القلب الضائع في الأغنية اليمنية

"رسولي قوم بلّغ لي إشارة": كيف تحوّل القلب في الأغنية اليمنية من رمز للحب إلى كائن يتيه ويضيع ويستقر عند المحبوبة؟

غالباً ما يقترن الحبّ بالقلب، في سياق التعبير عن أيّة تجربة عاطفية، مقابل ارتباط العقل بسياقات التفكير، والمنطق والحكمة والتأمّل. لكنّ الحب قد يصل، في بعض التجارب العشقية، إلى مستوى يحلّ فيه محلّ العقل، الذي يوصف في هذه الحال بصفة الضياع. هذه الصفة، التي وجدت طريقها، إلى الإبداع الإنساني، والغنائي منه على وجه خاصّ.

حظيت صفة ضياع عقل المُحبّ هذه بحضور بارز في الأغنية اليمنية. لكنها لم تقف عند العقل وحده، بل شملت بهذا الضياع وعاء الحب نفسه (القلب)، الذي تجلّى مفقوداً، في أشهر أغنيتين يمنيّتين، احتفى مضمون كلّ منهما، بهذا النوع الفريد من الضياع.

القابض على قلب عاشقه

يقوم سياق أغنية ضياع القلب الأولى "يَا مَنْ لَقِيْ قلْبِيَ المُضْنَى" [1] على استيعاب موقف وجداني، وصل بصاحبه إلى حال متقدّمة من الشعور بفقدان قلبه:

يا مَنْ لقِيْ قلبيَ المُضْنى وِرَدّهْ إليَّ

بشارتُهْ واسِعةْ

تجلّت صفة ضياع القلب هنا رغبة في استعادته، بعد أن أُضفيت عليه مقومات الكائن الذي من الممكن رؤيته والإمساك به. وبعد اكتسابه القدرة على المشي والتيه، ثم الضياع، الذي دفع صاحبه إلى البحث عنه، فتجوّل في جهات متعددة، يسأل عنه كلّ من يصادفه، معلناً عن استعداده دفع مكافئة مغرية إلى من يجده، ويعيده إليه.

تظهر جمالية الانتقال التعبيري السلس، من فضاء التغنِّي بالبحث عن قلب اختفى من مكانه، إلى فضاء فاعل في هذا الاختفاء، بما في هذه الجمالية من إيحاء بمعرفة الحبيب المواربة بمكان قلبه.
 

ويظهر في هذا السياق نسق من التوظيف للحياة الريفية في اليمن، في سياقها المتصل برعاية الأغنام، التي قد يغفل راعيها عنها، فتشرد إحدى شياهه. وحين ينتبه إلى فقدانها، يسارع إلى البحث عنها في الجهات القريبة منه، سائلاً عنها كلّ من يراه في طريقه. 

وتجلّى توظيف هذا النسق الريفي، في الإيحاء بأنّ حال المُحبّ فاقد القلب أشبه ما تكون بحال هذا الراعي. مع احتفاظ المفقود في مقام العشق بمكانته، وقيمته، التي ارتقى من خلالها إلى مرتبة الأشياء الثمينة، التي إن فُقدت فإنّ من يعثر عليها يستحقّ مكافأة تليق بها:

شابْذِلْ لَهُ الرّوحْ والمُهْجَةْ وِمَا عادْ مَعِيَّ

يا لاقِيَ الضّايِعةْ!

يغلب على مصطلح "البشارة" في المحكية اليمنية أن يُستخدم للدلالة على تلك المكافأة، التي عادة ما يقدمها الباحث عن شيء ضاع منه إلى آخر أعاده إليه، كأن تكون هدية بسيطة، أو مبلغاً رمزياً. لكنها في هذا السياق الغنائي تجاوزت طبيعتها الرمزية. إذ تمثّلت في (روح) الباحث عن شيئه الضائع، فتساوت مع ما يبحث عنه (القلب)، إن لم تزد عليه (وَما عادْ معيّ/ كلّ ما تبقّى لديّ). وبذلك اتّسقت القيمة العالية لهذه المكافأة، مع علو المكانة، التي يحظى بها من استقر لديه القلب الضائع:

