كيف تواجه الموسيقى الشعبية المصرية مخاطر الاندثار؟
كيف تواجه الموسيقى الشعبية المصرية مخاطر الاندثار ومحاولات السطو الإسرائيلي على تراثها الموسيقي؟
تواجه الموسيقى الشعبية المصرية مؤخراً تحدياً "وجودياً"، ليس بسبب تغير الذوق الفني، لكن الأمر صار معركة هوية كاملة.. فبين مطرقة النسيان والاندثار بفعل العولمة وقصور جهود التوثيق الرقمي عن الإحاطة بكل تفاصيل هذا التراث، وسندان السرقة والسطو الثقافي الممنهج، خصوصاً المحاولات المستميتة في هذا المضمار من الكيان الصهيوني لنسب التراث الموسيقي العربي والبدوي لنفسه، تقف الفنون التراثية المصرية بوصفها خط دفاع أخيراً عن الذاكرة الوطنية.
والمثال على ذلك يبرز تراث "السمسمية" في مدن القناة في مصر، بمحافظات الإسماعيلية والسويس وبورسعيد، وفن "المربعات" في الصعيد جنوباً، باعتبارهما شاهدين على تاريخ من مقاومة الاحتلال والإبداع البشري المهدد بالضياع.
من الخنادق إلى معركة البقاء
لم تكن آلة السمسمية، التي يربط بعض الباحثين جذورها بآلات وترية عرفتها مصر القديمة، ومنها الكنارة، مجرد أداة للترفيه بل كانت سلاحاً ثقافياً بارزاً للمقاومة الشعبية في مدن القناة عقب هزيمة 1967 وفي أثناء حرب الاستنزاف ضد "إسرائيل"، حسبما يقول الناقد أشرف غريب.
ويضيف غريب في حديث مع "الميادين الثقافية" أن إبداعات فرقة "ولاد الأرض" بقيادة الكابتن غزالي في السويس، وفرقة "الصامدين" في الإسماعيلية، تفجرت خلال تلك المرحلة، "لتتحول الأوتار إلى قذائف ترفع الروح المعنوية للمقاومين والمهجرين"، على حد تعبيره.
ياسمين فراج: لا يمكن للهواة وحدهم خوض معركة دولية لحماية الملكية الفكرية، فهذا دور محسوم للمؤسسات الثقافية الرسمية، وتحديدًا وزارة الثقافة المصرية، وأكاديمية الفنون، وجمعيات المأثورات الشعبية.
وتابع أن الخطر الحالي الذي تعانيه السمسمية كفولكلور اليوم هو تراجع عدد صناعها المَهَرة والعازفين المتمكنين من مقاماتها وأساليب أدائها التقليدية، ورحيل بعض حاملي المعارف والأسرار اللحنية المتوارثة، مما يهدد بتحويلها إلى مجرد "مادة استعراضية" سياحية خالية من أي عمق تاريخي.
ورغم إدراج عنصر "السمسمية: صناعة الآلة والعزف عليها" على القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية لدى "اليونيسكو" عام 2024، فإن هذا الاعتراف الدولي لا يلغي التحديات المرتبطة باستمرار هذه الممارسة الفنية، ونقل مهارات الصناعة والعزف، وحفظ الذاكرة الشفهية المرتبطة بها.
فن "المربعات" الصعيدي
أما في جنوب مصر، فيمثل فن "المربعات" الصعيدي، ومن أبرز أشكاله "فن الواو" المرتبط بالأشعار المنسوبة إلى ابن عروس، ديوان الحكمة الشعبية، وهو أحد فنون القول الشعبي التي تتقاطع بعض قوالبها الشعرية مع السيرة الهلالية،. إذ يعتمد هذا الفن، حسب غريب، على إنشاد مربعات شعرية من 4 شطرات، تتفق قافية الأولى مع الثالثة، والثانية مع الرابعة، سواء كانت مرتجلة أو متوارثة، ويمزج بين الوعظ، والفلسفة، ورصد المعارك القبلية والتاريخية، لافتاً إلى أنه واحد من أذكى الفنون الكلامية والموسيقية، الذي يحفظ قيم المجتمع وصراعاته وتاريخه الشفهي بأسلوب لحني بسيط قد تصاحبه آلات شعبية كالدف أو الربابة، بحسب تقاليد الأداء.
غريب: إبداعات فرقة "ولاد الأرض" في السويس، وفرقة "الصامدين" في الإسماعيلية، تفجرت خلال تلك المرحلة لتتحول الأوتار إلى قذائف ترفع الروح المعنوية للمقاومين والمهجّرين.
