الكونت أدلربيرغ في صور عام 1846: عن جمال المرأة والطبيعة وحسن الضيافة

كيف اكتشف الكونت أدلربيرغ مدينة صور وما الذي لفت نظره في أهلها وحياتهم اليومية؟

كان الكونت نيقولاي فلاديميروفيتش أدلربيرغ (1819 –  1892) مقرّباً من القيصر الروسي نيقولاي الأول، وقد شغل مناصب متعددة في حياته، إذ كان جنرال مشاةٍ ومساعد القائد العام للقوات المسلحة. 

شارك في غزو القوقاز، وعيّنه القيصر ألكسندر الثاني حاكماً عامّاً لفنلندا بين 1866 و1881. لكن قبل ذلك أتت رحلته إلى الشرق عام 1846، التي دونها في كتاب "من روما إلى القدس" الصادر في سان بطرسبورغ عام 1853. 

وقد كشفت هذه الرحلة عن جانب آخر من شخصيته. فقد كان رحالة فضوليّاً، ومراق دقيقا للعادات والتقاليد، ومؤرخا للحياة اليومية في مدن المشرق، بلا قصد أو تعمّد. وقد خصّ أدلربيرغ مدينة صور بمشاهدات مطوّلة نسبيّاً، تعدّ من أوثق ما كُتب عنها في تلك الحقبة، لا سيما أن قلة قليلة من الرحالة الغربيين توقفوا فيها.

 مشاهدات أدلربيرغ في صور تمثل نموذجاً للكتابة الأنثروبولوجية في أدب الرحلات الروسي في القرن الــ 19، حيث يتداخل الوصف الجغرافي مع التحليل الاجتماعي، والسرد الأدبي مع التوثيق الإثنوغرافي. 

يبدأ أدلربيرغ سرده عن زيارة غير متوقعة لمدينة صور، فبعد مغادرته الحجر الصحي في بيروت، حيث كان رهن الحجز مع رفاقه، يصف كيف أبحر في قارب عربي صغير بعدما حصل على إذن خاص، بشرط أن يكمل في البحر الأيام الثلاثة المتبقية من الحجر. كانت الرحلة البحرية مضطربة، إذ هبّت عاصفة عنيفة كادت تغرق القارب، واضطر البحارة إلى الركوع صارخين: "يا الله، يا الله!"، بينما كان هو يصرخ فيهم: "اخفضوا الأشرعة! وإلا قلبت الريح قاربنا. أمسكوا الدفة، احرفوها إلى اليسار، وإلا تحطمنا على الشاطئ"، على حد تعبيره. وقد قادتهم هذه العاصفة إلى ميناء صور، حيث ألقوا المرساة. وهنا تبدأ مشاهداته للمدينة وسكانها، وهي مشاهدات تحمل سمات أنثروبولوجية واضحة، إذ يرصد الكاتب حياة الناس اليومية.

الميناء والقنصل

  • الكونت أدلربيرغ في شبابه بريشة الفنان فلاديمير غاو
    الكونت أدلربيرغ في شبابه بريشة الفنان فلاديمير غاو

أول ما اصطدم به أدلربيرغ في صور هو العقبة البيروقراطية التي يضعها حراس الحجر الصحي، الذين رفضوا السماح له ولرفاقه بالنزول إلى البرّ، على الرغم من حصولهم على شهادة من طبيب المحجر في بيروت تثبت انتهاء مدة الحجر. ويصف كيف حاول مترجمه حسن إقناعهم بشرعية حقوقهم، "مظهراً الشهادة الصادرة لنا في بيروت من الدكتور بيستالوتزي، التي كان مكتوباً فيها بوضوح أنه بعد 3 أيام من مغادرتنا حجر بيروت الصحي، يحق لنا التواصل الحر مع جميع الأماكن. لكن الحراس العنيدين وغير المتعلمين لم يفهموا معنى هذه الشهادة، فلم يعيروا أي انتباه لتأكيداتنا". 

