تراجع "مصنع المبدعين".. هل يهدد التقشف المسرح الجامعي في مصر؟

هل يهدّد ترشيد الإنفاق مستقبل المسرح الجامعي في مصر؟ ولماذا يختلف الوضع من جامعة إلى أخرى؟

يعيش المسرح الجامعي في مصر خلال عام 2026 تحت وطأة ضغوط مالية وإدارية متزايدة لتقليل المصاريف، في مشهد غير معتاد خلال السنوات الأخيرة، نتج عنه إلغاء بعض المهرجانات المسرحية أو تأجيلها، وسط تفاوت واضح بين جامعة وأخرى في تطبيق سياسات ترشيد الإنفاق.

وبينما عزت إدارات جامعية وجهات رسمية بعض هذه الإجراءات إلى ترشيد الإنفاق وإعادة ترتيب الأولويات، في ظل الأزمة الاقتصادية التي تمرّ بها البلاد، أحدثت القرارات خلافاً وتوتراً متكررين بين بعض الإدارات الجامعية والطلاب خلال العام الجامعي 2025/2026، وسط شكاوى من قيود إدارية مفروضة على النشاط الفني وحرية التعبير.

أما المفارقة الكبرى، وفق نقّاد وأساتذة مسرحيين تحدّثوا لــ "الميادين الثقافية"، فتمثّلت في انطلاق الدورة الــ 19 من "المهرجان القومي للمسرح المصري"، التي اختتمت أعمالها في 11 آب/أغسطس الجاري، حيث عكست صورتين للمشهد المسرحي، أولاهما حملت ملامح جيل شاب يثبت حضوره بتجارب جديدة ومحاولات مختلفة، والثانية عكست، وفق هؤلاء النقاد، أزمة تواجه قطاعات من المسرح المحترف، في ظل غياب المواسم المسرحية المنتظمة وتراجع دور بعض المؤسسات في صناعة حركة مسرحية مستدامة.

قرارات التقشف تطفئ الأضواء

بعد شهور من البروفات المتواصلة وتصميم الديكور بموارد شحيحة، جاء الكثير منها بجهود الطلاب الذاتية، ساد قاعات التدريب صمت ثقيل، وتحوّلت بعض قاعات العروض إلى مخازن لأدوات الديكور والإكسسوارات، في مشهد أثار قلقاً حول مصير إحدى أدوات اكتشاف المواهب وصناعة القوة الناعمة المصرية.

فبين البيروقراطية وذرائع "الترشيد"، واجه طلاب فرق مسرحية في جامعات عدة عراقيل إدارية وتعطيلاً لبعض عروضهم.

ففي كلية الحقوق بجامعة العاصمة (حلوان سابقاً)، شهد عرض مسرحية "الدحديرة" أزمة بعدما قُطع الصوت والإضاءة خلال العرض، ما أحدث إرباكاً في القاعة وتسبب في عدم استكماله أمام لجنة المشاهدة.

بين رواية الطلاب التي تتحدث عن شح التمويل والقيود الإدارية، ورواية الجامعات التي تؤكد استمرار دعم النشاط الفني وارتباط بعض الأزمات بمخالفات تنظيمية، تكشف الوقائع خلال عام 2026 عن أزمة غير متجانسة، فهناك جامعات ألغت أو أجّلت فعاليات، وأخرى واصلت مهرجاناتها، وبعضها استأنف النشاط بعد توقّف مؤقت.

وأثار الأمر صداماً مباشراً بين الطلاب وإدارة الكلية والجامعة. إذ اعتبر طلاب أنّ ما جرى جاء بعد سلسلة من العراقيل الإدارية وتقليص الدعم، بينما أكّدت إدارة الجامعة أنّ الأزمة ارتبطت بمخالفات إدارية وتنظيمية، ولم تكن موقفاً من النشاط المسرحي أو حرية الإبداع، قبل أن تنتهي الأزمة لاحقاً بإعادة تقديم العرض.

ويقول الطالب محمد السيد، من الفرقة الثالثة في كلية الحقوق بجامعة العاصمة، وهو مخرج مسرحي جامعي، إنّ الإدارات الجامعية: "تتعامل أحياناً مع المسرح باعتباره عبئاً إدارياً أو مجرد إجراء شكلي لاستيفاء الأوراق الإدارية في رعاية الطلاب".

ويضيف لـ"الميادين الثقافية": "فوجئنا بتقليص الميزانية المخصصة للديكور والإضاءة بنسبة 70% بذريعة ترشيد النفقات، مما اضطرّنا كفريق إلى جمع تبرّعات من جيوبنا الخاصة لاستكمال العمل، بل أصبحت هناك وصاية وتضييق على النصوص بالحذف والمراجعة".

وتحتاج هذه النسبة، التي يذكرها السيد، إلى إسنادها إلى قيمة الميزانية قبل التقليص وبعده، أو إلى مستند رسمي، إذا كان ذلك متاحاً، باعتبارها رقماً محدداً.

