مصر و"إيجيبت".. ثقافتان وعالمان في جغرافيا واحدة

كيف تحوّل مصطلح "إيجيبت" من تسمية أجنبية لمصر إلى تعبير رمزي ساخر عن الفجوة الطبقية والثقافية بين المصريين؟

حين كتب الشاعر المصري الراحل، عبد الرحمن الأبنودي، مقطوعته "إحنا شعبين.. شوف الأول فين والتاني فين" ضمن قصيدته "أحزاني العادية"، المنشورة في ديوانه الصادر عام 1981، بدا كأنه يستشرف ملامح انقسام اجتماعي لا تزال أصداؤه حاضرة بعد أكثر من 4 عقود، بين فئات تعاني ضغوط المعيشة وطبقة مترفة يطلق عليها بتهكم "إيجيبت"، في تعبير ساخر يحمل احتجاجاً على واقع التمايز الطبقي المتصاعد في مصر، ومحاولة رمزية لمواجهة الشعور بالتهميش الاقتصادي والاجتماعي.

وإن كان الأبنودي قد عبّر عن التفاوت بين أصحاب السلطة والنفوذ والفئات المهمشة في سياق سياسي واجتماعي مختلف، فإن مقولته باتت اليوم مرآة لواقع معيشي يتجسد في التباين بين سكان الأحياء الشعبية والمناطق العشوائية، وبين قاطني الكومباوندات الفاخرة التي شيّد كثير منها في أطراف المدن والمناطق الصحراوية، وأحيطت بأسوار تمنح سكانها قدراً من الخصوصية، لكنها تثير أسئلة عن العزلة الاجتماعية وتراجع المساحات المشتركة بين الطبقات.

وفي الوقت الراهن، يتجلى هذا الانقسام بوضوح في نقاشات وسائل التواصل الاجتماعي، حين يسخر من يُلقبون بـ"أهل مصر" من ارتفاع الأسعار واللهجات الهجينة وأنماط الاستهلاك لدى من يسمونهم "سكان إيجيبت"، بينما يرد بعض هؤلاء بالسخرية من زحام الأحياء الشعبية وفوضاها، ما يكشف عن غضب مكتوم وشعور متبادل بغياب الالتقاء الثقافي والمجتمعي، رغم العيش على الأرض نفسها ووحدة الجغرافيا التي تجمع الطبقتين.

مظاهر الفوارق الثقافية

  • إمبابة (حسام اليمني)
    إمبابة (حسام اليمني)

يعود الاسم الإنكليزي لمصر، Egypt، إلى اللفظ اليوناني القديم "إيجيبتوس" (Aigyptos)، غير أن المفارقة المعاصرة لا تتعلق بأصل الاسم أو استخدام الإنكليزية بحد ذاته، وإنما بالدلالات الاجتماعية التي اكتسبها لفظ "إيجيبت" في الخطاب الشعبي المصري، بعدما تحول من تسمية أجنبية للبلاد إلى رمز ساخر لنمط معيشي يرتبط بالثراء والامتيازات الاقتصادية والثقافية.

ومع الوقت، تحوّل هذا الاختلاف اللغوي في السنوات الأخيرة إلى ثنائية تعكس فجوة طبقية وثقافية تتجلى في أنماط المعيشة والفرص المتاحة؛ فأصبح عالم "مصر"، في الخطاب الساخر المتداول، يعبّر عن حياة الشارع والمقاهي الشعبية والترابط العائلي، بينما يمثل عالم "إيجيبت" حياة "الكومباوندات" و"المولات" والتعليم الدولي والثقافة الاستهلاكية ومظاهر العولمة.

ويتجلى هذا التباين في مظاهر الحياة والمأكل والملبس وطريقة الحديث ومعدل الإنفاق وطبيعة المهنة وعدد الممتلكات بين أبناء الطبقات المختلفة.

وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، تتداول صفحات ساخرة صوراً ومقارنات عن الحياة بين "مصر" و"إيجيبت"، بدءاً من أسعار القهوة وأسماء المأكولات وصولاً إلى وجهات الاصطياف وطريقة مخاطبة الوالدين. 

لا تعود الاختلافات بين اللغة والملبس والطعام وأماكن السكن مجرد اختيارات فردية، بل يمكن أن تتحول إلى علامات اجتماعية تميز الفئات بعضها عن بعض، وتحدد مكانة الفرد وانتماءه داخل المجتمع.

ففي مقابل الفلافل والقهوة الشعبية ومصايف الإسكندرية ورأس البر، تظهر في هذه النكات المقاهي مرتفعة الأسعار والمنتجعات الفاخرة في الساحل الشمالي والجونة، فضلاً عن المزج بين العربية والإنكليزية في الحديث اليومي، ما يعكس الطريقة التي تتعامل فيها المخيلة الشعبية مع التفاوت الاجتماعي.

إلا أن هذا المزيج يفتح باباً لأسئلة عميقة حول الهوية والتماسك المجتمعي، وتحديداً عند حدوث أي واقعة لبعض الأثرياء والمشاهير، خصوصاً ما يتعلق بتجاوزات مجتمعية أو سلوكيات تعكس حجم الثراء، سواء في التجمعات السكنية أو الترفيهية أو الحفلات الغنائية، ليتحول الموضوع إلى سخرية وكوميديا ونكات سياسية سوداء تخفي وراءها قلقاً على سلامة الانسجام المجتمعي.

والمفارقة هنا أن كثيراً من هذه المجتمعات السكنية المغلقة، بأسوارها وحراستها وخدماتها الخاصة، يعتمد في الأمن والصيانة والنظافة والخدمات اليومية على عمال وموظفين ينتمون إلى شرائح اجتماعية أقل دخلاً، وكذلك الحال بالنسبة إلى العاملين في المطاعم والمولات وبقية المرافق، ممن يأتون إليها صباحاً للعمل ويرحلون عنها ليلاً إلى أحيائهم داخل القاهرة والجيزة أو المناطق والمدن المحيطة.

هكذا لا يغيب الاتصال بين العالمين، لكنه يجري في إطار علاقات العمل والخدمة، بدلاً من أن يتشكل في فضاءات اجتماعية متكافئة.

سؤال الهوية بين "الساحل الطيب" و"الساحل الشرير" 

  • صورة جوية لمشروع
    صورة جوية لمشروع "مدينتي"

تحوّل اسم "أبناء إيجيبت" من مجرد نكتة إلى مصطلح يصف فجوة طبقية حادة. إذ بينما يعيش نحو ثلث السكان تحت خط الفقر الوطني، وفق بيانات عام 2021 المنشورة في بوابة مؤشرات التنمية المستدامة التابعة للأمم المتحدة، التي قدّرت النسبة بنحو 33.5%، تبرز مؤشرات تفاوت الثروة والدخل بوصفها وجهاً آخر للأزمة الاجتماعية.

هكذا يكفي أن تتجول في الأحياء الشعبية بالقاهرة والجيزة، كإمبابة وشبرا والسيدة زينب، لتلامس واقع الحياة البسيطة والمعاناة اليومية لشرائح واسعة من المصريين.

في المقابل، تظهر "إيجيبت" التي تتمتع بالمساحات الخضراء والنمط الاستهلاكي الفاره والخدمات الخاصة التي تتيح لبعض السكان حياة أقل احتكاكاً بالمشكلات اليومية للمدينة.

وتنتشر هذه المشروعات في مناطق القاهرة الجديدة والتجمع الخامس، مثل أحياء: الغولف، ومجمعات ميفيدا، وماونتن فيو هايد بارك، ومدينتي، والرحاب، إلى جانب المشروعات التجارية والترفيهية الكبرى مثل: كايرو فيستيفال سيتي.