وهنا يظهر الكاتب الفجوة الثقافية بين السلطة المركزية المتمثلة في القنصل والشهادة الطبية المكتوبة بالفرنسية، والسلطة المحلية المتمثلة في حراس الحجر الصحي المحليين الذين لا يفهمون لغة الشهادة. وقد اقتنع الحراس في النهاية بإرسال من يسأل القنصل: "علمنا أنه لعدم وجود قنصل روسي في صور، نظراً لضآلة حجم تجارتها مع روسيا، فإن القنصل الإنجليزي يتولى في الوقت نفسه شؤون الروس الذين يدخلون في علاقات تجارية مع سكانها". ثم تبيّن أنه ليس إنجليزيّاً كما توقع أدلربيرغ، بل كان "شيخاً أبيض اللحية بعمامة وقمباز تركي"، ما أثار دهشته وكشف عن التداخل المعقد للهويات والتمثيلات القنصلية في المشرق العثماني.

كشفت هذه الرحلة عن جانب آخر من شخصيته. فقد كان رحالة فضوليّاً، ومراق دقيقا للعادات والتقاليد، ومؤرخا للحياة اليومية في مدن المشرق، بلا قصد أو تعمّد. وقد خصّ أدلربيرغ مدينة صور بمشاهدات مطوّلة نسبيّاً، تعدّ من أوثق ما كُتب عنها في تلك الحقبة، لا سيما أن قلة قليلة من الرحالة الغربيين توقفوا فيها.

يقدّم أدلربيرغ وصفاً غنيّاً لبيت هذا الشيخ، الذي جمع بين كونه قنصلاً فخريّاً ومضيفاً كريماً، فيقول: "كان الشيخ وديعاً، علاوة على ذلك خدوماً ومضيافاً. دعانا إلى منزله حيث استضافنا، كالعادة، مقدماً القهوة التي لا مفر منها، والغليون، والمربيات". 

ويتوقف عند تفاصيل العمارة الداخلية والخارجية للبيت، فيصف: "شرفتاه الواسعتان، المزينتان بشكل بديع بعرائش العنب، تضفيان على البناء كله مظهراً صيفيّاً مبهجاً، وتصلحان مكاناً لذيذاً للاستمتاع والاسترخاء، الذي تعبر عنه كلمة (كَيْف) لدى الشعوب الشرقية". ويشرح هذا المفهوم: "إنه استمتاع جسدي وروحي (من دون نوم) لجميع الحواس والأعضاء في نعومة حلوة، شيء يشبه العبارة الإيطالية dolce far niente (لذة الاسترخاء)، لكنه أكثر شاعرية منها". 

هكذا ينقل الرحالة الروسي إلى قارئه مفهوم "الكيف" بوصفه ظاهرة ثقافية، لا مجرد حالة كسل جسدي، بل تجربة حسية وروحية متكاملة.

"لن تجد ألطف من بنات صور"

  • نقش محفور لمدينة صور في خمسينيات القرن التاسع، من تصميم البريطانيين هنري بن وهورالد برادشو، طبعته شركة جورج فيرتو في لندن على ورق سميك، بقياس 270 × 208 مم.
    نقش محفور لمدينة صور في خمسينيات القرن التاسع، من تصميم البريطانيين هنري بن وهورالد برادشو، طبعته شركة جورج فيرتو في لندن على ورق سميك، بقياس 270 × 208 مم.

يقارن الكاتب بين عظمة المدينة الفينيقية البائدة وصور الحالية: "صغيرة، ضئيلة الحجم، ليست بجمال تلك. وميناؤها مفتوح، وبالتالي غير مريح، على الرغم من أنه ليس خطيراً كالميناء المنحدر على شاطئ يافا. منازلها من الخارج بسيطة جداً وبدون انتظام معماري أو زخارف فاخرة. أما من الداخل فالعديد منها مريح جداً، أو بالأحرى مفروش بشكل مريح ومزين بذوق رفيع".

