مئوية "في الشعر الجاهلي" لطه حسين: حين أبصر الأعمى
كيف تحوّل كتاب "في الشعر الجاهلي" من دراسة أدبية إلى واحدة من أشهر المعارك الفكرية؟ وهل كانت معركة طه حسين جزءاً من صراع أوسع بين التقليد والتحديث؟
شهدت القاهرة عام 2023 فعاليات ثقافية بمناسبة مرور 50 عاماً على رحيل طه حسين (1889–1973)، "عميد الأدب العربي" و"قاهر الظلام"، كما يُطلقون عليه، وهي ألقاب لا تفيه حقه.
فقد نظّم "المجلس الأعلى للثقافة"، حينذاك، برامج وندوات حملت عنوانَي "سيرة عقل" و"طه حسين... الإنسان والمشروع"، ناقشت إرثه النقدي والتنويري، وأعادت التذكير بإسهاماته في تاريخ الجامعات المصرية والتعليم.
وأُعيد نشر عدد من كتبه، منها: "مع المتنبي"، و"ألوان"، و"خصام ونقد"، و"صوت أبي العلاء"، و"مع أبي العلاء في سجنه"، و"تجديد ذكرى أبي العلاء"، و"نقد وإصلاح"، و"من أدبنا المعاصر"، و"كلمات"، و"بين بين"، و"من لغو الصيف إلى جد الشتاء"، و"أحاديث"، و"مرآة الضمير الحديث"، و"جنة الحيوان"، و"الفتنة الكبرى: عثمان"، و"الفتنة الكبرى: علي وبنوه"، و"مرآة الإسلام"، و"من بعيد"، و"فصول في الأدب والنقد"، و"في الشعر الجاهلي"، و"الأيام".
كما صدرت، أو أُعيد نشر، كتب تناولت تجربته، مثل: "مع طه حسين" لسامي الكيالي، و"طه حسين... بين أشياعه ومخالفيه" لمهدي شاكر العبيدي، و"هوامش العميد: ملامح التجربة المعرفية عند طه حسين" لأيمن بكر، و"ذكرى طه حسين" لسهير القلماوي.
طه حسين ومشروع التنوير
-
طه حسين
بيد أن النخب العربية ذات الهوى اليساري، وتلك التواقة إلى كسر التقليد وإدخال المجتمعات العربية في طور التحديث الفكري، تناولته من زوايا أخرى، فوصفه بعض المثقفين بـ"التنويري الأخير"، ورأوا فيه مثقفاً عقلانياً يمثل امتداداً لتيار كبير في الثقافة العربية الإسلامية اتخذ العقل مرجعاً له، من المعتزلة وصولاً إلى العصر الحديث، مروراً بابن رشد. كما عُدَّ نموذجاً لـ"المثقف الحديث".
ذهب طه حسين إلى أن قسماً كبيراً من الشعر الجاهلي منحول، وأن كثيراً منه صيغ أو نُسب إلى شعراء جاهليين بعد ظهور الإسلام لأغراض قبلية أو سياسية أو دينية، ولم يقل إن الشعر الجاهلي كله منحول. وقد استند في الوصول إلى رأيه إلى البحث التاريخي والفني واللغوي.
وكانت المعركة بين أنصار القديم وأنصار الجديد، بين "مثقف جديد يدعو إلى تفكير غير مألوف، وعارف قديم يستظهر مطمئناً لغة جاهزة أكثر قدماً. ولأن للقديم شرعيته الراسخة، ونسقاً متوالداً له شكل البداهة، بدأ المثقف الجديد معلقاً في الفراغ، ينتظر زمناً يأتي ولا يأتي، مقترباً من حلم أرخميدس القديم، الذي يعد بتحريك الأرض لو عثر على نقطة ارتكاز في الفضاء". فالإشكال الأساس، وفقاً للناقد فيصل دراج، يتمثل في "الإنسان المتمرد على التقاليد".
معركة الجديد
-
الطبعة الأولى من "في الشعر الجاهلي" لطه حسين عام 1926
أعلن صاحب "الأيام"، حين كتب "في الشعر الجاهلي" في نسخته الأولى عام 1926، أن عمله هذا "نحو من البحث عن تاريخ الشعر العربي جديد"، وهو يعلم أنه سيغضب كثيرين، غير أن كلامه سيرضي فئة من "المستنيرين، الذين هم في حقيقة الأمر عدة المستقبل وقوام النهضة الحديثة وذخر الأدب الجديد".
ولم يطمئن نصير أبي العلاء المعري إلى مذهب القدماء، بل رغب في سلوك درب المجددين، وكان غرضه أقرب ما يكون إلى "الثورة الأدبية".
