يوم دخلت من باب الخليل
أجد باب الخليل مفتوحاً، وأجد جدي ينتظرني، وأسمع صوته يقول: "تعال يا بني... سنذهب إلى القدس". أمد يدي الصغيرة... وأمشي.
-
باب الخليل في القدس قديماً
لم تكن القدس أول مدينة رأيتها. كانت أول مدينة بقيت تراني. كلما مرّت السنوات، كنت أشعر أنها لا تبتعد عني، بل تقترب أكثر، حتى صارت أقرب إليّ من الأمس نفسه. يكفي أن يتصاعد من مطعم دخان الفحم، أو أن تلامس أنفي رائحة الهال، أو أن يلسع لساني فلفل أسود، حتى تنفتح نافذة قديمة في داخلي، ويخرج منها طفل في السادسة من عمره، يمسك يد جده، ويسير مطمئناً نحو القدس، في أواخر ستينيات القرن الماضي.
لم أعد أذكر اليوم الذي كان فيه ذلك، لكنني أذكر الضوء، وأذكر يد جدي. كانت يداً خشنة، داكنة كجذع زيتونة عتيقة، لكنها كانت أحنّ من وسادة أمي. كنت أمشي داخل تلك اليد، لا إلى جوارها. كانت أصابعه تغلق على أصابعي الصغيرة كلما اقتربنا من طريق مزدحم، فأشعر أن الدنيا كلها لا تستطيع أن تؤذيني.
خرجنا من ترقوميا مع الفجر. كانت القرية لا تزال تتثاءب. الدخان الأبيض يصعد من المواقد الطينية، والنساء يخبزن أرغفة الصباح، والديكة تنثر أصواتها فوق السطوح الحجرية، فيما كانت كروم العنب تمتد على التلال كأنها سجاجيد خضراء فردتها الأرض احتفالاً بالشمس.
كان جدي قليل الكلام. أما الصمت... فكان يجيد صحبته. وحين كنت أسأله: "هل القدس بعيدة يا جدي؟"، كان يبتسم من دون أن ينظر إليّ ثم يقول: "البعيد يا بني هو المكان الذي لا يحبه القلب".
لم أفهم يومها معنى كلامه. فهمته بعد أكثر من 50 عاماً.
***
كلما اقتربنا من المدينة، أخذ الحجر يتغير. صار أكثر دفئاً وأكثر ضوءاً. كأن الشمس تختار حجارة القدس وحدها لتتدرب عليها كل صباح. ثم ظهرت الأسوار. لم تكن جدراناً. كانت جبالاً من ذاكرة. كل حجر فيها يحمل وجهاً لا يُرى، وصوتاً لا يسمعه إلا الذين يأتون حاملين الشوق.
وقف جدي قليلاً. خلع كوفيته. مسح العرق عن جبينه ثم قال بصوت خافت، كأنه يخاطب المدينة لا يخاطبني:
"السلام عليك... يا قدس".
لأول مرة، رأيت رجلاً يسلّم على مدينة، فتخيلت أنها ستجيبه. ولعلها أجابته...
لكنني كنت صغيراً على سماع لغة المدن.
***
دخلنا من باب الخليل. ما إن تجاوزنا القوس الحجري حتى شعرت أن الزمن قد نسي نفسه خلف الباب. لم تعد السيارات هي التي تقود الطريق بل الأقدام. ولم يعد الإسفلت يحكم المدينة، بل الحجر. حجارة ملساء، صقلتها ملايين الخطوات، حتى صارت تشبه ظهور السلاحف العتيقة. كانت الأزقة تتلوّى كجداول من ضوء. كل منعطف يخفي حكاية، وكل قوس حجري يخبّئ سماء صغيرة.
البيوت يتكئ بعضها على بعض كعجائز يتبادلن الأسرار، والشبابيك الخشبية نصف المفتوحة تراقب المارّة في حياء،
وكان الضوء ينزل من بين الأقواس كأنه ماء.
***
أول ما هاجمني... لم يكن الناس. ولا الأصوات. كانت الروائح. هناك أدركت أن للمدن أنوفاً أيضاً. رائحة الخبز الساخن خرجت تركض نحوي. ثم لحقتها رائحة السمسم. ثم القهوة المحمّصة. ثم الهال. ثم القرفة. ثم الفلفل. ثم الزعتر. ثم دخان الفحم. ثم الياسمين.
كانت الروائح تتشابك في الهواء حتى بدا لي أنني أمشي داخل عطر كبير. ضحك جدي حين رآني أستنشق الهواء كما لو أنني أشربه وقال: "القدس تُرى بالعين... لكنها تُحفظ بالأنف". ولم يكن يعرف أنه سيبقى على حق حتى آخر العمر.