تزداد ملاحظات أدلربيرغ ثراء عند وصفه ابنة مضيفه: "تعيش ابنة مضيفنا الكبرى حياة هانئة جداً. وهي امرأة جميلة ومرحة، في ريعان شبابها وجمالها، تنعم بالسعادة الزوجية. وقد أخذني المضيف بنفسه إليها. وجدناها في منزلها، عندما كانت مسترخية بعد الغداء. وقد أُخبرت مسبقاً بزيارة الأجانب. بدافع من حب إظهار الجمال، الذي لا تختص به النساء الشرقيات وحدهن، والرغبة الطبيعية في إرضاء الآخرين، أخذت أجمل زينتها، وزينت غرفة الاستقبال بالسجاد الفاخر والكثير من الأزهار. وأكملت فخامة هذا الاستقبال بمظهرها البهي: امرأة شابة بارعة الجمال ومرحة. المضافة من دون طاولات أو كراسٍ. فرشت على الأرض سجادات ملونة ووسائد ناعمة. ووضعت وسط الغرفة مزهريات وسلالاً مليئة بالأزهار العطرة والزاهية، وأطباقاً كبيرة عامرة بفواكه ناضجة. وانتصبت، بين نعم الطبيعة هذه، النراجيل الكريستالية ذات الإطارات الفضية اللامعة، مع خراطيم حريرية مرنة، وبجانبها أكواب ذهبية مطلية بالمينا أحاطت بركوة قهوة ذهبية. وتصاعد بخار خفيف من الشراب المفضّل، المُعد للضيوف كتحية استقبال إلزامية. أما زوج ربة المنزل الشابة، فبصفته طبيباً شعبياً، كان يتنقل لزيارة مرضاه، وكانت زوجته وحدها في استقبالنا".

يصف أدلربيرغ أيضاً جانباً من الوعي السياسي لدى الشيخ، الذي كان يتحدث "عن إدارة سوريا من قبل إبراهيم باشا، وعن صرامته العادلة في أفعاله"، ويذكر "الخوف والرعب الذي كان الباشا قادراً على بثه في نفوس قطاع الطرق، الذين كان يعاقبهم على السلب والقتل بعذابات مؤلمة". 

انبهر الكاتب بجمال مضيفته، يقول: "حرير شعرها البني الداكن الغزير، المجدول بضفائر عريضة، انزلقت منه خصلات على وجهها الرقيق المشرّب بالحمرة، وسقطت خصلات مفكوكة منه على صدرها. كانت في سروال قرمزي زاهٍ، وسترة مطرزة ناعمة ذات كمين قصيرين تغطي الجزء العلوي من جسمها. ويحيط شال عريض بخصرها من الخلف، ويمتد على الوركين إلى الأمام. وتزيّن زهرة وردية فاخرة وطازجة عقدة طرفي الحزام المتصلين. وعليها قلائد من الخرز، وتتلامع حلى ذهبية على صدرها الأبيض كالثلج. أما رأسها فكان مزيناً بقبعة مطرزة، على شكل طربوش يوناني. كانت الحسناء تنتظرنا مستلقية على السجادة، وتنعش نفسها بمروحة ريش ناعمة. وبين شفتيها الحمراوين الزاهيتين كانت زنبقة نصف متفتحة تتمايل ويلاعبها صفان من اللؤلؤ. أما خفّاها الملونان المطرزان بالذهب فكانا إلى جانب قدميها مع جرابين حريريين. كانت تلاعب بقدميها العاريتين الأزهار المتناثرة على السجادة، وكأنها تتحداها في النضارة والجمال. عندما دخلنا، رفعت الشابة نفسها قليلاً، ورحبت بنا بيدها وبإيماءة من رأسها".

إلا أن الحديث مع هذه الشابة لم يكن حيوياً جداً، إذ "كانت تتحدث بالعربية فقط، وكان والدها يترجم لنا، وهو بالكاد يفهمنا، وكان أقل قدرة على إفهامنا ما يريد قوله. لم أتذكر من دردشتنا البسيطة سوى النصيحة التي قدمتها لي هذه الشابة، وهي أن أختار لنفسي عروساً في صور! قالت: لن تجد زوجة أوفى وألطف من بنات صور. تذكر كلماتي".

آنذاك، رأى الشيخ أنه "من اللائق تقصير لقائها مع الأجانب. وعند خروجنا من المنزل، قابلنا الطبيب العائد إلى البيت، صاحب المنزل وزوج هذه المرأة. فبعدما اقترب منا على فرس رمادية مزينة بسخاء، قفز ببراعة عن ظهرها وتمتم بتحيةٍ عربية. كانت عمامته بيضاء ناصعة تحيط بوجهه الأسمر، وشاربه الأسود وحاجباه يضفيان على ملامحه تعبيراً صارماً ومحارباً. وطلب منا ألا نلومه على الاستقبال البسيط، وانحنى باحترام عميق لوالد زوجته الموقر. وفي طريق عودتنا، سلكنا طريقاً آخر، حيث أذهلني جمال الأشجار في بعض الحدائق، ولا سيما أشجار الرمان والنخيل الفاخرة، وشجيرات الفلفل، والصبّار، وقصب السكر، وعرائش العنب الكثيفة التي تزين الأفنية والشرفات".