وأضاف أن هذا الفن يعتمد إلى حد كبير على الرواية الشفهية والذاكرة الحية للشعراء والمداحين، وبالتالي فإنه مع رحيل الكبار من رواد هذا الفن، ورغم الجهود المبذولة لجمع نصوصه وتدوينها، ومنها أعمال الشاعر والباحث عبد الستار سليم، لا تزال الحاجة قائمة إلى توثيق أوسع للروايات المحلية وأساليب الأداء والألحان المتوارثة، مما يجعل هذا الإرث عرضة لخطر فقدان بعض أشكاله الأصيلة، أو الاندماج المشوه في موسيقى المهرجانات المستحدثة، التي يصفها غريب بأنها تنم عن فوضى عارمة، من دون مراعاة لخصوصيته الثقافية.
كيف نواجه محاولات السطو الصهيوني؟
لا تقتصر تلك الأزمة الخاصة بهذا التراث الموسيقي الشعبي الهائل على العوامل الداخلية، بل تواجه موسيقانا محاولات مستمرة للسطو من قِبل مؤسسات فنية وإعلامية تنتمي للكيان المحتل، وبهذا السطو الممنهج تسعى سلطات الاحتلال الإسرائيلي إلى إعادة إنتاج الألحان الشعبية المصرية والعربية، وإدراجها ضمن ما يسمى "الموسيقى الإسرائيلية" أو "التراث الشرق الأوسطي"، عبر سرقة الأغاني الفلكلورية، بهدف "صَهينة وتهويد التراث" واختلاق عمق ثقافي وتاريخي في المنطقة عبر قرصنة الإبداع العربي الممتد لآلاف السنين.
أمام هذا التهديد المزدوج بين الاندثار والسرقة ينقسم جهد المواجهة لإنقاذ هذا التراث الفني الكبير إلى شقين، بحسب الدكتورة ياسمين فراج، أستاذة النقد الموسيقي بأكاديمية الفنون، إذ تقول إن دور "الهواة" وحراس التراث يتقدم إلى خط الدفاع الأول، ويقع العبء الأكبر حالياً على عاتق شيوخ المهنة، والفرق المستقلة، والباحثين الهواة، فهؤلاء الذين يجمعون الأغاني القديمة، ويعلمون الشباب عزف السمسمية، ويحفظون نصوص المربعات في صدورهم.
لكن هذا الجهد الفردي، رغم إخلاصه ونُبله، يظل محدود الإمكانيات ومعرض للضياع بمجرد رحيل هؤلاء الحراس، وهنا تأتي الحاجة الماسة إلى تدخل المؤسسات الثقافية عبر تفعيل الحماية القانونية القائمة، وتوفير الدعم المؤسسي لاستدامة جهود التوثيق والحفظ.
وتوضح ياسمين لـ"الميادين الثقافية" أنه: "لا يمكن للهواة وحدهم خوض معركة دولية لحماية الملكية الفكرية، فهذا دور محسوم للمؤسسات الثقافية الرسمية، وتحديداً وزارة الثقافة المصرية، وأكاديمية الفنون، وجمعيات المأثورات الشعبية".
رغم إدراج عنصر "السمسمية على القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية لدى "اليونيسكو"، فإن هذا الاعتراف الدولي لا يلغي التحديات المرتبطة باستمرار الممارسة الفنية، ونقل مهارات الصناعة والعزف، وحفظ الذاكرة الشفهية المرتبطة بها.
وتقترح أستاذة النقد الموسيقي، في سبيل معركة الحماية لهذا التراث، خطوات التوثيق والرقمنة عبر تسجيل الألحان، والنصوص، والشهادات الشفهية لفرق المقاومة وشيوخ المربعات في أرشيف وطني رقمي متاح للعالم، بالبناء على الجهود القائمة، ومنها "الأرشيف المصري للحياة والمأثورات الشعبية"، الذي يضم مواد توثيقية عن السمسمية.
وتضيف أيضاً أنه لا بد من الدعم والتمويل ورعاية الفرق الشعبية المتبقية لضمان استمراريتها، وإدماج هذه الفنون في المناهج التعليمية والأنشطة المدرسية لربط الأجيال الجديدة بهويتها، وتعزيز المبادرات التعليمية القائمة وتوسيع نطاقها لتصل إلى المجتمعات المحلية التي نشأت فيها هذه الفنون، بما يضمن انتقال المعارف والمهارات بين الأجيال، لافتة إلى أن معارك الهوية عموماً ليست ترفاً، بل معركة تخص وجود هذه الثقافة، فالحرب اليوم لم تعد بالسلاح فقط، بل بالثقافة والتاريخ والذاكرة.



