من الهجرة إلى التكنولوجيا: كيف تعيد الأمننة تشكيل النظام العالمي؟
من الهجرة إلى المناخ وصولاً إلى التكنولوجيا: كيف تحولت هذه العناوين من ملفات اجتماعية وبيئية واقتصادية إلى قضايا "أمنية" تعيد تشكيل النظام العالمي؟
يعيش العالم المعاصر لحظة تتقدم فيها لغة الأمن على مختلف اللغات السياسية الأخرى. فالأزمات التي كانت تُقرأ سابقاً باعتبارها قضايا اقتصادية أو اجتماعية أو بيئية، باتت تُعاد صياغتها داخل قاموس التهديد والخطر والاستثناء، فالهجرة تحولت إلى ملف أمني، والمناخ إلى مصدر لعدم الاستقرار، والتكنولوجيا إلى ساحة صراع استراتيجي.
وبذلك تحولت الأمننة إلى إطار حاكم لإنتاج المعنى السياسي، يُعيد من خلاله الفاعلون الدوليون تعريف طبيعة المخاطر، وترتيب الأولويات السياسية، وتوسيع مجالات التدخل والضبط باسم مواجهة التهديدات.
توسعت دائرة القضايا التي تُدار بمنطق الأمن بشكل خاص بعد نهاية الحرب الباردة ثم أحداث الـ 11 من أيلول/سبتمبر عام 2001، حين انحلت الحدود الفاصلة بين المجالين العسكري والمدني، وامتد منطق الأمن إلى مجالات الحياة اليومية. ولعل تحولات العقود الأخيرة رسّخت هذا المنحى، فمن تصاعد الحروب غير التقليدية، مروراً بــ "الحرب على الإرهاب"، وصولاً إلى التوترات الجيوسياسية المتجددة، توسع منطق "الاستباق" القائم على مواجهة الأخطار المحتملة قبل حدوثها.
هكذا لم يعد الأمن مقتصراً على الاستجابة لتهديد قائم، بل أصبح يقوم على توقع المخاطر وإدارتها مسبقاً، ما وسّع مفهوم الخطر ليشمل مجالات كانت تُصنّف سابقاً خارج المجال الأمني.
وتتزامن هذه الدينامية مع صعود الشعبوية واليمين المتطرف، حيث تزايدت خطابات سياسية يمينية وقومية متشددة تستثمر في مشاعر الخوف والقلق الجماعي، وتُحوّل الهشاشة الاجتماعية والاقتصادية إلى سرديات مرتبطة بالتهديد. فأصبحت الهجرة، في العديد من الخطابات السياسية، تُقدَّم باعتبارها خطراً على الهوية والسيادة بدلاً من كونها ظاهرة مرتبطة بالحروب والفقر وعدم المساواة العالمية.
كما باتت الأزمات المناخية جزءاً من حسابات الأمن القومي باعتبارها مصدراً محتملاً للنزاعات حول المياه والغذاء والطاقة. أما التكنولوجيا، فقد انتقلت إلى ساحة صراع استراتيجي حول البيانات والذكاء الاصطناعي والتفوق الرقمي. فكيف تحولت الأمننة الشاملة إلى إطار مركزي لإدارة الأزمات وإعادة تشكيل موازين القوة؟ تجييش مشاعر الخوف وتصدير الحدود لكبح الهجرة؟
يعود مفهوم ''الأمننة'' في صيغته الأكاديمية إلى مدرسة كوبنهاغن للدراسات الأمنية، خصوصاً أعمال الباحثين باري بوزان، وأولي ويفر، اللذين اعتبرا أن القضية لا تصبح "أمنية" بالضرورة لأنها تمثل خطراً موضوعياً فقط، بل لأنها تُقدَّم سياسياً وخطابياً باعتبارها تهديداً وجودياً يستدعي إجراءات استثنائية [1].
-
زيارة نائب الرئيس الأميركي، جيه دي فانس، وزوجته، في قاعدة بيتوفيك الفضائية في غرينلاند في آذار/مارس 2025
وتكشف أحداث سبتة الأخيرة كيف تحولت الهجرة إلى أداة في الصراعات الجيوسياسية، بعدما وثقت شهادات مهاجرين أن السلطات المغربية غضّت الطرف، أو سهّلت، موجة العبور الجماعي في سياق التوتر مع إسبانيا. وسرعان ما استثمرت قوى اليمين الأوروبي هذه الأحداث لإحياء سرديات "الغزو" حيث علّقت إيطاليا العمل مؤقتاً باتفاقية "شنغن" مع إسبانيا، فيما تبنّت قوى اليمين في فرنسا والدنمارك وفنلندا الخطاب ذاته، داعية إلى تشديد الرقابة على الحدود وتعميم الإجراءات الاستثنائية.
