لبنان في زمن الخرائط المتحرّكة

لا تكمن المسألة في خطط الكهرباء أو الرسوم أو إعادة الهيكلة فقط، بل في سؤال أبعد: أي دولة ستخرج من الانهيار؟ ومن يُحدّد شكلها؟

في نهاية عام 2025، يبدو لبنان كمن يقف على أرض صلبة مُتشقّقة: ليس غارقاً في الحرب، ولا قادراً على مُغادرة حوافها. وقف إطلاق النار الذي أعقب حرب 2023–2024 خفّف الجحيم لا من جذره. فالجنوب ما يزال شريطاً من الخراب، وقُراه لم تستعد سكّانها بالكامل، فيما تحتل "إسرائيل" مواقع على تُخوم الحدود تشبه منطقة عازلة فعليّة، وتُنفّذ غارات مُتقطّعة بذريعة منع إعادة تموضع المقاومة.

هكذا لا يخرج لبنان من الحرب تماماً، بل يعيش في ظلالها، فيما تتحوّل الجغرافيا إلى سياسة، وتتحوّل السياسة إلى صراع على من يُعرّف الأرض لا من يُسيطر عليها. فالخرائط لم تعد خطوطاً ترسم الحدود فقط، بل صارت أدوات تُعيد تعريف السيادة قبل أن تُعيد رسم مساحتها.

اقتصاد تحت التفاوض: من يملك قرار الإصلاح؟

دخل البلد عام 2025 بانتخاب رئيس جديد وحكومة رفعت شعار الإصلاح، واستأنفت المُفاوضات مع صندوق النقد الدولي. لكن التحسّن النسبي في بعض المُؤشّرات لا يخفي أنّ الاقتصاد ما يزال رهينة القرار السياسي؛ إذ تراجع التضخّم من مستويات ثلاثيّة الأرقام إلى مستويات أقلّ، لكنّه بقي مُرتفعاً (وفق البنك الدولي)، فيما ظلّ النموّ بطيئاً في ظلّ انكماش تراكمي يفوق 38 % منذ 2019 (وفق البنك الدولي). ليس الاقتصاد هنا مسألة تقنيّة، بل ملفّ حكم.  فمن يمسك بقرار الإصلاح؟ في عام 2022 قال رئيس الحكومة السابق، نجيب ميقاتي: "نواجه تحدّي الانهيار الكامل أو الخلاص التدريجي… ولا حلّ من دون اتّفاق مع صندوق النقد الدولي".

لا تكمن المسألة إذاً في خطط الكهرباء أو الرسوم أو إعادة الهيكلة فقط، بل في سؤال أبعد: أي دولة ستخرج من الانهيار؟ ومن يُحدّد شكلها؟

الدولة بين الردع والشرعيّة: الجيش والمقاومة في اختبار واحد

خرج "حزب الله" من الحرب بخسائر بشريّة وماديّة ثقيلة، لكنّه لم يفقد دوره كقوّة ردع في مواجهة "إسرائيل". ومع ذلك، يواجه الحزب في عام 2025 ضغوطاً مختلفة: وثائق أوروبيّة تتحدّث عن تعزيز قوى الأمن الداخلي تمهيداً لإعادة هندسة دور الجيش لاحقاً، ومبعوثون دوليّون يلوّحون بأنّ أي دعم اقتصادي قد يصبح مشروطاً بإطار جديد للسلاح.

على المقلب الآخر، لم يعد موقع الجيش محصوراً بـ"حماية الداخل"، بل تحوّل إلى جزء من معادلة الردع على الحدود. والسؤال لم يعد مُتعلّقاً بهويّة السلاح فحسب، بل بقدرة الدولة على تحويل القوّة إلى جزء من قرارها، لا سلطة فوقها أو خارجها.

ويعني ذلك أنّ مستقبل العلاقة بين الجيش والمقاومة ليس مسألة عسكريّة، بل قضيّة تعريف الدولة. فإذا أصبح الجيش شريكاً في صياغة الردع، فذلك يقود إلى دولة تستوعب القوّة بدل أن تصطدم بها. أمّا إذا بقي دوره محصوراً في إدارة الهدنة، فستبقى السيادة مرهونة لمعادلات لا تتولّاها مؤسّسات الدولة، بل تُدار من فوقها.

المال والهجرة والإعمار: أدوات نفوذ وليست أزمات

يحمل لبنان عبئاً يتجاوز طاقته؛ إذ تقدّر الحكومة اللبنانيّة عدد النازحين بـ1.1 مليون شخص، مقابل 636 ألفاً مسجّلين لدى "UNHCR". القضيّة لم تعد إنسانيّة فقط، بل تحوّلت إلى ورقة تفاوض داخليّة وخارجيّة. ولا يمكن للبنان أن يتحكّم بحدوده طالما أنّ حدود سوريا ذاتها قيد التشكّل، فالمعابر ليست جغرافيا فقط، بل هي امتداد لمُعادلات السلطة في الدولتين. وهكذا يصبح ملف النزوح جزءاً من هندسة الإقليم لا مجرّد أزمة داخليّة.

وفي الوقت نفسه، تُقدّر احتياجات التعافي والإعمار بعد الحرب بنحو 11 مليار دولار (وفق RDNA–World Bank) ، بينما تحذّر جهات رقابية من تحويلها إلى قناة امتيازات سياسيّة جديدة.

أمّا المجتمع اللبناني، فقد تآكلت طبقته الوسطى، وتعمّق اعتماده على 5.8  مليارات دولار من التحويلات في 2024 (وفق البنك الدولي)، التي تأتي بمعظمها من دول الخليج. هذه التحويلات لا تُنعش الأسر فقط، بل تُعيد توزيع الولاءات المعيشيّة وفق مصادر الرزق لا وفق الانتماء السياسي، ما يجعل النفوذ الخليجي نفوذاً صامتاً، لكنّه نافذ وعميق عبر الاغتراب والاستثمار لا عبر الخطاب المباشر.

استشراف 2026–2028: أي لبنان سيولد؟

يمكن تلخيص المسارات السياديّة المُحتملة في السنوات المُقبلة بثلاثة اتّجاهات:

1 - تعاقد سيادي تدريجي: تنسيق أوضح بين الجيش والمقاومة، تقدّم بطيء لكنّه فعلي في الإصلاحات، وانتقال النقاش من ثنائيّة "السلاح أو الدولة" إلى سؤال: كيف يُدار السلاح داخل الدولة؟

2 - تثبيت الهشاشة: استمرار الثنائيّة من دون حسم، اقتصاد يتنفّس من دون نهوض، ودولة تُدار لا تُبنى.

3 - انزلاق صِدامي: صدمات ماليّة أو ضغوط دوليّة تقود إلى تفكّك غير منتظم، وعودة خطاب استقطابي حاد يضع المؤسّسة العسكريّة والشارع في مواجهة مفتوحة.

من يرسم الدولة؟

لن يحسم لبنان في 3 سنوات ما فشل في حسمه خلال عقود، لكن طريقة إدارة السنوات 2026–2028 ستُحدّد إن كان البلد يتّجه نحو:

- تعاقد سيادي جديد

- هشاشة دائمة

- أو صِدام يلتهم ما تبقّى من مؤسّسات

لم يعد السؤال اليوم:

هل يستطيع لبنان الخروج من أزمته؟ بل غدا: أيُّ لبنان سيخرج منها إن خرج؟ لبنان المرسوم بخرائط الآخرين؟ أم لبنان الذي يُجرّب، ولو مُتأخّراً، أن يُعيد رسم حدوده من الداخل؟

اخترنا لك