"تعز": أغنية العشق والجبل العالي

ما قصة أغنية "تعز تعز؟"وكيف شكّلت احتفاء بالعلاقة بين إنسان المدينة وإنسان الجبل في تعز؟

تحظى مدينة تعز اليمنية بحضور متجدّد في الغناء اليمني، الذي يتضمّن، في مساحةٍ منه، احتفاء بعدد من الخصائص التي اشتهرت بها هذه المدينة: الثقافية، والطبيعية، والاجتماعية، والتاريخية، والحضارية.

ومن أهم تجليات هذا الاحتفاء ما يتعلّق بــ "جبل صبر"، الذي يطلّ على المدينة من جهتها الجنوبية. وقد نال هذا المعلم الجغرافي البارز اهتماماً ملحوظاً في أغلب الأغاني التي تضمّنت خصائص مدينة تعز، إن لم يكن جميعها. إذ ورد في أغاني كثير من الفنانين اليمنيين، منهم: أيوب طارش العبسي، وفؤاد عبد الواحد، وحمود السمة، ومحمد مرشد ناجي، وعلي عبد الله السمة، وفرسان خليفة، وغيرهم.

كما أن لكل أغنية ورد فيها هذا الجبل خصوصيتها الدلالية وإحالاتها الاجتماعية، التي تتجلّى من خلالها العلاقة بين طبيعة الجبل وحياة الإنسان، إنسان الجبل وإنسان المدينة على حد سواء. ولأن الحديث عن كل ذلك يحتاج إلى مساحة أكثر سعة لاستيعاب تفاصيله، فإنني سأكتفي بتناول نموذجٍ واحد من تلك الأغاني؛ إذ استقر اختياري على أغنية "تعز تعز"، التي كتب كلماتها الشاعر عبد الرحمن الآنسي، ولحّنها الفنان علي بن علي الآنسي، وغنّاها عدد من الفنانين، أبرزهم الفنانتان: منى علي، وفايزة عبد الله.

جمال الطبيعة وجمال المحبة

  • جانب من طبيعة تعز
    جانب من طبيعة تعز

شكّلت تجربة الحب في أغنية "تعز تعز" نسقاً حيويّاً فاعلاً في تجسير العلاقة بين إنسان المدينة وإنسان الجبل، من خلال سياقين جماليين: جمال تلك التجربة العاطفية، وجمال طبيعة هذه المدينة ومحيطها:

تعزْ تعزْ خضْرا والغِيلْ سرّاحْ
مَلِّكْنيَ الحاليْ أنومْ وارتاحْ

يتغنّى هذا الاستهلال بسياق جمال الطبيعة، من خلال الإشارة إلى ديمومة اخضرار مساحات مختلفة من مدينة تعز، في جزر شوارعها، ومحيط أبنيتها، وضواحيها وتجمّعاتها الريفية، بما في ذلك جمال وفرة المياه العذبة والمنابع الجارية في مناطق متعددة من محيطها. وجميعها تعمل على توفير ما يكفي من المياه لاستمرار اخضرار أشجار المدينة وأشجار ضواحيها، واستمرار اعتدال مناخها الذي تشتهر به، فيُشار إلى أن فيها ربيع كل الفصول.

واقترنت غنائية جمال الطبيعة بغنائية جمال التجربة الوجدانية، في سياق من تعبير الذات الفنية، الشاعرة والعاشقة، عن رغبتها في الاستئثار المطلق بالمحبوب، الذي أشارت إلى حسنه ووصفته بصفة "الحالي".

تلك الصفة التي من معانيها في المحكية اليمنية: الشيء الجميل، والإنسان الجميل، وكل ما يمكن وصفه بصفة الجمال.

تكشف أغنية "تعز تعز" عن علاقة حميمة بين المدينة والجبل، لا تقوم على الفصل بينهما، بل على التبادل والتكامل. فابن المدينة يصعد إلى محبوبته في الجبل، وابنة الجبل تنزل لاستقباله، وفي هذا اللقاء تتجسد وحدة المكان والإنسان والعاطفة في صورة غنائية واحدة.

