جوزيف أفرام: قوى الذات والطبيعة في صور
غالباً ما يُجسّد فنّ جوزيف أفرام المثابرة والمواجهة أو لحظات الصدمة، متسائلاً كيف يمكن تصوير القوة والمرونة وقوة الروح الإنسانية في صورة ثابتة.
-
جوزيف أفرام
بين الطبيعة والحياة والذات البشرية وتنوّعاتها، يغوص الفنان اللبناني، جوزيف أفرام، في لججها، في معرض فني بعنوان "القوى الدافعة" (Driving Force) يستضيفه غاليري "Art Dictrict" في الجميزة في بيروت.
يتنقل أفرام في أعماله بين القوى الدافعة، واحدة تلو الأخرى، سابراً أعماق الذات البشرية أحياناً، أو لاحظاً ثمرات ممارسات اجتماعية مختلفة، أو راحلاً إلى الطبيعة بعناصرها المتباينة، يستعير منها ارتدادات في الإنسان ومشاعره وأعماله، وأحياناً نتائجها.
فمن خلال لغة بصرية راسخة في مبادئ العمارة والتكوين والحجم والشكل والهيئة، يستكشف أفرام في أعماله أعماق المشاعر الإنسانية، وبفضل خلفيته الأكاديمية، يُبدع أعمالاً فنية ذات تعبير درامي، ويميل في معرضه الحالي إلى تصوير السالب من الجوانب الحياتية الإنسانية.
الفنان لا يرغب بالتشاؤم، لكنه يحاول التركيز على بلورة الواقع، وارتداداته في الإنسان، لذلك يلجأ غالباً لتقديم أعماله في المعرض بالأبيض والأسود، ويكسر رتابة اللون الصامت بخطوط برّاقة استدراكاً منه لكي لا تتعمّق الشبهات به بالسلبية والتشاؤم، فيحاول تلقيحها بما ينبض بالأمل، والفضول، والرغبة في الفهم، والتعبير عن الذات.
لا يبتعد أفرام في أعماله عن الواقع، حيث يستشفّ في خبراته الحياتية أعمال الغش والخداع، ويشير إليها تلميحاً في عناوينه مثل "الغش في اللعبة" (Deception in the Game)، أو "لعبة فاشلة" (ِ Afailing Game).
لوحاته التي يطغى عليها الصامت والمعتم من الألوان، ينكسر صمتها أحياناً بضربة تلوين خفيفة تجانب الفاقع من الألوان، كلّها من الأكريليك مع الGesso، والحبر الصيني على الكانفا.
كأنّ أفرام يريد فلسفة الحياة عبر الفن التصويري فيتجنّب الظاهر، مفضّلاً الفن الذي يُثير المشاعر والتأمّل، لذلك يصوّر تخيّلات "التأمّل الذاتي" (Introspective Divers)، ويتتبّع "رحلة العقل" (Travelling the Mind)، محاولاً التعمّق في الإنسان إلى أن يبلغ مرحلة "كشف الذات" (Revealing Oneself).
تعكس خطوطه المعقّدة وأشكاله المتشابكة تعقيد الأشخاص والمواقف، حتى عندما يبدو التكوين النهائي بسيطاً، مثل فكرة الرجل المعصوب العينين ولا بأس أن يكون كذلك (It's Ok to Be Blindfolded)، من دون توضيح إن كان المقصود أن تكون العصبة في صالحه لكي لا يرى سواد الحياة، أم تضليلاً للحقائق المرة التي بات العصر يغصّ بها.
تمثّل العروق البيضاء التي تتخلّل أعماله موجات ضوئية تستكشف عاطفة غامضة، يصعب فهمها، لكنها غنية بالمعنى، خطوط برّاقة تسبر المدى الفاصل بين العقل والقلب كما في "المتأمّل" (Contemplator)، و"رحلة العقل" (Traveling the Mind).
غالباً ما يُجسّد فن أفرام المثابرة والمواجهة أو لحظات الصدمة، متسائلاً كيف يمكن تصوير القوة والمرونة وقوة الروح الإنسانية في صورة ثابتة. يتساءل عن ذلك في لوحة "الرجل الجنين" (The Embryo Man)، أو "الثائر" (The Revolutionist)، أو "التصميم والعزيمة" (Determination).
عندما لا يكون منشغلاً بالعمل على مشروع ما، يعبّر جوزيف أفرام عن دافعه الإبداعي، وإدراكه للطبيعة البشرية من خلال الفنون الجميلة، وخاصة الرسم، ويُضفي على كلّ مشروع لمسة إبداعية وحرفية عالية، حيث تُسهم رؤيته الإبداعية وحسّه الفني في تحويل الأفكار الطموحة إلى تجارب غامرة تتواصل مع الجمهور على نطاق واسع.
يحمل جوزيف أفرام شهادتي ماجستير، إحداهما في الهندسة المعمارية الداخلية، والأخرى في تصميم المناظر والديكور، وهو مصمّم مناظر بالفطرة، ويستمتع بتحويل خياله الخصب إلى فعّاليّات، ومسارح، وديكورات تلفزيونية متنوّعة لشركات متخصصة حول العالم.
بدأ مسيرته المهنية في شركة بنيويورك، حيث عمل مع نخبة من مصمّمي البثّ التلفزيوني والإذاعي العالميين، وقد صقلت هذه التجربة قدرته على ابتكار مفاهيم بصرية آسرة بوضوح وفعّالية عالية.