وفي غرب الجيزة، تبرز مناطق ومشروعات مثل: غرب سوميد، ونيو جيزة، وبالم هيلز أكتوبر، وسوديك ويست، والربوة والياسمين، حيث تتميز أجزاء منها بالهدوء والأبنية السكنية الفاخرة والمساحات الخضراء، وتجذب شرائح من رجال الأعمال والفنانين والمهنيين وأصحاب المداخيل المرتفعة.

تدعم بيانات توزيع الثروة وجود فجوة اقتصادية واسعة، فبحسب تقديرات قاعدة بيانات عدم المساواة العالمية لعام 2024، استحوذت الشريحة الأغنى، التي تمثل 10% من السكان وفق توزيع الثروة، على نحو 62.2% من صافي الثروة الشخصية المقدرة في مصر، وهي نسبة تعكس تركز الثروة لدى شريحة محدودة من المجتمع.

بين هذين العالمين، تقف الأحياء التاريخية كالزمالك وجاردن سيتي والمعادي برصانتها وتاريخها، وهي مناطق ارتبطت تقليدياً بسكن شرائح من الأرستقراطية والبرجوازية القديمة، واستقطبت جاليات أجنبية، بعيداً من صخب التجمعات العمرانية الجديدة.

وفي قلب هذه المعادلة، يبرز "الساحل الشرير"، كما يسميه المصريون في لغة ساخرة من البذخ والترف، كأحد أبرز العناصر التي يستند إليها البعض في تقسيم المجتمع إلى "مصر وإيجيبت"، إذ يعبّر بشكل صريح عن هذه الفجوة.

وتشير الثنائية الساخرة "الساحل الطيب والساحل الشرير" إلى الفوارق بين المصايف التقليدية والمنتجعات الأعلى كلفة على امتداد الساحل الشمالي، حيث تختلف أسعار الإقامة والخدمات وأنماط الترفيه. 

وتدعم بيانات توزيع الثروة وجود فجوة اقتصادية واسعة، فبحسب تقديرات قاعدة بيانات عدم المساواة العالمية لعام 2024، استحوذت الشريحة الأغنى، التي تمثل 10% من السكان وفق توزيع الثروة، على نحو 62.2% من صافي الثروة الشخصية المقدرة في مصر، وهي نسبة تعكس تركز الثروة لدى شريحة محدودة من المجتمع.

تمايز ثقافي وطبقي بين عالمين

  • مصر و
    ترى الشريف أن مصطلح "إيجيبت" يصف واقعاً ثقافياً بفعل التعليم الدولي وطبيعة التنشئة

للوصول إلى سكان "إيجيبت"، يكفي أن تقطع بضعة كيلومترات عبر محاور القاهرة الكبرى لتبتعد عن ضجيج الأحياء الشعبية، المسكون بحياة المصريين اليومية، لتصل إلى شوارع أكثر اتساعاً ومجمعات سكنية تتمتع بمستويات مختلفة من الهدوء والتنظيم والخدمات في التجمع الخامس، حيث تتغير اللغة والذائقة الفنية، وملامح الحكايات، وطريقة تفكير الإنسان في ذاته ومحيطه.

في شارع التسعين الشهير بمنطقة التجمع الخامس، وقفت فريدة التلمساني، مؤكدة أن الفارق بين "مصر وإيجيبت" يكمن في جودة الحياة والهدوء وسعة المساحة الشخصية.

وتقول الفتاة الثلاثينية التي تعمل مصممة غرافيك لــ "الميادين الثقافية": "نحن نعيش نمط حياة معاصراً ومتصلاً بالعالم، وهذا لا يعني أننا أفضل من باقي الشعب المصري بل إن ظروفنا سمحت بلغة ونمط معيشة وحياة مختلف".