وفي السياق نفسه، ارتبطت رغبة الحبيب تلك بما سيفضي إليه تحقيقها من تبديد لعذاب حرمانه، والحد من قسوة معاناته في حالين اثنتين: الأولى حال سهره المتواصل، والأخرى حال قلقه الذي سلبه راحته؛ إذ لا سبيل إلى نجاته من هاتين الحالين سوى بلقاء محبوبه، الذي يسعى إليه غير مبالٍ بمشقة الوصول إلى مبتغاه:

جبلْ صبرْ عالي على المدينةْ
يا مَنْ مَعهْ مَحبوبْ اللهْ يعينهْ

يؤثّث السياق الغنائي للتعبير عن تلك المشقة بالإحالة إلى جمالية ارتفاع الجبل، وجمالية إطلالته على المدينة، ثم يربط هذه الجمالية بجمالية تجربة الحب، التي عرّج على بعض من تفاصيلها، ولا سيما ما يتعلّق منها بواقعية المسافة المكانية الفاصلة بين طرفيها؛ إذ يستقر الأول منهما في قلب المدينة، والآخر في أعالي الجبل. واستضاءة بالثقافة الاجتماعية السائدة والفضاء الدلالي العام لمضامين هذه الأغنية، يمكن تأويل المدينة محلَّ إقامة للحبيب، الذي سيسافر إلى محبوبته المقيمة في أعالي هذا الجبل الشاهق.

ويبدو واضحاً اعتناء معاني الأغنية بمشقة سفر الحبيب، ولا سيما في ما تضمّنته صيغة الدعاء له بالتوفيق والعون: "الله يعينه". كما تحيل هذه المشقة إلى سياق الأغنية التاريخي المرتبط بأزمنة كانت فيها وسائل المواصلات مقتصرة على الحيوان، أو على قطع المسافات سيراً على الأقدام.

وبذلك، فعلى العاشق، ابن المدينة، أن يكون مستعداً لتحمّل السفر إلى المعشوقة الجبلية، التي عليها هي أيضاً أن تكون مستعدة لما عليها أن تقوم به، فور تلقّيها إشعاره إياها بمقدمه إليها:

جَبَل صَبِرْ عالِيْ كُلُّهْ سَوَاقِيْ
يا مَنْ مَعهْ محْبُوبْ قُلْ لُهْ يلاقِيْ

يستمر هنا نسيج الاحتفاء بجمال ارتفاع الجبل، مع إضافة تفصيل من تفاصيل طبيعته الجميلة، يتمثّل في وفرة موارد الماء فيه، وتدفّقها في سواقيه المنتشرة في مناطق مختلفة من امتداده الجغرافي. تلك الوفرة نفسها التي اتصل، من خلالها، جمال الجبل بجمال المدينة المحظوظة بانتشار الغيول في محيطها.

واتصالاً بذاك النسيج، يأتي استمرار مركزية الاحتفاء بسياق الجمال العاطفي، وسفر الحبيب، ابن المدينة، إلى المحبوبة، ابنة الجبل. مع إحالة ملحوظة إلى أن ذاك السفر سفرٌ جماعي من المدينة إلى الجبل، وأن من بين المسافرين أحبّة لديهم محبوباتهم من بنات الجبل.

يتحول صعود جبل صبر من وصف خارجي إلى تجربة ذاتية مباشرة، حين يقول العاشق: "وأنا طلعته". عند هذه اللحظة يلتقي جمال المكان بجمال اللقاء، فلا يعود الجبل مجرد خلفية للحكاية، بل يصبح جزءاً من التجربة الوجدانية وشرطاً لاكتمالها.

وهؤلاء تحديداً هم الذين عليهم إشعارهنّ بسفرهم إليهنّ، والتماسهم منهنّ الخروج للقائهم: "يا مَنْ مَعُهْ محْبوبْ قُلْ لُهْ يلاقي". وعلى ما تحمله دلالة اللقاء هنا من معنى الاستقبال، فإنها ذات معنى أكثر إحالة على التماس الحبيب من محبوبته الخروج لاستقباله واللقاء به قبل مسافةٍ معقولة من وصوله إليها.

