"الشعب العربي"… وين؟

تذكّرت غضبي يوم سمعت أحمد قعبور يغني من عمق حشاشته: "دخلوا بيتي، قتلوا ولدي، اغتصبوا امرأتي، وأمتي نائمة". جرح صوته، بكى قلبي، سلبت أرضه، واليوم أرضي!

كنت على وشك كتابة مقطع مليء بالعواطف، أستجدي به ما تبقّى من العروبة، والكرامة، والغيرة، أو الفروسية. لكنني انتبهت من غفلتي، وتذكّرت أنكم أمة نائمة، مضى على سباتها ما مضى. 

أمضى الفنان اللبناني الراحل، أحمد قعبور، الكثير من سنينه وهو "يطرق بابكم"، مستنداً إلى خيبته. أما محمود درويش فصرخ غريباً: "سجّل، أنا عربي"، حتى لا يصير الدم ماء.

غسان كنفاني قال إنّ الإنسان قضية، فبعتم أنفسكم. سميح القاسم قال: "حرام علي الطعام إذا جاع جاري"… فابتلعتم القضية، وجدتم بأموالكم على الكلاب الفاجرة! فيروز صلّت لأجل مدينة الصلاة، وما عرفتم من صلاتكم إلا الطقوس، وما حملتم من الإسلام إلا اسمه. أما الشيخ إمام فغنى: "هلموا، هلموا، هلموا، أسود العرين"، فكنتم خرافاً!

لماذا قد يمضي الإنسان عمره وهو ينشد ويناشد؟ ولماذا عمّروا عليكم الآمال؟ ألم ينهكهم النداء؟ أم أنّ الإنسان، حين يختنق بقهره وتبتلعه الظلمة، يصرخ؟ يصرخ بلا أمل، وبكلّ ما أوتي من قوة أو ضعف، كي لا يغرق في ضبابكم، أو حتى لا يصاب بنوبة قلبية؟

تذكّرت غضبي يوم سمعت أحمد قعبور يغني من عمق حشاشته: "دخلوا بيتي، قتلوا ولدي، اغتصبوا امرأتي، وأمتي نائمة". جرح صوته، بكى قلبي، سلبت أرضه، واليوم أرضي!

هل يعقل أن يسمعها العالم، الدول والشعوب، وتظل نائمة؟ نعم، الشعوب نائمة أيضاً، فلا تتحجّجوا بالحكّام ولا بقلة الحيلة. في لبنان حكومة فاسدة، وأبناء وطن لا تعيبهم المصافحة، لكنّ في لبنان أيضاً شباباً لا يرضون الهوان، قدّموا أرواحهم قرابين على مذبح الوطن، ولم يهابوا يوماً أن يقولوا: "لا".

ثم إنّ الأغنية التي ترنّح على أنغامها الملايين لم تناد حكومات، بل نادت شعوباً: "الشعب العربي وين؟ وين الملايين؟"، لكن الملايين اختاروا أن يصفقوا بحرارة.

ثم ضحكت وقلت لنفسي: أيعقل أن توقظ الموسيقى ما لم يوقظه الصوت والصورة؟

وجدت نفسي عندها أمام بحث في الأسباب التي أدت إلى تقاعس العرب وتغيّر بوصلتهم الإنسانية، بحث في سرّ قعودهم كأسد مكبّل في زنزانة سيرك، حتى ظن أنّ استعراضاته البائسة تلك هي الغاية والهدف الأسمى من حياته. الأسد في السيرك لا يكبّل بالسلاسل دائماً، لكنّ فكرة أنّ الاستعراض هو خبزه وأمانه تحاصره، فتصير الفكرة سجنه.

حينها يرى حريته داخل القفص، ويصاب بالعجز، فيختار الانكفاء كآليته الدفاعية، ويتحول إلى جثة ضخمة تنتظر فتاتاً في ختام المشهد.

هكذا تحوّلت الشعوب العربية إلى شعوب جلّ همّها الأمان الفردي والركض خلف لقمة العيش، فتآكلت القضية المشتركة حتى تحوّلت القدس أو العروبة إلى أيقونات رمزية، فصرنا نبكي مع قعبور لنشعر بأننا ما زلنا "بخير إنسانياً"، ثم نعود إلى ممارسة الحياة كأنّ شيئاً لم يكن.

هذا السيناريو الانهزامي، وهذا العجز الموروث، أصابا الوجود العربي بحالة من اللامبالاة، ما دام قادراً على البكاء وذكر القضية بين حين وآخر.

ولكن منذ متى أصبحت العروبة ندبة في الهوية؟ وأصبح العرب بلا حول أو قوة؟ منذ متى والقدس محض شعار، والعدو ضبابي؟ لماذا صارت المصافحة "واقعيةً سياسية"؟ من أشربكم الهزيمة حتى الثمالة؟ أي نكسة، وقد أضحت كل أيامكم انتكاسات؟ هل هي لعنة النفط؟ إلى متى ستشقّ سفينتكم صحراء الذهب الأسود؟

سيذكر التاريخ بأنكم أمة مفلسة الأخلاق والإنسانية، تعيش في ديكور حضاري ممتاز، وتقيس مستوى حضارتها بطول الأبراج. جعلوا عدوهم إخوتهم في الدين، وانشغلوا بالحديث عنهم، بينما انشغل الآخرون بالسيف. لا أراكم سوى "تريند"، ولكن انتبهوا، فللـ"تريند" بضعة أيام ويخبو.

اخرجوا من كهوفكم، لأنّ السماء لن ترسل غير محمد واحد! لا أكتب كي تستفيقوا، بل أنعي الإنسان فيكم، وأبكي أمة الإسلام!

في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 أعلنت كتائب القسام معركة "طوفان الأقصى"، فاقتحمت المستوطنات الإسرائيلية في غلاف غزة، وأسرت جنوداً ومستوطنين إسرائيليين. قامت "إسرائيل" بعدها بحملة انتقام وحشية ضد القطاع، في عدوانٍ قتل وأصاب عشرات الآلاف من الفلسطينيين.

اخترنا لك