***
مررنا بـ "خان الزيت". كان السوق طويلاً، يلمع تحت الأقواس الحجرية. الدكاكين الصغيرة تفيض بزيت الزيتون، والصابون النابلسي، والزيتون المكبوس، والجبن، والتين المجفف، والعسل. كانت القناديل النحاسية تتدلّى من السقوف، فتبعثر على الوجوه شظايا من الضوء. ثم دخلنا سوق العطارين وهناك... ضاع أنفي. المسك والعنبر واللبان والميرمية والبابونج والنعناع والكركم والكمون والقرنفل والفلفل الأسود. لم تكن البهارات موضوعة في أكياس.
كانت تبدو كألوان خرجت من لوحة رسام، وجلست في صحون نحاسية تنتظر من يشتري رائحتها.
كان العطار يرفع حفنة من القرفة فتنزل رائحتها كالمطر، ويفتح كيس الهال فتخرج منه غابة كاملة.
***
ثم جاء صوت النحاس. في سوق النحاسين كانت المطارق تعزف فوق الصفائح. "طن... طن... طن". إيقاع قديم، أقدم من الأغنية نفسها. كانت الأباريق والصواني والأباريق الكبيرة تتلألأ حتى حسبتها شموساً صغيرة علقت على الجدران.
توقفت طويلاً. كانت عيناي تمتلئان بذلك البريق.
أما جدي... فكان يملأ قلبه بالمدينة.
***
فجأة... هزّني الجوع. ابتسم جدي. كأنه كان ينتظر تلك اللحظة. أخذني إلى مطعم صغير، تتصاعد من بابه رائحة الفحم. جلسنا على مقعدين خشبيين. ووضع الرجل أمامنا طبقاً من الكباب المشوي. لا أذكر اسم المطعم، ولا لون جدرانه ولا وجه صاحبه. لكنني أذكر تلك اللقمة.
كانت طرية كأنها ذابت قبل أن تصل إلى النار. وحين وضعتها في فمي... اشتعل لساني. كان الفلفل الأسود حاداً، لكنه لذيذ على نحو جعلني أبكي وأضحك في اللحظة نفسها. قهقه جدي حتى دمعت عيناه. ثم ناولني كوباً من اللبن البارد.
وقال: "هذه أول هدية من القدس".
منذ ذلك اليوم... كل كباب أكلته في حياتي كان مجرد محاولة فاشلة لتقليد تلك اللقمة. وكلما لسع الفلفل لساني، عاد الطفل ذو الستة أعوام يركض بين الأزقة، يبحث عن يد جده.
بعد الطعام صار الطريق أكثر هدوءاً. خفّت أصوات الباعة واتسعت السماء. سرنا نحو الساحات التي تقود إلى المسجد الأقصى.
***
حيث كانت الشمس تستريح فوق الذهب تركنا المطعم. لكن رائحة الفحم بقيت تمشي معنا. كانت قد علقت بثياب جدي، وبأصابعي الصغيرة، وحتى بضحكتي. كنت كلما أخرج لساني لأتحسس تلك اللسعة الحارة، أبتسم وحدي، فيربّت جدي على رأسي، كأنه يعرف أن بعض النكهات لا تغادر أصحابها أبداً.
سرنا ببطء. في القدس لا يجوز للعجلة أن تسبق العين. كل خطوة كانت تفتح نافذة، وكل نافذة كانت تطل على قرن آخر.
وصلنا إلى سوق القطانين. توقف جدي. ثم قال بصوت خفيض: "اُنظر جيداً". فهنا لا يبيع الناس القماش فقط...
هنا يبيع الحجر ظله أيضاً. رفعت رأسي. الأقواس المملوكية كانت ترتفع فوقنا كأنها أمواج متجمدة منذ مئات السنين.
الضوء يتسلل بينها خيوطاً رقيقة، فيرسم على الأرض سجاجيد من النور، لا يستطيع أحد أن يطأها من دون أن يشعر بأنه دخل مسجداً، حتى قبل أن يصل إليه. الدكاكين الصغيرة تتجاور في ألفة قديمة. لفائف القطن الأبيض. أقمشة الحرير. المخمل القرمزي. الكوفيات. الثياب المطرزة بخيوط تشبه أغنيات الجدات. وكان التجار يجلسون أمام بضائعهم بهدوء الأنبياء. لا يطاردون الزبائن. فالمدينة كانت تعرف كيف تسوّق نفسها.
***
كلما تقدمنا، خفّت التجارة، وازداد الصمت. حتى الهواء تغيّر. صار أكثر برودة وأكثر صفاء. كأن القدس خلعت ثوب السوق، وارتدت ثوب الصلاة.