كما تلقّف الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، الفرصة، لتجديد دعوته إلى الحفاظ على الحزب الجمهوري في السلطة كضمانة لعدم تسرّب موجات الهجرة.
-
مهاجرون غير شرعيون في سبتة في أواخر تموز/يوليو 2026
يُعد الاتحاد الأوروبي أحد أبرز الأمثلة على توسع الأمننة الشاملة والصارمة في مجال الهجرة عبر سياسة تصدير الحدود. فبدل أن تبدأ مراقبة الهجرة عند سواحلها، انتقلت إلى دول الجوار، عبر اتفاقيات وشراكات تجعل منها امتداداً لمنظومة ضبط الهجرة الأوروبية [2]. واكتسبت هذه السياسة دفعاً إضافياً مع "الميثاق الجديد بشأن الهجرة واللجوء" الذي أصدرته المفوضية الأوروبية في أيلول/سبتمبر عام 2020، والذي عزز آليات تطبيقها مع دول الجوار.
ويظهر ذلك بوضوح في العلاقة مع تونس، خصوصاً بعد مذكرة التفاهم الموقعة مع الاتحاد الأوروبي في تموز/يوليو عام 2023، والتي جعلت ملف الهجرة أحد محاور التعاون الأساسية، وهو ما انعكس فعلياً على الأرقام المسجلة في إحباط الهجرة غير الشرعية، إذ تراجعت عمليات العبور عبر طريق وسط المتوسط بنسبة 59 في المئة خلال 2024، وهو ما ربطته "فرونتوكس" أو "الوكالة الأوروبية لحرس الحدود وخفر السواحل"، بتراجع المغادرات من تونس وليبيا [3].
وتمثل ليبيا أيضاً نموذجاً أكثر حدة لهذا التحول، حيث دعمت دول أوروبية، خصوصاً إيطاليا، بناء قدرات خفر السواحل الليبي لمنع وصول المهاجرين إلى أوروبا، رغم الانتقادات الحقوقية المرتبطة بظروف الاحتجاز والانتهاكات التي يتعرض لها المهاجرون داخل ليبيا. هكذا لم تعد الحدود الأوروبية مجرد خط جغرافي، بل باتت شبكة ممتدة من نقاط الضبط خارج القارة.
غير أن هذه السياسة تواجه انتقادات حقوقية متزايدة، خصوصاً في تونس، باعتبارها تختزل قضية الهجرة، بما تحمله من أبعاد اقتصادية واجتماعية وإنسانية معقدة، في مقاربة أمنية تركز على المنع والاحتواء. كما تثير هذه الشراكات إشكالات مرتبطة بالسيادة، إذ تتحول "دول الجنوب" إلى جهات مكلّفة بحراسة الحدود الأوروبية.
تصدير الحدود سياسة يسعى من خلالها الاتحاد الأوروبي إلى منع وصول المهاجرين واللاجئين إلى أراضيه، عبر نقل مهام مراقبة الحدود إلى دول من خارجه.
وتغذت هذه السياسة بصعود تيارات سياسية جعلت من الخوف أداة مركزية في التعبئة الانتخابية. فقد وجد اليمين الشعبوي في خطاب "الخطر" وسيلة لإعادة تعريف المجتمع حول ثنائية حادة بين "نحن" و"الآخر"، حيث لا يعود التهديد مرتبطاً فقط بأفعال محددة، بل بهويات وجماعات تُقدَّم باعتبارها مصدراً محتملاً للخطر.
في هذا السياق، صارت الهجرة إحدى أكثر القضايا التي خضعت لعملية الأمننة، حيث انتقلت من كونها ظاهرة اجتماعية واقتصادية مرتبطة بانعدام العدالة في توزيع الثروة وسوق العمل والتحولات الديمغرافية، إلى ملف يُربط بالهوية الوطنية والأمن الداخلي والاستقرار الثقافي.
ويقوم الخطاب الشعبوي على تحويل المهاجر من فرد له حقوق ومسار اجتماعي إلى رمز لخطر جماعي مفترض.
ويجد هذا التوجه حاضنة فكرية في نظرية "الاستبدال الكبير" (Great Replacement) [4] التي صاغها الكاتب الفرنسي، رينو كامو، عام 2010، والتي تزعم أن السكان الأوروبيين الأصليين يواجهون استبدالاً ديمغرافياً بسبب الهجرة ومعدلات الولادة لدى الأقليات المهاجرة.
ورغم رفض هذه النظرية من قبل باحثين باعتبارها تقوم على قراءة مؤامراتية للتركيبة السكانية، فقد أصبحت جزءاً من قاموس اليمين المتطرف في أوروبا والولايات المتحدة، واستُخدمت لتغذية المخاوف حول فقدان الهوية الوطنية.