وعن رأيها في ثنائية مصر و"إيجيبت"، تضيف أن هذه المسميات "تستخدم في المزاح والمحتوى الرقمي على وسائل التواصل، فكلا الشعبين إن صح التعبير شعب واحد يعيش في بلد واحد، بل يلتقيان في مواقع الخدمات العامة والعمل والشركات وفي الأماكن العامة".

وتؤكد التلمساني: "أنا مصرية وأعتز ببلدي وتاريخها، ومصطلح إيجيبت للتعبير عن ثقافة أو أنظمة ونمط حياة مختلف وليس تنصلاً عن هويتنا أو وطنيتنا".

لا يغيب الاتصال بين العالمين، لكنه يجري في إطار علاقات العمل والخدمة، بدلاً من أن يتشكل في فضاءات اجتماعية متكافئة.

داخل أحد المقاهي ذات الاسم الأجنبي في المنطقة، تجلس مي الشريف، التي تعمل في مجال التسويق، تشرب "آيس كاراميل ماكياتو"، وهو نوع من القهوة المثلجة، وتقول لــ "الميادين الثقافية": "أنا مصرية وأفتخر، لكن تربيتي مختلفة حيث تخرجت بإحدى المدارس الدولية ودرست بالإنكليزية، وجميع أصدقائي من خلفيات مشابهة".

وترى الشريف أن مصطلح "إيجيبت" يصف واقعاً ثقافياً بفعل التعليم الدولي وطبيعة التنشئة، وعلى الرغم من وجود مسافات جغرافية ونفسية كبيرة بين الطرفين، فإن التعايش يبقى ممكناً طالما لم يتحول الأمر إلى خطاب كراهية.

ويتفق معهما يزن الباسل بأن الفارق اقتصادي وتعليمي بحت، وهو مثل الطبقية الموجودة في كل العالم، مشيراً إلى أن نمط السكن أو اللغة الأجنبية لا يقللان من الوطنية، بل يعكسان أثر العولمة على هذه المجتمعات.

"شعبان لا يلتقيان"

  • شاطئ رأس البر
    شاطئ رأس البر

على الجانب الآخر، في منطقة عابدين بوسط القاهرة، يرسم محروس عبد الله ملامح الفارق من وجهة نظر الشارع، مؤكداً أن أبناء مصر الحقيقيين هم من يكابدون الزحام بحثاً عن العيش بشرف، بينما يعيش أبناء "إيجيبت" في معزل عن واقع الناس وأسعار السلع الأساسية، مشيراً إلى أن "هذا الانغلاق يضعف الانتماء المشترك".

عبد الله، وهو عامل في مقهى شعبي وأب لــ 3 أطفال، يقول في حديث مع "الميادين الثقافية": "عندما نراهم يشتكون من مشاكل بسيطة للغاية، بينما نعيش نحن تحت ضغوط العيش والحياة، فهم نراهم في المولات والكافيهات الأجنبية أو داخل سياراتهم الفارهة أو حين يعمل عندهم عمال أو صنايعية، لكن لا نعيش معهم في  العالم نفسه".

ويتابع الرجل الأربعيني: "مصر بالنسبة لنا هي الأمان والجدعنة والعادات والتقاليد والبيت الكبير، ولا أفهم كيف يفصل أحد نفسه عن الناس لمجرد امتلاكه المال".

عكست الدراما والسينما والإعلانات المصرية على مدى عقود التفاوت بين الطبقات الاجتماعية، وقدمت الفوارق الاقتصادية والثقافية في قوالب تراوحت بين النقد الاجتماعي والمفارقات الكوميدية

أما نسمة نصر، التي تعمل معلمة للغة العربية في إحدى مدارس السيدة زينب الابتدائية، وتسكن في تلك المنطقة الشعبية، فتقول: "أبناء "إيجيبت" يتحدثون لغة هجينة ويعيشون في أماكن لا يمكن للمصريين العاديين دخولها إلا بتفتيش، أنا أعرف نفسي بأنني ابنة الشارع الأصيل والتاريخ الشعبي".