قالوا: حبيْبَكْ كَحِيْل الطّرْفْ باهِي المُحيّا

لَقاهْ، وِشَلّهْ مَعَهْ

محبوبة الباحث عن قلبه، هي من استقر لديها هذا القلب؛ فأشار إليها المحيطون به، مؤكدين هويتها بما اشتهرت به من صفات جمالية (حوراء العين/بهية المحيا)، فحاول أن يجد فيهم من يستطيع الوصول إليها، ليعيد قلبه إليه:

فقلْتُ: مَنْ مِنّكُم يِعْزِمْ يرِدُّهْ إِلِيَّ؟

وَيبْذِلَ المَنْفعَة؟!

على ما في هذا الالتماس من معنى مباشر، تساءل فيه الحبيب عمّن تتوافر لديه إمكانية اضطلاعه بتلك المهمة، إلّا أنه يتضمن إيحاء بمعرفته المسبقة بمكان اختفاء قلبه. إذ لم يكن مفاجئاً له إخباره بهوية من استحوذ عليه، كما كانت معرفته هذه هي الفاعلة في إطلاقه الوعد بتلك المكافأة النوعية، التي انطوت على إيحاء باطمئنانه إلى أنه لن يضطر إلى دفعها؛ كون استعادة قلبه من محبوبته أمراً غير ممكن، بعد أن تمكّنت من امتلاكه، وتمكّنت علاقتهما العاطفية من الرسوخ بهذا الامتلاك، المستند إلى مقوّمات جمالها. تلك المقوّمات، التي استطرد السياق الغنائيّ في التعبير عنها.

محاولة استعارة قلب

يتشكّل سياقُ أغنية ضياع القلب الأخرى- "رَسُوْلِيْ قوْمْ بلِّغْ ليْ إشَارةْ" [2] -  بمضامين تكليف الحبيب المفارق مرسالاً إلى محبوبته:

رسُوْلِيْ قُوْمْ بَلّغْ لِيْ إشارَةْ

إلى عند المَليْحْ الحَاليَ الزّيْنْ

وِشاهَبْ لَكْ إذا جوّبْ بَشارَةْ [3] 

وقالْ لكْ: مَرْحَبا، عَ الرَّاسْ والعَيْنْ

في هذا الاستهلال، لم تتجاوز (البشارة/المكافأة) سياقها الرمزي المحدود، اتساقاً مع محدودية مهمّة من سيحظى بها. تلك المهمة، التي لا تتجاوز إبلاغ المحبوبة باشتياق الحبيب إليها، والعودة منها بما يعني رضاها عنه وترحيبها به. وضمن حديث الحبيب مع مرساله هذا يدلف السياق الغنائي والشعريّ، إلى التعبير عن مركزية الشعور بضياع القلب، الذي يحاول صاحبُه أن يستعير من مرساله ما يقوم مقامه:

وإنْ بهْ عنْدكم لِي قلبْ عارَةْ

تِعيْروني؛ فقَلْبيْ ما دَريْتْ أينْ!

يصل إحساس الحبيب بانفصال قلبه عنه، إلى نوع من الشعور بالحاجة إلى استعارة قلب بديل. وعلى ما في هذه الصياغة التعبيرية من جمالية بلاغية، إلّا أن الغاية منها ليست المبالغة في توصيف حال الحبيب المفارق لحبيبته، بل الإحالة إلى حال الإحساس بفقدان قلبه، وجهله بمكانه، المحسوس والمجرد:

وقدْ دوّرْتْ لهْ بَيْن الجوَانِحْ

ولكنْ ما وجَدْتُهْ في ضُلُوْعِيْ

فبعد أن تجلّى الإحساس بضياع القلب ضياعاً معنويّاً - ضمن سياق الرغبة في استعارة قلبٍ بديل - تجلّى الإحساس بهذا الضياع في صورته المادية المحسوسة، التي جسّدها بحث الحبيب عن قلبه في مكانه البيولوجي بين ضلوعه، وعدم عثوره عليه. كما تجلّى هذا الإحساس المادي، في استفسار العين عن هذا العضو المفقود:

سألت العينْ: أينَ القلْب سارِحْ؟

فقالت: عنْدَ مَن أجْرى دمُوعيْ

فمالَك يا رَشا في النّاسْ طامِحْ!