أما مريم عبد الله، وهي طالبة بكلية الآداب في إحدى الجامعات الحكومية المصرية، فتذكر في حديث مع "الميادين الثقافية"، أن فريقها عمل 4 أشهر متواصلة على العرض، وقام أعضاؤه بشراء القماش والخشب من أموالهم الخاصة، قبل أن يصدر قرار مفاجئ بتأجيل المهرجان من دون تفسير.

وتضيف أن بعض الجامعات "فسّرت قرارات التقشف بصرامة ورقابة ذاتية حرمت الطلاب من العروض"، بينما تجنبت جامعات أخرى، مثل القاهرة والإسكندرية والزقازيق، الإلغاء وأصرت على تنظيم مهرجاناتها.

وفي جامعة عين شمس، اشتكى طلاب من إلغاء أو تأجيل بعض المسابقات والفعاليات المسرحية المعتادة خلال العام الجامعي 2025 - 2026، إلا أن النشاط المسرحي لم يتوقف بصورة كاملة، واستمرت الجامعة في المشاركة في فعاليات ومهرجانات مسرحية أخرى خلال صيف 2026.

أما جامعة كفر الشيخ، فأعلنت في نيسان/أبريل 2026 تأجيلاً مؤقتاً لبعض الأنشطة المسرحية في إطار إعادة التنظيم وترشيد الإنفاق، لكنها عادت لاحقاً إلى استئناف النشاط، واختتمت ملتقاها المسرحي الطلابي في 2 آب/أغسطس الجاري، بمشاركة عروض من عدد من كليات الجامعة.

وفي جامعة طنطا، لا تعكس الوقائع المتاحة توقف النشاط المسرحي بصورة عامة، إذ واصلت الجامعة تنظيم فعالياتها المسرحية خلال صيف 2026، ومن بينها "المهرجان المسرحي الصيفي"، كما شارك فريق منها في الدورة الـ19 من "المهرجان القومي للمسرح المصري". ولذلك، تبدو أزمة المسرح الجامعي أكثر تفاوتاً من جامعة إلى أخرى، وليست حالة إلغاء شاملة في جميع الجامعات.

أما في جامعة بنها، فقد شهد أحد المهرجانات المسرحية تأجيلاً تزامناً مع ظروف تنظيمية وفترة الامتحانات، فيما واصل مسرح الجامعة نشاطه في فعاليات أخرى، وشارك بعرض "أصحاب الأرض" في مهرجان دولي للمسرح الجامعي بمدينة الدار البيضاء في تموز/يوليو الماضي.

وفي جامعات أخرى، تكشف شهادات طلابية عن محدودية الميزانيات المخصصة للعروض. ففي جامعة قناة السويس، أشارت شهادات طلابية منشورة إلى أن ميزانية أحد العروض لم تتجاوز نحو 11 ألف جنيه مصري، وهو مبلغ يشمل احتياجات مثل الديكور والملابس والموسيقى والخامات والأجور، ما يدفع الطلاب، في أحيان كثيرة، إلى تحمّل فارق التكلفة من أموالهم الخاصة.

"مصنع المبدعين" في خطر

لا تتوقّف التداعيات السلبية لوقف النشاط المسرحي أو إضعافه عند حدود الحرم الجامعي فحسب، بل تمتد إلى مستقبل المؤسسات المسرحية المصرية والعربية نفسها. ذلك أن مسارح الدولة والفرق الحرة استفادت، على مدار عقود، من عناصر بدأت تجربتها الفنية في هذا المختبر، في وقت يخشى فيه نقّاد من أن يؤدي إضعافه إلى فجوة مستقبلية في الكوادر الفنية.

وللمسرح الجامعي في مصر دور تاريخي في رفد الحركة الفنية بالمواهب، فمن على خشبته بدأت أو تطوّرت تجارب عدد كبير من الفنانين الذين أصبحوا لاحقاً من أبرز وجوه المسرح والسينما، ومن بينهم: فؤاد المهندس، سمير غانم، عادل إمام، يحيى الفخراني، محمود عبد العزيز، صلاح السعدني، عزت العلايلي، صلاح عبد الله، خالد صالح، بيومي فؤاد، ماجد الكدواني، هاني رمزي، شريف منير، محمد هنيدي، خالد الصاوي، سلوى محمد علي، ومحمد ممدوح.

لا تتوقف التداعيات السلبية لوقف النشاط المسرحي أو إضعافه عند حدود الحرم الجامعي فحسب، بل تمتد إلى مستقبل المؤسسات المسرحية المصرية والعربية نفسها، فمسارح الدولة والفرق الحرة استفادت، على مدار عقود، من عناصر بدأت تجربتها الفنية في هذا المختبر، في وقت يخشى فيه نقاد من أن يؤدي إضعافه إلى فجوة مستقبلية في الكوادر الفنية.