في فرنسا، حضر هذا الخطاب في النقاشات التي يقودها اليمين المتطرف، خصوصاً حول الهجرة والإسلام والهوية، حيث جرى تقديم التغيرات الديمغرافية باعتبارها تهديداً ثقافياً وحضارياً. كما استثمرت شخصيات سياسية مثل مارين لوبان خطاب "الأمن والهجرة" عبر الربط بين الهجرة غير الشرعية والجريمة والضغط على الخدمات العامة، ما أسهم في نقل القضية من المجال الاجتماعي إلى المجال الأمني.
وكذلك في إيطاليا، حيث بنت حكومة جورجيا ميلوني جزءاً من خطابها السياسي على فكرة "الدفاع عن الحدود" ومواجهة الهجرة غير الشرعية، بينما جعل "حزب البديل من أجل ألمانيا" بدوره من قضايا الهوية والهجرة محوراً أساسياً في خطابه السياسي.
وهو ما يمكن أن نستنتج من خلاله أن الشعبوية لا تعمل فقط على استثمار المخاوف الموجودة، إنما تسهم في إنتاجها سياسياً عبر تحديد عدو دائم يمكن تحميله مسؤولية أزمات أكبر، كتراجع الخدمات الاجتماعية، والتحولات الاقتصادية، أو فقدان الشعور بالأمان. وهنا تتقاطع الأمننة مع مقاربة سياسية واقتصادية أشمل، بشكل يصبح الخوف وسيلة لإدارة الأزمات بدل معالجة أسبابها البنيوية.
لا تعمل الشعبوية على استثمار المخاوف الموجودة فقط، بل تسهم في إنتاجها سياسياً عبر تحديد عدو دائم يمكن تحميله مسؤولية أزمات أكبر.
ولعل تجربة دونالد ترامب تمثل نموذجاً مكثفاً لتداخل الشعبوية مع الأمننة، إذ أصبح خطاب "الخطر" محوراً أساسياً في بنائه السياسي داخلياً وخارجياً، وتحولت الحدود إلى خط دفاع رمزي عن الأمة. وقد تجسد ذلك في سياسات مثل تشديد إجراءات اللجوء، وتوسيع عمليات الترحيل، ومراجعة التأشيرات، والقيود على دخول مواطني عدد من الدول.
وعلى سبيل المثال، اعتمد خطاب ترامب تجاه إيران، وفنزويلا، وكوبا، ولاحقاً تهديداته تجاه دول أخرى في المنطقة، على تقديم هذه الدول باعتبارها مصادر للخطر، سواء عبر مزاعم الهجرة، والبرامج النووية أم المخدرات وغيرها، في محاولة لتبرير سياساته العدائية وتصويرها كضرورة أمنية.
لكن هذا المنطق يمتد إلى ملفات أخرى، وفي مقدمتها المناخ والتكنولوجيا، اللذان أصبحا بدورهما جزءاً من عقيدة أمنية جديدة تعيد رسم أولويات النظام الدولي.
المناخ والتكنولوجيا: عقيدة أمنية جديدة
-
قيس سعيّد، وأورسولا فون دير لاين، وجورجيا ميلوني، ومارك روته، أثناء الزيارة الأوروبية لتونس التي شهدت توقيع مذكرة الشراكة لضبط الهجرة غير الشرعية في تموز/يوليو 2023
باتت السيطرة على الموارد الطبيعية، والقدرة على التحكم في البنى الرقمية، والوصول إلى التقنيات الاستراتيجية، عناصر أساسية في تعريف القوة والسيادة في النظام الدولي الجديد.
ويُعد التغيّر المناخي أحد أبرز الأمثلة على هذا التحول. فمنذ بداية القرن الــ 21، انتقل المناخ تدريجياً من كونه قضية بيئية مرتبطة بحماية الطبيعة إلى ملف مرتبط بالأمن القومي والاستقرار الجيوسياسي.
فقد تبنّت مؤسسات مثل "حلف شمال الأطلسي" (الناتو) مفهوم "الأمن المناخي"، معتبرة أن ارتفاع درجات الحرارة، ونقص المياه، والكوارث الطبيعية قد تؤدي إلى اضطرابات اجتماعية ونزاعات وهجرات جماعية.
غير أن انتقال المناخ إلى المجال الأمني فتح المجال أمام توظيف الأزمة ضمن حسابات القوة والنفوذ. فبدل أن تظل المعالجة محصورة في مواجهة الأسباب البنيوية المرتبطة بأنماط الإنتاج والاستهلاك الرأسمالية، أصبحت تداعيات الأزمة المناخية تدخل في استراتيجيات توسع وضبط وإعادة ترتيب للمجالات الحيوية.
