خيانة المثقف والإمبريالية الثقافية

إن دور المثقفين هو تحدي ما يبدو مستحيلاً الآن، وقد يصبح ممكناً بعد سنوات أو حتى لحظات. وقد أصبح ضرورياً اليوم، أكثر من أي وقت مضى، أن يتمرد "إنسان العصر" على واقعه.

  • (ستيف كاتس Steve Cutts)
    (ستيف كاتس Steve Cutts)

"وتراهم في حياتهم اليومية ينحنون، رغم إنشائهم المتقعّر، لالتقاط التفاح الذهبي الذي يتساقط من شجرة الصناعة، ويقايضون الوفاء والحب والشرف بالتجارة والصوف والشمندر وماء الحياة". هذا نص كتبه كارل ماركس، ووجد فيه كثيرون مادة لنقد المثقفين، وأحياناً لنقد الثقافة ذاتها، انطلاقاً من فرضية ترى أن للمثقف دوراً محدداً، وفق رؤية الناقد، وأن فشله في أداء هذا الدور يُعَدّ خيانة لوطنه أو لفكره، وهكذا.

إن مصطلحات من قبيل "المثقف" و"الثقافة" تحتاج إلى استعراض طويل لوجهات النظر المختلفة، لأن معانيها ترتبط بالتوظيفات التي نستخدمها في سياق الأيديولوجيات والمؤسسات المتعددة.

ولعل أبسط تعريف نجده عند أرمان ماتلار، في كتابه "خيانة المثقف"، هو أنها تجمع: "المجتمع، والأساطير، والعملة، والحكايات، والتجارة، والفنون الجميلة، والتقنيات، والأدوات، واللغات، والكلمات، والمعارف العلمية، والمُثُل الأدبية".

لذلك، يمكن القول إن الثقافة هي مصدر الهوية الوطنية والكرامة والمعنى، كما أنها المحدِّد لأنماط العيش والاستهلاك داخل كل مجتمع. وبالتالي، تُعَدّ الثقافة عاملاً محرّكاً لنشوء الدولة - الأمة.

ما إن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، حتى انطلقت الولايات المتحدة في فرض هيمنتها الثقافية على أوروبا أولاً، ثم على بقية العالم لاحقاً. وتمثلت المحاولة الأولى لجعل الثقافة الأميركية ثقافة عالمية في إنشاء منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة "اليونسكو"، في غياب الاتحاد السوفياتي. وللمفارقة، انسحبت الولايات المتحدة منها عام 1984، وتبعتها بريطانيا عام 1986، بدعوى أن الشيوعيين يسيطرون عليها.

كانت الثقافة الأميركية، التي غُلِّفت داخل أفلام السينما الهوليوودية ووسائل الاتصال والإعلام، مثل "تايم" و"رويترز" و"ريدرز دايجست"، ثقافة كوزموبوليتانية تهدف إلى تحويل الثقافات المحلية إلى ثقافات ثانوية، وإحلال ثقافة عالمية موحّدة مكانها، هي ثقافة الاستهلاك.

وعندما نتحدث عن الاستهلاك، فالمقصود ليس استهلاك سلعة أو خدمة بعينها فحسب، بل تحويل كل شيء إلى سلعة، وتحويل السلعة إلى حاجة، ثم تسويق هذه الحاجة واستهلاكها. وهذا يشمل الأشياء والعلاقات الإنسانية والفكر، بل والإنسان نفسه: "إن المجتمع الصناعي لم يزيّف حاجات الإنسان المادية فحسب، بل زيّف حاجاته الفكرية، وفكره بالذات".

وهذا ما أعلنه الوزير الفرنسي، جاك لانغ، من على منبر "اليونسكو" عام 1984، عندما طالب بـ"مقاومة ثقافية حقيقية، وحملة حقيقية ضد الهيمنة، ولنسمِّ الأشياء بأسمائها، ضد هذه الإمبريالية المالية والفكرية".

الإمبريالية الثقافية هي سيطرة ثقافة دولة قوية على ثقافات دول أخرى أقل قوة. وهو نموذج تكرر عبر التاريخ، لكنه بلغ مداه من خلال مفهوم العولمة.