زمن إبراهيم باشا

  • رسم لويس هاغ، مطبوع حجرياً لمدينة صور في عام 1843، منسوخ من لوحة مائية تخطيطية أصلية للرسام الاسكتلندي ديفيد روبرتس، رسمها خلال زيارته صور عام 1839
    رسم لويس هاغ، مطبوع حجرياً لمدينة صور في عام 1843، منسوخ من لوحة مائية تخطيطية أصلية للرسام الاسكتلندي ديفيد روبرتس، رسمها خلال زيارته صور عام 1839

يبدو الحرص على عدم الإساءة إلى مشاعر المضيفين سمة بارزة في منهج أدلربيرغ، إذ يظهر احتراماً واضحاً للخصوصيات الثقافية والدينية. وحين يزور كنيسة الموارنة، يلاحظ أن "ترتيبها وزخارفها لا تختلف تقريباً عن كنائسنا الأرثوذكسية"، وهو استنتاج يعكس رغبة في التقريب بين التقاليد المسيحية الشرقية والغربية، بدلاً من إبراز الفوارق. 

كما يصف الكاتب تفاصيل الضيافة الشرقية، فيذكر أن أبناء الشيخ أحضروا "على صينية معدنية مستديرة كبيرة، إفطاراً محاطاً بأزهار طازجة عطرة"، وبعد التهامه الطعام، يعلّق: "والأزهار كانت بالتأكيد أفضل ما في الإفطار". وهذا التعليق، رغم خفته، يبقى في إطار الدعابة الودية.

  • غلاف كتاب من روما إلى القدس 1853
    غلاف كتاب من روما إلى القدس 1853

من أكثر المشاهد دلالة في نص أدلربيرغ تلك التي يصف فيها حواره مع مضيفه، الذي ظن أنه "إفرنجياً، أو أوروبياً، دخل في خدمة الباشا المصري". يصف أدلربيرغ دهشته: "الشيخ ظنّ أنني مساعد الباشا المصري"، ثم يروي: "عندما وصلنا إلى صور، كان ترجماني حسن، وهو يشرح له معنى شهادة الحجر الصحي، يسميني مساعد الحاكم الروسي الآتي من مصر، فربما انزلقت كلمة الروسي من أذني الشيخ، الذي لم يتخيل قط أنه، إلى جانب السلطان التركي والباشا المصري، هناك قوى أخرى في العالم". 

ثم يعلّق: "هذه الفكرة الأصلية أضحكتني كثيراً"، ثم يقدم "للقنصل الروسي-البريطاني، الذي لم يكن يعرف حتى أين تقع هاتان الدولتان، بعض التوضيح". وهنا يتجلى فهم أدلربيرغ للفجوة المعرفية بين عالمه الأوروبي وعالم الشيخ المحلي، من دون أن يحوّل هذه الفجوة إلى حكم بالتفوق أو الدونية.

يصف أدلربيرغ أيضاً جانباً من الوعي السياسي لدى الشيخ، الذي كان يتحدث "عن إدارة سوريا من قبل إبراهيم باشا، وعن صرامته العادلة في أفعاله"، ويذكر "الخوف والرعب الذي كان الباشا قادراً على بثه في نفوس قطاع الطرق، الذين كان يعاقبهم على السلب والقتل بعذابات مؤلمة". 

كتب أدلربيرغ نصه بلغة أدبية رفيعة، لكنها واقعية لم يخالطها الخيال أو المبالغة. لكن كتابه، "من روما إلى القدس"، منسيّ اليوم، مع أنه يمثل وثيقة ثمينة عن بلادنا، ويصوّر كيف يمكن لمحطة قصيرة وغير متوقعة في مدينة صور أن تتحول إلى نافذة على عالم كامل من العادات والأعراف التي كانت سائدة قبل 180 عاماً.