مررنا بسبيل ماء قديم. اقترب جدي. غسل وجهه. ثم ملأ كفيه بالماء. ناولني إياهما. شربت. كان الماء بارداً على نحو لم أعرفه من قبل.
قلت: "لماذا طعمه مختلف يا جدي؟"
ابتسم وقال: "لأن التعب شرب قبلك".
ثم... حدثت المعجزة. لم أرها مقبلة. كانت مختبئة خلف الأشجار. وراء الأقواس. وفجأة... انفرج الطريق. رفعت رأسي
وتوقفت الدنيا. لم أر قبة. رأيت الشمس... وقد نسيت نفسها على الأرض.
كانت قبة الصخرة تشتعل تحت ضوء الظهيرة. ذهب صاف... لا يشبه الذهب. نور كثيف. حتى الضوء كان يبدو فقيراً إلى جواره. حدقت طويلاً. حتى نسيت أن أرمش. شعرت أن القبة لا تعكس الشمس، بل هي التي تمنح الشمس ضوءها.
أما السماء فكانت زرقاء إلى درجة جعلت الذهب أكثر توهجاً، وكأن الله اختار لذلك اليوم أجمل لونين في الكون، ثم وضعهما جنباً إلى جنب.
همست لجدي: "هل هي من ذهب؟". ابتسم. ولم يُجب. ظل ينظر إليها كما ينظر الإنسان إلى شيء لا يجرؤ على تفسيره. ثم قال: "بعض الأشياء يا بني إذا عرفنا ممّ صنعت فقدنا نصف جمالها".
سكتّ، وتركت عيني تكملان السؤال.
***
دخلنا الساحات. اتسعت الأرض فجأة واختفى ضيق الأزقة. كانت أشجار الزيتون العتيقة تمد أغصانها فوق البلاط الحجري، بينما وقفت أشجار السرو كحرّاس لا يشيخون. الحمام كان أكثر أهل القدس طمأنينة. يمشي بين الناس...
ولا يخاف أحداً.
كان الأطفال يطاردونه فيطير قليلاً ثم يعود. كأنه يعرف أن هذه المدينة لا تؤذي أجنحته. جلست على حافة مصطبة حجرية، وضعت كفي على الأرض. كانت الحجارة دافئة. أغمضت عيني. وخيّل إليّ أنني أسمعها تتنفس.
قلت لجدي: "هل للحجارة قلب؟"
نظر إليّ طويلاً ثم قال: "إذا أحبها الناس... صار لها قلب".
***
من بعيد ارتفع الأذان. لم يكن صوتاً... كان ماء. ينساب فوق الأشجار ويغسل الهواء، ويصعد ببطء نحو السماء.
في اللحظة نفسها دقت أجراس كنيسة القيامة. توقفت. أنصتّ. لم أشعر أن أحد الصوتين يطرد الآخر. بل بدا لي أن القدس تعزف بهما معاً. جرسان... وقلب واحد.
قال جدي بصوت خافت: "المدينة التي تتسع للدعاء لا تضيق بالإنسان".
لم أفهم كلامه يومها لكنني كلما تقدمت في العمر وجدتني أعود إليه.
***
بقينا طويلاً في الساحات. كنت أجمع أوراق الزيتون اليابسة وأضعها في جيبي. التقطت حصاة صغيرة وأخفيتها عن جدي. لا أعرف لماذا. ربما لأن الطفل يخشى أن تضيع المدن، فيحاول أن يأخذ منها حجراً صغيراً، كي لا تنساها الطريق،
ولا أدري أين ذهبت تلك الحصاة. لكنني على يقين أن شيئاً منها بقي في قلبي، وأن شيئاً من قلبي ما زال هناك. يجلس تحت زيتونة عتيقة، وينتظر أن يعود جدي من الصلاة، ليأخذ بيده طفلاً في السادسة ويريه المدينة... للمرة الأولى.
***
المدينة التي عادت معي.
لم أعرف كم من الوقت بقينا هناك. في القدس، كانت الساعات تفقد أسماءها. لم يكن النهار يمضي... كان يترسّب.
مثل عطر قديم في ثوب لا يُغسل.
كنت أتنقل خلف جدي بين الساحات، أرفع رأسي مرة إلى القباب، ومرة إلى الأشجار، ومرة إلى السماء، وأشعر أنني داخل حكاية أكبر من قدرتي على الفهم. كان كل شيء جديداً عليّ. لكن الغريب أنني شعرت أنني أعرفه منذ زمن بعيد.
كأن روحي الصغيرة كانت قد زارت القدس قبل أن تولد.
