مسرحجي
اتخذ عليّ قراره بالابتعاد عن التأليف المسرحي لفترة، بهدف كتابة رواية يعبّر فيها عن وجهة نظره بالفن في زمن الإسفاف هذا، ليثبت أن الكاتب الحقيقي يدافع عن رؤيته، حتى لو كان الثمن المزيد من التقوقع بعيداً عن أضواء الشهرة.
-
إدوارد هوبر، فيلم نيويورك، 1939، متحف الفن الحديث، نيويورك.
عباس: تعلّم يا صديقي كيف تكون مؤلفاً مسرحياً
عليّ: أتقصد كيف أكون مسرحجي؟
عباس: إياك أن تكون الكلمة على وزن مصلحجي!
ابتسم عليّ وأجاب: وهي كذلك...
رماه عباس بابتسامةٍ صفراء وقال: يبدو أننا لن نتفق!
أجاب عليّ وهو يقف في الباب: بالتأكيد لن نتفق...
كان هذا حوارٌ صغير جرى بين صديقين عشقا المسرح منذ الطفولة. منذ أن جمعا عدداً من الأقارب والأصدقاء، من كلا الجنسين، وأسسا فرقة تمثيلية مسرحية تقيم عروضها في الهواء الطلق، بين ربوع قريتهما الجميلة في جنوب لبنان. دعم رئيس البلدية والأعضاء هذه الفرقة من الموهبين المراهقين، وقدموا لهم كل الدعم المطلوب. فكان هذا الدعم وكل ما تلاه من تجارب مسرحية، فاتحة نجاحهما الساحق طوال سني الدراسة في معهد الفنون التمثيلية.
أما المسرحية التي كانت موضوع الخلاف بين الصديقين، فهي مسرحية موضوعها نضال الإنسان ضد عدوه وضد سياسته في اقتلاع أصحاب الأرض من جذورهم، ومقارعته في كل الميادين، خاصة منها الثقافية للحفاظ على الهوية والانتماء. كانت المسرحية باكورة أعمالهما بعد حصولهما على رسالة الماجستير.
خلال البروفة الثالثة لاحظ عليّ تغييرات في النص الذي كتبه. كان يسمع حوارات لم يكتبها، ويشاهد مشاهد لم يكن يتخيلها. في البداية، ظنّ أن عباس يُجري تعديلات طفيفة لتناسب أداء الممثلين أو لتحسين الإيقاع الدرامي، كونه مخرج المسرحة، لكنه سرعان ما أدرك أن التغييرات كانت جذرية. حتى الشخصيات فقدت عمقها وأصبحت أشبه برسوم كاريكاتورية.
لم يستطع أن يحتمل ما يراه ويسمعه. اقترب من صديقه وسأله: عباس ما الذي يجري؟... أنا لم أكتب هذه المشاهد!
فأجاب هذا الأخير: النص كان جيداً، لكنه لا يناسب هذا الزمن. الناس سئموا من أخبار الحرب والدمار، أنا فقط أجعل المسرحية أقل وطأة، وأقل غوصاً في عمق صراعنا مع العدو.
عندما لاحظ عبوس عليّ ربت كتفه وقال: يا صديقي خذ الأمور ببساطة. فالزمن يتغير، الانقسام في موضوع الانتماء الوطني أصبح كبيراً جداً.
شعر عليّ بخيبة أمل كبيرة... وقال: لكن!... لم يكن هذا رأيكَ عندما كلمتك عن المسرحية، ولا عندما قرأتَ النص للمرة الأولى!
هنا تدخل المنتج وقال موجهاً كلامه لعليّ: أعذرني يا أستاذ، لكن النص كما هو ثقيل على عقول الجمهور... سيفشل وسأخسر أموالي!
أجاب عليَّ: كالعادة- الجمهور عايز كده...
نظر إلى صديقه عباس بعتب وتابع: لم أتوقع منك هذا التصرف يا عباس، نحن أحببنا المسرح من أجل السمو بالفن، فمتى أصبحت الشهرة بالنسبة لكَ أهم من أي اعتبارات؟
نظر المخرج والمنتج إلى بعضهما بابتسامة تواطىء صفراء، ولم يجيبا.
فأكمل عليّ: أبارك لكما على النص الجديد، وأتمنى لكما التوفيق، لكن... لا تذكرا اسمي كمؤلف للنص... رجاء.
فشلت المسرحية. أدرك عباس خطأه. حاول أن يتواصل مع عليّ ليحاولا من جديد العمل معاً، لكن الأخير كان قد اتخذ قراره بالابتعاد عن التأليف المسرحي لفترة، بهدف كتابة رواية يعبّر فيها عن وجهة نظره بالفن في زمن الإسفاف هذا، ليثبت أن الكاتب الحقيقي يدافع عن رؤيته، حتى لو كان الثمن المزيد من التقوقع بعيداً عن أضواء الشهرة.