لم تكتفِ الإمبريالية الثقافية بغزو المجتمعات عن طريق القصف الإعلامي الذي مارسته وسائل الإعلام والسينما ووسائل التواصل الاجتماعي، بل كانت الأنظمة التابعة أحد أفتك أسلحتها، إذ فرضت مجموعة من القوانين والممارسات القمعية التي دفعت الشعوب نحو هاوية ثقافة الاستهلاك وقيم الحضارة الغربية، بوصفهما عنواناً للتحضر الاجتماعي والرخاء الاقتصادي.

في ظل هذه الأنظمة، أصبح ارتداد المثقفين عن كل ما هو وطني وجهة نظر لا بد من احترامها ومناقشتها في ظل حرية الرأي الوهمية، التي لا تمدّ ظلالها إلا فوق المرتدّين وكتّاب الحكومات والمثقفين المرتبطين بأجندات خارجية.

أما مثقفو المعارضة، فقد فُصِّلت لهم قوانين قمعية، أبسطها قوانين الجرائم الإلكترونية، التي أصبحت علامة عربية مسجلة، ناهيك عن قوانين مكافحة الإرهاب، والانتماء إلى تنظيمات ممنوعة، والقائمة تطول في هذا المقام.

إن ما نشهده اليوم من موجة ارتداد يكتسب خصوصية نادرة. فالمرتدّون يرفعون شعارات وطنية يتهمون من خلالها المقاومين بالتفريط بالوطن والتسبب بالكوارث والاحتلال، ويدعون إلى الاستسلام "حفاظاً على الوطن والشعب". كما يجدون من يدعم طروحاتهم بالمال والإعلام والنفوذ، في محاولة للظهور بمظهر من يحظى بتأييد الأغلبية الشعبية.

وتكمن خطورة هذه الموجة في أن كثيراً ممن ركبوها كانوا محسوبين، في مواقفهم السابقة، على محور المقاومة. وهم يخاطبون الجمهور بلغة مفادها: لقد أخطأنا، وأخطأت المقاومة، وحان وقت العودة إلى جادة الصواب.

يذكّرنا هؤلاء بزعيم المرتدّين عبد الله بن أبيّ بن سلول، الذي طلب من أصحابه إعلان إسلامهم صباحاً والارتداد مساء، بهدف تشكيك المسلمين في صحة دينهم.

المثقف، كما وصفه إدوارد سعيد، "ليس داعية مسالماً، ولا داعية اتفاق في الآراء، لكنه شخص يخاطر بكيانه كله باتخاذ الموقف الحساس، وهو موقف الإصرار على رفض الصيغ السهلة، أو الأقوال الجاهزة المبتذلة، أو التأكيدات المهذبة القائمة على المصالحات اللبقة، والاتفاق على كل ما يقوله ويفعله أصحاب السلطة وذوو الأفكار التقليدية".

إن دور المثقفين هو تحدي ما يبدو مستحيلاً الآن، وقد يصبح ممكناً بعد سنوات أو حتى لحظات. وقد أصبح ضرورياً اليوم، أكثر من أي وقت مضى، أن يتمرد "إنسان العصر" على واقعه. ولا بد لنا من اتخاذ قرار مفاده أننا لسنا معنيين بكتابة نهاية التاريخ، بل بكتابة التاريخ نفسه.

وما نحتاج إليه اليوم هو أمران: أولهما التوقف عن التحلي بالأخلاق الليبرالية التي تسمح للمرتدين بالتسلل إلى صفوفنا وبث سمومهم وسط جماهيرنا، والتحلي بدلاً منها بالأخلاق الثورية التي ترفض كل خائن وتعرّي مواقفه.

أما الأمر الثاني، فهو إطلاق ثورة ثقافية تُبنى على الماضي من دون أن تتبنّاه، وتنظر إلى الواقع من دون أن تكون تابعة له، وترنو إلى المستقبل بعين العالِم، لا بعين المنجّم وضارب الحظ.

اخترنا لك