وتكشف تجربة إدارة ترامب نموذجاً واضحاً لهذا التحول، يقوم على إعادة إدماج المناخ داخل منطق السيادة والمصلحة بدل منطق الالتزامات متعددة الأطراف. فقد انسحب عام 2017 من اتفاقية باريس للمناخ، معتبراً أن الاتفاق يفرض قيوداً على الاقتصاد الأميركي ويضر بالقدرة التنافسية للولايات المتحدة [5].
لكن هذا الانسحاب لا يعني غياب البعد المناخي عن الحسابات الاستراتيجية الأميركية، بل إعادة تعريفه ضمن حسابات المنافسة على الموارد والمجالات الحيوية، كما يظهر في تلويحه بالسيطرة على جزيرة غرينلاند بمنطقة القطب الشمالي خلال بداية العام الجاري. فغرينلاند تتجاوز كونها إقليماً ذا موقع جغرافي خاص، لتصبح فضاء تتقاطع فيه التحولات المناخية مع حسابات القوة والنفوذ. إذ يفتح ذوبان الجليد في القطب الشمالي ممرات بحرية جديدة، ويتيح الوصول إلى موارد طبيعية استراتيجية، ويعزز التنافس بين القوى الكبرى حول منطقة كانت تُعد هامشية نسبياً في النظام الدولي.
التلويح بالسيطرة على جزيرة غرينلاند يكشف أطماع ترامب التوسعية المرتبطة بالمنافسة على المجالات الاستراتيجية الجديدة الناتجة عن ذوبان الجليد في القطب الشمالي.
وتظهر الدينامية نفسها في مجال التكنولوجيا، حيث تحولت البيانات والذكاء الاصطناعي والمنصات الرقمية إلى ساحات جديدة للأمننة. وتجسد قضية تطبيق "تيك توك" التابع لشركة "بايت دانس" الصينية هذا التحول بوضوح. فقد تعاملت الولايات المتحدة مع التطبيق باعتباره قضية أمنية تتعلق بمزاعم وصول الصين إلى بيانات المستخدمين والتأثير في المجال المعلوماتي، لا باعتباره مجرد منصة تجارية رقمية.
ورغم استمرار الجدل حول طبيعة هذه المخاوف، فإن طريقة مقاربة الملف تكشف انتقال البيانات من مجال الخصوصية والتنظيم الاقتصادي إلى مجال السيادة والأمن.
-
شو زي تشيو، الرئيس التنفيذي لــ "تيك توك" أثناء الإدلاء بشهادته أمام مجلس النواب الأميركي عام 2023 (رويترز)
التكنولوجيا مجال أمننة وتوسيع السيادة والنفوذ في تعامل الولايات المتحدة مع تطبيق تيك توك كقضية أمن قومي مرتبطة بالبيانات والتأثير المعلوماتي الصيني.
وينطبق المنطق ذاته على القيود الأميركية المفروضة على تصدير أشباه الموصلات المتقدمة إلى الصين. فقد بررت واشنطن هذه الإجراءات بضرورة منع وصول تقنيات حساسة يمكن استخدامها في تطوير القدرات العسكرية والذكاء الاصطناعي، ما جعل الرقائق الإلكترونية جزءاً من معركة استراتيجية حول التفوق التكنولوجي العالمي.
هكذا أصبحت السيطرة على البيانات والبنى الرقمية والمعرفة التقنية جزءاً من صراع الهيمنة.
في المحصلة، يظهر أن الأمننة الشاملة لا تعني فقط توسع قائمة التهديدات، بل أيضاً تغير طريقة إدارتها، فكل أزمة يمكن إعادة تعريفها بوصفها خطراً، وكل خطر يمكن أن يصبح ذريعة لتوسيع أدوات التدخل والسيطرة.
وفي هذا التقاطع بين المناخ والتكنولوجيا والهجرة، يظهر الوجه الجديد للسلطة في القرن الـ 21، إدارة عالم مليء بالأزمات عبر إنتاج حدود جديدة، مادية ورقمية ورمزية.
المصادر والمراجع
[1] Barry Buzan, Ole Wæver & Jaap de Wilde, Security: A New Framework for Analysis, Lynne Rienner Publishers, 1998.
[2] European Commission, Memorandum of Understanding on a strategic and global partnership between the European Union and Tunisia, 2023.
[3] Frontex, "Irregular border crossings into EU drop sharply in 2024," january 2025 — https://www.frontex.europa.eu/media-centre/news/news-release/irregular-border-crossings-into-eu-drop-sharply-in-2024-oqpweX
[4] Cary Wu, "What is the 'great replacement theory'? A scholar of race relations explains," The Conversation, 2024 https://theconversation.com/what-is-the-great-replacement-theory-a-scholar-of-race-relations-explains-224835
[5] UNFCCC, United States Announces Withdrawal from Paris Agreement, 2017 https://unfccc.int/