لذلك ذهب طه حسين إلى أن قسماً كبيراً من الشعر الجاهلي منحول، وأن كثيراً منه صيغ أو نُسب إلى شعراء جاهليين بعد ظهور الإسلام لأغراض قبلية أو سياسية أو دينية، ولم يقل إن الشعر الجاهلي كله منحول. وقد استند في الوصول إلى رأيه إلى البحث التاريخي والفني واللغوي.
واعتمد حسين منهجاً فلسفياً أرساه الفيلسوف الفرنسي، رينيه ديكارت (1596–1650)، تقوم قاعدته الأساسية على "أن يتجرد الباحث من كل شيء كان يعلمه من قبل، وأن يستقبل موضوع بحثه خالي الذهن مما قيل فيه خلواً تاماً".
وكان يرى أن المنهج الديكارتي، بقواعده الأربع في حسن قيادة العقل، هو المنهج الملائم للحاق بالغرب وبالحداثة التي ينتجها. وهكذا كتب أن "مرآة الحياة الجاهلية يجب أن تُلتمس في القرآن، لا في الشعر الجاهلي".
النخب العربية ذات الهوى اليساري، وتلك التواقة إلى كسر التقليد وإدخال المجتمعات العربية في طور التحديث الفكري، تناولت طه حسين من زوايا أخرى، فوصفه بعض المثقفين بـ"التنويري الأخير"، ورأوا فيه مثقفاً عقلانياً يمثل امتداداً لتيار كبير في الثقافة العربية الإسلامية اتخذ العقل مرجعاً له، من المعتزلة وصولاً إلى العصر الحديث، مروراً بابن رشد.
أثار الكتاب عاصفة من الردود المستنكرة، وتوالت المؤلفات التي حاولت نقض مقولته، إذ رأى بعض معارضيه في أطروحته تشكيكاً في الإسلام نفسه.
وفي 30 أيار/مايو 1926، تقدم الطالب الأزهري، خليل حسنين، ببلاغ إلى النيابة العامة، يتهم فيه طه حسين بـ"الطعن في الدين الإسلامي"، ثم تبع ذلك بلاغ من شيخ الأزهر، وبلاغات أخرى قدمتها شخصيات عامة ونواب. وقد استندت الاتهامات إلى فقرات من الكتاب اعتُبرت مسيئة إلى العقيدة الإسلامية.
وبعد تحقيقات استمرت عدة أشهر، جرى خلالها استجواب طه حسين بشأن آرائه والمنهج الذي اتبعه في الكتاب، أصدرت النيابة، في 30 آذار/مارس 1927، قرارها بحفظ القضية وعدم إحالته إلى المحاكمة الجنائية.
ورأى المحقق أن ما ورد في الكتاب يدخل في نطاق البحث العلمي والاجتهاد الفكري، وأن القصد الجنائي اللازم لإدانة المؤلف بتهمة الطعن في الدين غير متوافر. لذلك حُفظت الأوراق، وانتهت القضية قانونياً لصالح طه حسين.
-
الطبعة المعدلة بعنوان "في الأدب الجاهلي"، التي أصدرها طه حسين عام 1927
وسُحبت الطبعة الأولى من التداول، ولم تُعد طباعتها بصورتها الأصلية. فعدّل كاتب "حديث الأربعاء" نصه، ونشره عام 1927 تحت عنوان "في الأدب الجاهلي"، وقال في التمهيد:
"هذا كتاب السنة الماضية، حُذف منه فصل، وأُثبت مكانه فصل، وأضيفت إليه فصول، وغُيّر عنوانه بعض التغيير. وأنا أرجو أن أكون قد وُفقت في هذه الطبعة الثانية إلى حاجة الذين يريدون أن يدرسوا الأدب العربي عامة، والجاهلي خاصة، من مناهج البحث وسبل التحقيق في الأدب وتاريخه. وهو، على كل حال، خلاصة ما يُلقى على طلاب الجامعة في السنتين الأولى والثانية في كلية الآداب".
أزمة كتاب "في الشعر الجاهلي" كانت محصلة لخلفيات كثيرة، ومؤشراً مهماً إلى مدى الانشطار الفكري بين المؤسسات الثقافية التقليدية، مثل الأزهر وما يتصل به من التعليم الديني، وبين المؤسسات الثقافية الجديدة، بدءاً من المدارس الحكومية وصولاً إلى الجامعة، وهي مؤسسات عبّرت عن محاولات الانتقال بالمجتمع المصري إلى طور جديد.