وتشير إلى أن التباين في اللغة وأسلوب الحياة "خلق جداراً عازلاً" جعل الطرفين بمثابة "شعبين لا يلتقيان"، حيث تحولت السخرية المتبادلة على مواقع التواصل إلى وسيلة للتمرد على هذه الطبقية المتصاعدة.

لكنها تلفت إلى أن "مصر هي هذا الاسم المكتوب في لغة التاريخ بينما تسميتها "إيجيبت" هي محاولة لخلق مجتمع بديل لا يشبه السواد الأعظم من المصريين".

الصراع الطبقي في الفكر العالمي

  • الاختلافات بين اللغة والملبس والطعام وأماكن السكن تتحول إلى علامات اجتماعية
    الاختلافات بين اللغة والملبس والطعام وأماكن السكن تتحول إلى علامات اجتماعية

حاولت بعض الكتب العالمية والأعمال الفكرية مناقشة هذا التمايز الطبقي والثقافي والجغرافي بين أبناء وطن واحد.

ففي عام 1968، نشر الفيلسوف الفرنسي، هنري لوفيفر، كتابه "الحق في المدينة"، الذي طرح فيه تصوراً للمدينة بوصفها فضاء اجتماعياً ينبغي أن يتمتع سكانه بالقدرة على المشاركة في تشكيله والانتفاع بموارده، بدلاً من اقتصار هذه القدرة على القوى الاقتصادية والسياسية المتحكمة في تخطيطه.

وفي عام 2012، أصدر الجغرافي والمفكر، ديفيد هارفي، المتأثر بأفكار لوفيفر، كتابه "مدن متمردة: من الحق في المدينة إلى الثورة الحضرية"، الذي تناول فيه علاقة التحولات الحضرية بتراكم رأس المال والتفاوت الاجتماعي والصراع على الحق في المدينة.

أما بيار بورديو، عالم الاجتماع الفرنسي، ففي كتابه "التمييز: نقد اجتماعي للحكم" الصادر عام 1979، يتحدث عن ظاهرة تمايز الطبقات الاجتماعية من خلال الأذواق والممارسات الثقافية وأنماط الاستهلاك، موضحاً كيف تسهم الفروق في رأس المال الاقتصادي والثقافي والاجتماعي في إعادة إنتاج التراتب الطبقي.

في هذا الإطار، لا تعود الاختلافات بين اللغة والملبس والطعام وأماكن السكن مجرد اختيارات فردية، بل يمكن أن تتحول إلى علامات اجتماعية تميز الفئات بعضها عن بعض، وتحدد مكانة الفرد وانتماءه داخل المجتمع.

في الوقت الراهن، يتجلى هذا الانقسام بوضوح في نقاشات وسائل التواصل الاجتماعي، حين يسخر من يُلقبون بـ"أهل مصر" من ارتفاع الأسعار واللهجات الهجينة وأنماط الاستهلاك لدى من يسمونهم "سكان إيجيبت"، بينما يرد بعض هؤلاء بالسخرية من زحام الأحياء الشعبية وفوضاها، مما يكشف عن غضب مكتوم وشعور متبادل بغياب الالتقاء الثقافي والمجتمعي، رغم العيش على الأرض نفسها ووحدة الجغرافيا التي تجمع الطبقتين.

وعلى المستوى المحلي، يبحث الأكاديمي سعيد المصري، المتخصص في علم الاجتماع، في كتابه "تراث الاستعلاء: بين الفولكلور والمجال الديني"، الصادر عام 2019، دور الموروثات الشعبية والتصورات الثقافية والدينية في تشكيل أنماط التمييز والتعصب والاستعلاء داخل المجتمع المصري.

ويكشف الكتاب، من خلال تحليل الأمثال والحكايات والخطابات الشعبية، كيف يمكن للموروث الثقافي أن يعيد إنتاج صور مختلفة من التمييز، بما فيها التمييز على أساس الطبقة الاجتماعية والنوع والانتماء الجغرافي والديني.