وتهْجُرْنِي، وما ترْحَمْ دموعي!

اكتنز سؤال العين عن مكان القلب الضائع كثافة إيحائية، بمستوى عالٍ من أثر الحب الفاعل، في حياة صاحبه. ذاك العاشق المُعذّب بفراق محبوبته، التي أسرفت في هجره، غير مكترثة لحاله وغزارة دمع عينيه، اللتين أشارتا إلى غياب قلبه في استضافتها.

تجلّت صفة ضياع القلب رغبة في استعادته، بعد أن أُضفيت عليه مقومات الكائن الذي من الممكن رؤيته والإمساك به. وبعد اكتسابه القدرة على المشي والتيه، ثم الضياع، الذي دفع صاحبه إلى البحث عنه، فتجوّل في جهات متعددة، يسأل عنه كل من يصادفه، معلناً عن استعداده دفع مكافئة مغرية إلى من يجده، ويعيده إليه.

وتظهر في هذا السياق جمالية الانتقال التعبيري السلس، من فضاء التغنِّي بالبحث عن قلب اختفى من مكانه، إلى فضاء فاعل في هذا الاختفاء، بما في هذه الجمالية من إيحاء بمعرفة الحبيب المواربة بمكان قلبه:

أنا دارِيْ، وِعالِمْ أيْنَ قلْبِيْ

ولكِنْ مِنّكُمْ لا اسْطا، ولا اجْزِمْ [4]

فُؤاديْ عنْدكم قدْ صار مَسْبِي

وما يرْضى بِنَهْب النّاسْ مُسْلِمْ

يشير الحبيب، إلى يقينه بشرود قلبه إلى محبوبته. كما يبرّر عدم إفصاحه عن ذلك، بالمكانة العالية التي وصلت إليها في وجدانه، إلى الحد الذي أضفى على كل شيء متعلق بها نوعاً من الحساسية، كلما رغب في الحديث عنه أو الإشارة إليه. ثم حاول مخاطبتها، بعد أن انفتحت له نافذة هذه المكاشفة، مُتوسِّلاً إليها:

فخاف الله، أمانَةْ كُفّ حَرْبِي [5]

وبادِرْ فيْ وِصالَكْ لِيْ وأعْزِمْ

فكمْ ذا الهَجْر! ما اقْساكُمْ عليَّ!

بلا رحمةْ، ولا مُوْجِبْ لديَّ!

إذ يلتمس منها ما اعتاد عليه من الرضى والوصال، متعجّباً من تطاول صدّها له، واستمرار قسوتها عليه، حتى وصل إلى حال متأزمة من الشعور بفقدان، وضياع متعدد المسارات. تلك الحال، التي كان من أبرز تجلياتها، ما انسحق به من إحساس بضياع قلبه، الذي احتفظت به. وعلى علمه بذلك، لم يجرؤ على مناقشتها فيه، حتى جاد عليه حواره مع عينه الباكية، بهذه المساحة من المناجاة، المشتعلة بألوان الحزن والمعاناة والعذاب.

[1] كتب كلماتها الشاعر أحمد بن عبد الرحمن الآنسي، ولحّنها وغنّاها الفنان علي بن علي الآنسي، كما تغنّى بها عددٌ من الفنانين، منهم: علي عبد الله السمة، ومحمد أبو نصار، ومحمد حمود الحارثي.
[2] من كلمات الشاعر علي أحمد بن إسحاق، وألحان التراث. أبرز من تغنّى بها من الفنانين: أبو بكر سالم، فيصل علوي، أحمد السنيدار، علي الآنسي، أحمد عبيد القعطبي.
[3] "شاهبْ لك": سأعطيك.
[4] "أسطا، ولا اجزِم": أجد صعوبة بالغة في التعبير عن شيءٍ ما.
[5] "أمانةْ كُفّ حرْبي": تُستخدم كلمة "أمانة" في المحكية اليمنية، في سياق التوسُّل، الذي يبلغ أعلى مستوى من مستويات الإلحاح.

اخترنا لك