فالغرض المعلن، إذن، هو إصلاح "درس الأدب" على نحو خاص، انطلاقاً من موقعه أستاذاً للآداب العربية في كلية الآداب بالجامعة المصرية آنذاك.
وفي أثناء عرضه لموضوع "الأدب وتاريخه"، تناول الحال في مصر، ولاحظ وجود مذهبين: أحدهما مذهب القدماء، والآخر مذهب الأوروبيين، الذي أدخلته الجامعة المصرية بفضل بعض المستشرقين الذين درّسوا فيها. ثم شاع نمط ثالث، أراد أصحابه تقليد المستشرقين في ما يسمى "تاريخ الأدب"، إذ:
"يعمد إلى الكتّاب والشعراء والخطباء والفلاسفة، فيترجم لهم أو يختلس لهم ترجمة من كتب الطبقات على اختلافها، ثم يتبع كل ترجمة بشيء من شعر الشاعر أو نثر الكاتب أو بيان الخطيب، ثم يلم في كل عصر بطائفة من المعاني، يلفق بعضها إلى بعض في غير فقه ولا فهم ولا احتياط ولا دقة، ويُسمى هذا الخليط كله أدب اللغة العربية حيناً، وتاريخ أدب اللغة العربية حيناً آخر".
وكان الطلاب يذاكرون المقرر ويحفظونه غيباً، ثم بعد انقضاء الامتحان "ينصرفون عما حفظوا، أو ينصرف عنهم ما حفظوا".
وهذه، في رأي طه حسين، كانت حال المدارس الحكومية في أوائل القرن العشرين. أما الجامعة المصرية القديمة، فقد أخذت بالتغيير، وعُنيت بالمذهبين المذكورين معاً. وفي النتيجة، رأى طه حسين أن درس الأدب لم يتقدم في المدارس الحكومية، وأن تدريسه في الأزهر لم يواكب التطور الذي شهدته الجامعة المصرية.
-
جامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة حالياً) عام 1920
كان رهان طه حسين الأساسي على المدرسة "التي يتكون فيها الشباب وتنشأ فيها العقول والملكات"، فهي، في نظره، أفضل سبيل للترقي.
وهنا تأتي دعوته إلى الإصلاح، إذ جعل إصلاح الدرس مقدمة لإصلاح المدرسة، وإصلاح المدرسة باباً إلى التغيير في المجتمع.
وفي ما يخص درس الأدب، رأى أن له وسيلتين: الأولى تقريب النصوص إلى أفهام الطلاب وأذواقهم وترغيبهم فيها، والثانية إعداد معلّمي اللغة العربية.
واعتبر الوسيلة الثانية هي الأهم، لأن المطلوب فيها كثير، بدءاً من تعلم لغة أجنبية، كي يطّلع الأستاذ على إنجازات الأوروبيين في دراسة تاريخ الشرق وآدابه ولغاته المختلفة.
ذلك أن العلم، في رأيه، يُلتمس عندهم "حتى يُتاح لنا نحن أن ننهض على أقدامنا، ونطير بأجنحتنا، ونسترد ما غلبنا عليه هؤلاء الناس من علومنا وآدابنا وتاريخنا".
كان رهان طه حسين الأساسي على المدرسة "التي يتكون فيها الشباب وتنشأ فيها العقول والملكات"، فهي، في نظره، أفضل سبيل للترقي. وهنا تأتي دعوته إلى الإصلاح، إذ جعل إصلاح الدرس مقدمة لإصلاح المدرسة، وإصلاح المدرسة باباً إلى التغيير في المجتمع.
والحال أن أزمة كتاب "في الشعر الجاهلي" كانت محصلة لخلفيات كثيرة، ومؤشراً مهماً إلى مدى الانشطار الفكري بين المؤسسات الثقافية التقليدية، مثل الأزهر وما يتصل به من التعليم الديني، وهي مؤسسات ذات جذور عميقة في المجتمع المصري، وبين المؤسسات الثقافية الجديدة، بدءاً من المدارس الحكومية وصولاً إلى الجامعة، وهي مؤسسات عبّرت عن محاولات الانتقال بالمجتمع المصري إلى طور جديد.
ويرى فيصل دراج أن الفكر التنويري العربي وُلد في شروط تاريخية أعاقت تطوره، إلى جانب محاولات التضييق عليه ومحاصرته، غير أنه "لا يزال يشكل المحاولة الفكرية التجديدية الأكثر خصباً في التاريخ الفكري الحديث"، لكونه فكراً حراً متعدد النزعات، يقبل النقد والحوار وتبادل الأفكار.