ويكتنز هذا النوع من الاستقبال طاقة عاطفية، تتشابك فيها مشاعر الشوق واللهفة والسعادة بوصول حبيب القلب المنتظر، الذي يتشارك المشاعر نفسها مع المحبوبة المحتفلة بوصوله:

جبلْ صبِرْ عاليْ وانا طِلِعْتهْ
ريقَ الحبيبْ حالي وانا طِعِمْتهْ

في هذا السياق من التغنّي بموقف اللقاء، يصل التعبير عن هذه التجربة العاطفية المقترنة بجمال الطبيعة إلى هذه النهاية، التي تميّزت بطبيعة هذا الاقتران المختلف؛ فبعد أن كانت الإشارة إلى علو الجبل متّسمة بعمومية الإشارة إلى ثبات هذه الصفة فيه، صارت هذه الصفة نفسها قيد المعايشة من الحبيب المسافر إلى حبيبته، من خلال تجربته الذاتية المباشرة، التي مكّنته من معرفة مستوى علو الجبل وارتفاعه: "وانا طِلعْتهْ".

وبتجانسٍ جمالي وفني لافت، تمتد هذه التجربة الذاتية نفسها إلى استيعاب جمالية البعد العاطفي، من خلال معايشة الذات، الشاعرة والعاشقة، لحظة اللقاء، والإشارة إلى خروج المحبوبة ولقائها الحبيب قبل خطواتٍ من وصوله إلى دارها. وهناك منحته اللحظة لذة اللهفة وتفاصيلها، التي غزلتها بينهما قبلة طويلة، وصلت بكلٍّ منهما إلى أن يذوق طعم رضاب الآخر.

نسقان ومركزية جمالية

لقد قامت صياغة كلمات هذه الأغنية على جمالية نسقين مركزيين، تمثّل الأول منهما في جمال ارتفاع جبل صبر "العالي"، والآخر في جمال عاطفة المحبة بين حبيبين، ينتمي العاشق منهما إلى المدينة، والمعشوقة إلى الجبل.

كما قامت مركزية هذين النسقين على جمالية بناء دلالي متدرّج ومتصاعد، بدءاً من الدلالة العامة على جمال إطلالة الجبل العالي على المدينة، واقتران هذا الجمال بجمال تلك التجربة العاطفية، مروراً بتفاصيل من هذين النسقين، وصولاً إلى التحامهما في تجربة ذاتية مباشرة التقى فيها طرفا هذه التجربة الوجدانية.

تقيم الأغنية علاقتها الجمالية على نسقين متوازيين: جمال الطبيعة، وجمال المحبة. فكلما ارتفع الجبل واتسعت المسافة بين الحبيب ومحبوبته، ازدادت التجربة العاطفية قوة، وصار الوصول إليها اختباراً للشوق وقدرة العاشق على احتمال مشقة الطريق.

كما تتجلّى جمالية البناء الدلالي في التنويع بين إحالات لفظة "حالي"، التي ربطت بين بداية الأغنية ونهايتها؛ فالمحكية اليمنية تستخدم هذه اللفظة للدلالة على أعلى مستوى من مستويات القيمة التي يمكن أن يصل إليها الشيء الموصوف بها.

كما يتّسع فضاؤها الدلالي ليتّسق مع خصوصية كل موصوف بها، وخصوصية كل موقف ترد فيه. ذلك هو ما قام عليه استخدام هذه اللفظة، الصفة، في بداية النص الشعري ونهايته؛ إذ وردت في مستهل الأغنية صفة للحبيب، فأحالت إلى أعلى مستوى جمالي يمكن أن يصل إليه في عين محبوبه، ثم جاءت في ختام الأغنية صفة لرضاب الحبيبة لحظة لقائه بها، فأحالت إلى أقصى مستويات اللذة التي يمكن أن يصل إليها شعور عاشق منتشٍ بمذاق قبلة جادت بها عليه الحبيبة على قارعة اللقاء.

اخترنا لك