ويمكن قراءة التباعد بين سكان المجتمعات السكنية المغلقة وسكان الأحياء الشعبية في ضوء هذه المقاربات، حيث تتحول أنماط الاستهلاك والسكن والتعليم إلى وسائل للتمايز وإظهار المكانة الاجتماعية، بينما تسهم الصور المثالية التي تقدمها بعض الأعمال الدرامية والإعلانات عن الحياة الفاخرة في إبراز المسافات بين الطبقات.

من جهته، يحذر الكاتب إبراهيم عيسى من خطورة هذا التقسيم، معتبراً، خلال فيديو نشره في آب/أغسطس عام 2026 عبر قناته الرسمية على "يوتيوب"، أن ثنائية "مصر وإيجيبت"، تعبير ساخر لا ينبغي أن يتحول إلى شيطنة للأثرياء أو تصنيف عدائي لأصحاب الدخول المرتفعة، وأن السكن في الكومباوندات أو الالتحاق بالمدارس الدولية لا يعني بالضرورة الانفصال عن المجتمع المصري ومشكلاته.

ويضيف أن المجتمع المصري غني بتنوعه الطبقي والثقافي والاجتماعي، وأن "مصر وإيجيبت" ليستا مجتمعين منفصلين، إنما تعبيران عن فئات متعددة تعيش داخل المجتمع نفسه، بما يحمله من تفاوتات وفرص وأزمات مشتركة.

بدوره، يرى المفكر عمار علي حسن أن التفاوت الطبقي أصبح له أبعاد تتجاوز الاقتصاد وتهدد السلم المجتمعي، مؤكداً أن شعور المواطن بغياب الفرص وتراكم الثروة لدى قلة "يخلق احتقاناً يقسم المجتمع إلى جزيرتين معزولتين، إحداهما للأثرياء تحيط بها أسوار الرفاهية، وأخرى للفقراء تغرق في أزمات المعيشة والبطالة".

كيف صوّرت الدراما والإعلانات "إيجيبت"؟

  • لقطة من فيلم
    لقطة من فيلم "غزل البنات" (1949) تجمع نجيب الريحاني وليلى مراد

عكست الدراما والسينما والإعلانات المصرية على مدى عقود التفاوت بين الطبقات الاجتماعية، وقدمت الفوارق الاقتصادية والثقافية في قوالب تراوحت بين النقد الاجتماعي والمفارقات الكوميدية، حتى قبل ظهور التعبير المعاصر "مصر وإيجيبت". 

وأسهمت بعض هذه الأعمال في تشكيل الصور المتبادلة عن حياة الفقراء والأثرياء.

ذلك أنه ومنذ أربعينيات القرن الماضي، برز التفاوت بين الفقراء والأثرياء موضوعاً متكرراً في السينما المصرية. ففي فيلم "غزل البنات" إنتاج 1949، جسد الفنان نجيب الريحاني دور الأستاذ حمام، معلم اللغة العربية الذي يعاني ضيق الحال، ويعطي دروساً خصوصية لابنة باشا ثري، التي أدت دورها ليلى مراد، في مفارقة تكشف الفوارق بين عالم الموظف البسيط وحياة الطبقة الأرستقراطية.

وكذلك فيلم "الإرهاب والكباب" عام 1992، الذي تناول معاناة المواطن أمام البيروقراطية والفساد والضغوط الاجتماعية والاقتصادية في قالب كوميدي ساخر. ونذكر أيضاً فيلم "يا تحب يا تقب" عام 1994، الذي عرض قصة 3 أصدقاء يتعمدون إطالة بقائهم في الجامعة هرباً من مواجهة أعباء الحياة والعمل والمسؤوليات المادية.

هالة منصور: تقليل العزلة يتطلب سياسات تقلص الفجوات وتستعيد المساحات المشتركة للتعايش.

