوع من حيوية الدلالة الفاعلة في تعزيز تأويل هويّة المحبوبة زوجة، لم يعد من الممكن عودتها إلى زوجها [1]؛ بعد أن تضافرت أسباب مختلفة حتّمت عليها أن تغادر داره إلى ديار أهلها. وهناك، تفاقمت المشكلة؛ فبالغوا في تعذيب صهرهم المُنكسر بفراق ابنتهم:
يا غارةَ الله! نَحّلوا عظاميْ
بُعدَ الحبِيبْ كالمَاس جَرَحْنِيْ حدَّهْ
يستغيث (المفارِق/ الزوج)، في خاتمة هذه الأغنية، من الحال التي أوصلته إليها قسوة أصهاره. تلك القسوة التي لم يكن مناسباً التعبير عنها إلا بصيغة "نحّلوا عظامي"؛ لدلالة هذه الصيغة على وصول آثار المعاناة إلى عظام المعذب، وعدم اكتفائها بالتسبب في نحول لحم جسمه؛ إذ وصلت إلى مستوى أعمق، فكانت سبباً في نحول عظامه. وبذلك بلغ المعنى مستوى متقدماً من تكثيف الدلالة على المدى الكارثي الذي وصل إليه التعنّت في الفتك بحال المفارق.
ثراء الإحالات والدلالة
-
أيوب طارش العبسي
على الرغم مما استقر عليه تأويل ماهية العلاقة بين الحبيبين في هذه الأغنية، بوصفها علاقة زوجية أحال إليها عدد من الإشارات الدلالية، إلا أن الفضاء الدلالي نفسه، في هذا السياق الشعريّ والغنائيّ، يتّسع ليشمل كلَّ تجربة حب مرّت بمرحلتين: مرحلة السعادة التي سادت في ظرف تيسّر فيه القُرب بين طرفيها.
ومرحلة الشقاء التي انتهت إليها تجربتهما بفعل عوامل خارج إرادتهما. تلك العوامل التي لا شك في أنها فاعلة في التفريق بينهما، لكنها، في الوقت نفسه، لا قدرة لها على الوصول إلى جوهر تجربتهما العاطفية، ولا النيل من حيويتها المتّقدة في وجدانيهما.