ويروي أدلربيرغ أن الشيخ كان يرى في إبراهيم باشا حامياً للعدالة، على الرغم من قسوته، إذ كان الحكام والباشوات، "بمطالبهم غير القانونية وضرائبهم المرهقة، الذين لم يكونوا أرحم من قطاع الطرق في السلب والاضطهاد، يرتجفون أمام إبراهيم باشا". فبعد حكم إبراهيم باشا بلاد الشام نحو عقد من الزمن، بدأ الأسطول المتحالف (البريطاني، النمساوي، العثماني) بقصف مدفعي عنيف عنيف طال المدن الساحلية لإجبار الجيش المصري على الانسحاب. 

تقدّمت السفن الحربية نحو صور وجوارها، وبسبب قطع خطوط الإمداد البحري والبري والانتفاضة الشعبية المسلحة، اضطرت الحاميات المصرية المرابطة في صور إلى إخلائها والانسحاب جنوباً نحو فلسطين في تشرين الأول/ أكتوبر عام 1840، وتُوِّج هذا الانهيار العسكري بعقد اتفاقية الإسكندرية في 27 تشرين الثاني/ نوفمبر.

وهنا نجد أن الشيخ الصوري، الذي استقبل أدلربيرغ عام 1846، يتحدث عن إبراهيم باشا كجزء من الماضي القريب، فتجربة حكمه لا يزال أثرها حاضراً في ذاكرة الناس. 

يروي عن إدارة الباشا، وعن صرامته العادلة، وربما يقارنها ضمنياً بالوضع العثماني المستجد بعد 1840، والذي كثيراً ما وُصف بالفساد والاضطراب وارتفاع الضرائب. وقد التقط أدلربيرغ هذه المقارنة غير المباشرة، وسجلها من دون أن يعلّق عليها، لكنها تكشف عن ذاكرة اجتماعية لدى الناس، الذين يقيّمون الحكام ليس  بالأيديولوجيا، بل بتجربتهم اليومية مع الأمن والضرائب والعدالة. وهناك نقطة دقيقة أخرى، فأدلربيرغ نفسه كان روسياً، وروسيا كانت من القوى التي ساهمت في إخراج إبراهيم باشا من الشام عام 1840. ومع ذلك، نرى في النص أن الشيخ لا يبدي أي عداء تجاه الروس، بل يستقبله بضيافة كريمة.

يومان في صور

  • الكونت نيقولاي  أدلربيرغ الحاكم الروسي العام لفنلندا
    الكونت نيقولاي أدلربيرغ الحاكم الروسي العام لفنلندا

يضيف أدلربيرغ: "مكثنا في صور يومين، ننتظر الطقس الملائم لمواصلة رحلتنا البحرية إلى يافا. وقبل غروب الشمس كنت أقوم بنزهات طويلة في ضواحي المدينة. هنا تجد في كل مكان خضرة غنية إلى جوار البحر. المنظر ساحر. وكان الهواء رائعاً، ولحسن حظنا، بعد العاصفة التي ألقت بنا في صور، حلّ السكون. إلا أنه لم يسمح لنا بالإبحار من السواحل".

يمكن القول إن مشاهدات أدلربيرغ في صور تمثل نموذجاً للكتابة الأنثروبولوجية في أدب الرحلات الروسي في القرن الــ 19، حيث يتداخل الوصف الجغرافي مع التحليل الاجتماعي، والسرد الأدبي مع التوثيق الإثنوغرافي. 

هنا نجد أن الشيخ الصوري، الذي استقبل أدلربيرغ عام 1846، يتحدث عن إبراهيم باشا كجزء من الماضي القريب، فتجربة حكمه لا يزال أثرها حاضراً في ذاكرة الناس. 

ولا يقتصر فضل أدلربيرغ على كونه شاهداً على حياة المدينة، بل يتجاوزه إلى كونه مترجماً ثقافياً بين عالمين، ينقل إلى القارئ الروسي تفاصيل دقيقة عن حياة الناس من دون أن يقع في فخ التعميم أو الاستشراق التبسيطي. 

وقد كتب أدلربيرغ نصه بلغة أدبية رفيعة، لكنها واقعية لم يخالطها الخيال أو المبالغة. لكن كتابه، "من روما إلى القدس"، منسيّ اليوم، مع أنه يمثل وثيقة ثمينة عن بلادنا، ويصوّر كيف يمكن لمحطة قصيرة وغير متوقعة في مدينة صور أن تتحول إلى نافذة على عالم كامل من العادات والأعراف التي كانت سائدة قبل 180 عاماً.

اخترنا لك