وفي الأعمال الحديثة، جاء مسلسل "بـ100 وش" الذي تناول عمليات الاحتيال في إطار كوميدي، بعضها يستهدف أصحاب الثروات، كاشفاً عن مفارقات تتعلق بالمال والمكانة الاجتماعية، ثم مسلسل "نيللي وشريهان" الذي وضع شخصيتين تنتميان إلى خلفيتين اجتماعيتين مختلفتين في مواجهة مفارقات الثروة والتنشئة والعلاقات العائلية، بينما يرصد مسلسل "أشغال شقة" الصعوبات اليومية التي تواجه أسرة من الطبقة المتوسطة في الاستعانة بالعاملات المنزليات، وما ينشأ عن اختلاف الخلفيات الاجتماعية وأنماط الحياة من مواقف كوميدية.

وعلى صعيد سوق الإعلانات، جاءت الحملة التسويقية لمشروع "مدينتي" عام 2020، لتثير جدلاً واسعاً حول الصورة التي قدمتها للحياة داخل المجمعات السكنية المغلقة. حيث ركزت على الخصوصية والخدمات والرفاهية والاكتفاء النسبي داخل المشروع، وهو ما قرأه منتقدون باعتباره ترويجاً للعزلة الاجتماعية وتكريساً للفوارق الطبقية.

مخاطر عزلة المكان واللغة

  • مصر و
    بيانات الثروة تكشف حجم التفاوت الاقتصادي الذي يتخذ في القاهرة أشكالاً مكانية واجتماعية واضحة

تكشف بيانات الثروة حجم التفاوت الاقتصادي الذي يتخذ في القاهرة أشكالاً مكانية واجتماعية واضحة. فبحسب تقرير "الثروة في أفريقيا" الصادر عن بنك "أفراسيا" عام 2018، احتلت القاهرة المرتبة الثالثة بين أغنى مدن القارة من حيث إجمالي الثروات الخاصة للأفراد خلال عام 2017، بقيمة قدرت بنحو 140 مليار دولار، مقابل نحو 330 مليار دولار لمصر كلها.

وفي تقديرات أحدث، أظهر تقرير "الثروة في أفريقيا 2025"، الصادر عن "هينلي أند بارتنرز" بالتعاون مع "نيو وورلد ويلث"، أن القاهرة تضم نحو 6800 شخص تبلغ الثروة القابلة للاستثمار لكل منهم مليون دولار على الأقل، إلى جانب 5 مليارديرات، لتحتل المرتبة الثالثة أفريقياً من حيث عدد أصحاب الملايين، وفق منهجية التقرير.

فريدة التلمساني: أنا مصرية وأعتز ببلدي وتاريخها، ومصطلح "إيجيبت" للتعبير عن ثقافة أو أنظمة ونمط حياة مختلف وليس تنصلاً عن هويتنا أو وطنيتنا.

ويرى أحمد صابر، أستاذ الاقتصاد السياسي، أن تلك الفجوة بين "مصر" و"إيجيبت" هي انعكاس مباشر للتحولات الاقتصادية وتمركز الثروة، مشيراً إلى أن توجه الدولة نحو المشروعات العقارية والخدمية المغلقة خلق نماذج استهلاكية منفصلة عن واقع القدرة الشرائية للغالبية، ما يغذي الاحتقان الذي يتسرب في صورة سخرية وإحباط.

بينما تقول هالة منصور، أستاذة علم الاجتماع بجامعة بنها، إن هذا المصطلح تشخيص شعبي يعكس ظاهرة "عزلة المكان واللغة"، حيث تلجأ الطبقات المختلفة إلى السخرية كآلية دفاع نفسية لإعادة تعريف ذواتها، مؤكدة أن تقليل هذه العزلة يتطلب سياسات تقلص الفجوات وتستعيد المساحات المشتركة للتعايش.

اخترنا لك