***
حين مالت الشمس نحو الغروب، قال جدي: "هيا يا بني... لقد حان وقت العودة". لم أحب كلمة "العودة".
لأنها بدت لي كأنها تعني أننا سنترك شيئاً خلفنا. وقفت قليلاً. نظرت إلى قبة الصخرة مرة أخرى. كان الذهب قد تغيّر.
لم يعد ناراً. صار دفئاً. كأن الشمس قبل أن ترحل، اقتربت منها وهمست لها بسرّ المساء.
قلت في داخلي: "لا تغلقي عينيك يا قبة..."
لكنها بقيت هناك. هادئة. مطمئنة، كأنها تعرف أن الذين يرونها مرة لا يغادرونها أبداً.
***
خرجنا من باب الخليل. هذه المرة كان الباب مختلفاً. في الصباح كان بوابة إلى الدهشة. أما الآن...فكان بوابة إلى الحنين.
لم أكن أعرف معنى الحنين وأنا طفل، لكنني شعرت به. ذلك الألم الجميل الذي يشبه أن تودع شخصاً تحبه، وأنت متأكد أنك ستشتاق إليه قبل أن تبتعد عنه.
كانت الأسواق تستعد للإغلاق. الباعة يطوون أقمشتهم. النحاس يعود إلى صمته. رائحة القهوة تخفت قليلاً، والأزقة تلبس عباءتها الليلية. لكن القدس لم تكن تنام. كانت فقط تغمض عينيها قليلاً.
***
في الطريق إلى ترقوميا، كنت صامتاً. لم أسأل جدي عن شيء ولم يكلمني كثيراً. كان يعرف أن الطفل الذي دخل القدس في الصباح ليس هو الطفل الذي يخرج منها الآن.
كنت أنظر من نافذة السيارة إلى الجبال والحقول. كانت القرية تقترب. لكن شيئاً مني كان يبتعد. كان جزء مني ما زال هناك... في سوق العطارين. بين رائحة الهال والقرفة. عند بائع الكعك. تحت أشجار الزيتون في المسجد الأقصى. أمام القبة الذهبية التي جعلتني أرفع رأسي طويلاً حتى نسيت أنني طفل.
***
وصلنا إلى البيت. استقبلتني أمي.
سألتني: "هل تعبت؟"
قلت: "لا"
وكانت تلك أول كذبة صغيرة أقولها في حياتي. لقد كنت متعباً، لكنني لم أكن أريد أن أعترف. كيف يمكن لطفل أن يقول إنه تعب من السير في حلم؟
دخلت غرفتي. وضعت رأسي على الوسادة وأغمضت عيني. لكنني لم أرَ سقف الغرفة.
رأيت القدس.
***
مرت السنوات. كبر الطفل وكبرت المسافة بينه وبين ذلك اليوم. رحل جدي وتغيرت وجوه كثيرة. اختفت أصوات من الأسواق، وأُغلقت أبواب دكاكين كانت تعرف أسماء أصحابها أكثر مما تعرف أسماء بضائعها.
وابتعدت عن القدس وعن ترقوميا .. وابتعدت عن فلسطين. لكن هناك أشياء لا تستطيع السنوات الوصول إليها.
رائحة الفحم. صوت النحاس. برودة ماء السبيل. لمعة القبة الذهبية، ولسعة الفلفل في تلك اللقمة الأولى من الكباب.
***
اليوم، حين أجلس وحيداً، وأفتح نافذة الذاكرة، لا أبحث عن القدس. فالقدس لا تضيع حتى نبحث عنها. هي التي تبحث عنا. تأتي أحياناً مع رائحة القهوة، أو مع صوت أجراس بعيدة، أو مع طفل يمسك يد جده في الطريق.
وعندما تعود.. أعود أنا أيضاً. أعود ذلك الطفل الصغير. أمشي خلف جدي في أزقة الحجر. أسمع خطواتي الصغيرة على بلاط القدس.
أرفع رأسي نحو القبة وأشعر بالدهشة نفسها. كأن كل تلك الأعوام لم تمر. كأنني ما زلت في السادسة، وكأن يد جدي ما زالت تمسك بيدي.
***
أدركت أخيراً أن الإنسان لا يحمل المدن في ذاكرته، بل تحمل المدن الإنسان. فالقدس لم تكن رحلة ذهبت إليها ذات صباح. كانت الباب الذي دخلت منه إلى نفسي. ومنذ ذلك اليوم، كلما شعرت أن العالم صار قاسياً وضيقاً، أغمض عيني.
هكذا أجد باب الخليل مفتوحاً، وأجد جدي ينتظرني، وأسمع صوته يقول: "تعال يا بني... سنذهب إلى القدس".
أمدّ يدي الصغيرة... وأمشي.