إلا أن هذا الشريان بات يواجه "تصفية بطيئة لفكرة الإبداع الحر"، وفق حديث إيمان عز الدين، أستاذة الدراما والنقد بكلية الآداب في جامعة عين شمس، التي قالت لـ"الميادين الثقافية"، إن الأزمة أعمق من مجرد نقص الأموال. إذ تتعامل بعض الجامعات مع المسرح كأداة لتحقيق مراكز في مهرجان "إبداع" أو المسابقات الكبرى فقط، وفي حال غياب فرص الفوز بالجوائز، يجري إهماله، مما يقتل روح التجريب.

من جانبه، يرى المخرج والناقد المسرحي، عصام السيد، أنّ التوقّف المفاجئ يحرم الوسط الفني من أجيال واعدة تشكّل جزءاً من القوة الناعمة لمصر والعالم العربي، مطالباً بإقامة المهرجانات الجامعية ودعمها حفاظاً على مستقبل جيل جديد من المبدعين.

جسر مصري لعبور المهرجانات الدولية

تمتد الانعكاسات السلبية أيضاً إلى الحضور الدولي لمصر. إذ نجحت عروض خرجت من المسرح الجامعي في الوصول إلى مهرجانات ومنصات عربية ودولية.

ومن أبرز هذه التجارب عرض "ماكبث المصنع"، من إنتاج فريق كلية طب الأسنان بجامعة القاهرة، الذي مثّل مصر في الدورة الـ31 من "مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي" عام 2024، ثم شارك في الدورة الـ15 من "مهرجان المسرح العربي" في سلطنة عمان في كانون الثاني/يناير 2025.

واعتمد العرض على معالجة درامية معاصرة لنص شكسبير، تستبدل الساحرات بتقنيات الذكاء الاصطناعي، في تجربة تعكس قدرة المسرح الجامعي على تقديم قراءات جديدة ومختلفة للنصوص الكلاسيكية.

وهنا، يقول محمود عبد الفتاح، أستاذ الدراما والنقد المسرحي، إنّ المسرح الجامعي ليس مجرد نشاط هامشي، بل أحد أهم الروافد الثقافية وجزء من قوة مصر الناعمة في الوصول إلى المهرجانات العالمية، كما يمثّل مختبراً للمواهب يغذّي المسرح القومي والسينما، مشدداً على أنّ الثقافة ليست بنداً يمكن حذفه أو استبداله.

يعيش المسرح الجامعي في مصر خلال عام 2026 تحت وطأة ضغوط مالية وإدارية متزايدة لتقليل المصاريف، في مشهد غير معتاد خلال السنوات الأخيرة، نتج عنه إلغاء بعض المهرجانات المسرحية أو تأجيلها، وسط تفاوت واضح بين جامعة وأخرى في تطبيق سياسات ترشيد الإنفاق.

أما محمد عبد المنعم، الأستاذ في قسم الدراسات المسرحية بكلية الآداب في جامعة الإسكندرية، فيرى أنّ أهمية هذا المسرح تتجاوز الجانب الفني إلى تنمية مهارات التواصل والعمل الجماعي والقيادة، داعياً إلى وضع ميزانيات مستقرة وتحديث البنية التحتية باعتباره استثماراً في الإنسان.

ويؤيّد محمد عبد الكريم، الطالب في كلية الآداب في جامعة عين شمس، حديث عبد المنعم، قائلاً إنّ: "النشاط المسرحي يبني شخصية الطالب، وليس نشاطاً ترفيهياً".

في المقابل، يرى أحمد عليق، مستشار الأنشطة الطلابية بجامعة العاصمة، أنّ "الجامعات لا تحارب الفن، بل هي حاضنة له"، موضحاً أنّ الأزمات الأخيرة، ومنها أزمة عرض كلية الحقوق، مردها حدوث مخالفات إدارية وتنظيمية صريحة، وليست موقفاً من إدارة الكلية أو الجامعة ضد الإبداع وحرية الفن والمسرح.

وبين رواية الطلاب التي تتحدّث عن شحّ التمويل والقيود الإدارية، ورواية الجامعات التي تؤكد استمرار دعم النشاط الفني وارتباط بعض الأزمات بمخالفات تنظيمية، تكشف الوقائع خلال عام 2026 عن أزمة غير متجانسة، فهناك جامعات ألغت أو أجّلت فعاليات، وأخرى واصلت مهرجاناتها، وبعضها استأنف النشاط بعد توقف مؤقت.

لكن القاسم المشترك يبقى مخاوف الطلاب والمسرحيين من أن يتحوّل ترشيد الإنفاق إلى تراجع طويل الأمد في مساحة ظلت، لعقود، واحدة من أهم مختبرات اكتشاف المواهب الفنية في مصر.

اخترنا لك