القاهرة.. عاصمة مؤقتة للفن السوداني
كيف أعاد الفنانون السودانيون في مصر إحياء تراثهم الموسيقي والتشكيلي؟ وكيف تحوّلت القاهرة من بلد للجوء إلى مساحة لإعادة بناء الفن والذاكرة الثقافية السودانية؟
أعاد "اليوم العالمي للاجئين"، الذي يوافق 20 حزيران/يونيو، التذكير بالتحديات التي يواجهها اللاجئون حول العالم، ومن بينهم الفنانون السودانيون الذين دفعتهم الحرب إلى مصر، حيث تجاوز سعيهم لمحاولة التأقلم مع واقع اللجوء إلى إعادة بناء فضاء ثقافي يحافظ على الموسيقى والفنون السودانية، ويعيد إنتاجها في المنفى.
فمع نزوح ملايين السودانيين إلى دول الجوار، كانت مصر إحدى أبرز الوجهات التي استقبلت أيضاً مئات الفنانين الذين شرعوا في بناء فضاء ثقافي جديد.
وبدأت تتشكّل في القاهرة مبادرات وفرق موسيقية وكورالات وورش فنية، كان هدفها الحفاظ على التراث السوداني من الضياع وإعادة إنتاجه في بلد اللجوء، لا استئناف النشاط الفني فحسب.
"الكاميراتا"... من ركام المتحف إلى خشبة المسرح
-
دفع الله الحاج، فرقة "الكاميراتا"
من هذا المنطلق، تحوّل بلد اللجوء إلى مساحة لإعادة صياغة الذاكرة وتوثيقها، وبناء شبكات جديدة من التعاون الثقافي، وهو ما قام به الموسيقي السوداني والأستاذ في جامعة التكنولوجيا والدراما، ومؤسس فرقة "الكاميراتا"، دفع الله الحاج، الذي عمل لسنوات طويلة، قبل اندلاع الحرب، على توثيق التراث الموسيقي السوداني وحفظه.
فمنذ عام 1997، أسّس مركزاً للموسيقى التقليدية السودانية، ضمّ عشرات الفرق الشعبية من مختلف أقاليم البلاد، وأقام له 8 فروع، بهدف جمع الموروث الموسيقي السوداني بمختلف تنوّعاته وتوثيقه.
وشمل المشروع أيضاً جمع الآلات الموسيقية التقليدية من أنحاء السودان، وتوثيق تاريخها وطرق صناعتها واستخداماتها، وصولاً إلى إنشاء متحف متخصص ضمّ مجموعة كبيرة من هذه الآلات.
غير أن الحرب وضعت هذا المشروع أمام خسارة فادحة، بعدما تعرّض المتحف للتدمير والنهب، وفُقدت مقتنيات جمعها الحاج على مدى نحو 3 عقود.
ومن رحم هذا المشروع، انطلقت فرقة "الكاميراتا" للفنون الشعبية، التي تحوّلت إلى واحدة من أبرز الفرق المعنية بتقديم التراث الموسيقي السوداني. وضمّت الفرقة، قبل الحرب، نحو 40 عازفاً ومغنياً وراقصاً، وقدّمت أعمالها بأكثر من 20 لغة ولهجة سودانية، في تجسيد للتنوع الثقافي الذي تتميز به البلاد.
وبعد انتقاله إلى مصر، أعاد دفع الله الحاج تشكيل فرقة "الكاميراتا"، وإن كان بعدد أقل من أعضائها، ليضم إليها عدداً من الموسيقيين المصريين الذين سبق أن تعاونوا معه في مشروعات فنية.
وفي هذا الخصوص، يقول الحاج لـ"الميادين الثقافية": "أتاح لنا إخواننا المصريون مساحة كبيرة لتقديم تراثنا، كما عقدنا شراكات مع فنانين مصريين، سواء قبل الحرب أم بعدها. فشراكتنا مع عازف الإيقاع وليد عبده سبقت قدومنا إلى مصر، وبعد استقرارنا فيها تعاونّا أيضاً مع ملكة آلة الربابة المصرية، صفاء الهلالي، في عدد من الورش الفنية، إلى جانب ما قدّمناه من عروض مشتركة في الجامعة الأميركية في القاهرة، وفي الإذاعة والتلفزيون المصري".
ترى المغنية السودانية سارة ريقي أن الانتقال إلى مصر غيّر طبيعة أعمالها الموسيقية، إذ أصبحت تميل إلى تقديم محتوى أكثر بساطة، واختيار نصوص وألحان يغلب عليها الشجن الممزوج بالأمل والإصرار، موضحة أنها تعمل حالياً على إنتاج أعمال خاصة تعبّر عن هويتها السودانية، من خلال مزج الإيقاعات السودانية بروح موسيقية معاصرة تتجاوز الحدود الجغرافية.
ويؤكد الحاج أن هناك تشابهاً بين الموسيقى الشعبية السودانية ونظيرتها المصرية، خاصة كلما اتجهنا جنوباً.
ويضيف أن هذا التشابه حفّزه على تقديم أعمال جرى فيها المزج بين بعض الإيقاعات المصرية والسودانية، وهو أمر يعدّه مؤسس "الكاميراتا" صورة من صور التجديد التي أتاحتها البيئة الجديدة.
وعن طبيعة الأغاني التي أصبحت الفرقة تقدمها في بلد اللجوء، يتحدث دفع الله الحاج عن غلبة طابع الحنين والتطلع إلى العودة إلى الوطن عليها. ومن هذه الأغاني: "طرب اللودة"، و"الله يصلح الحال ونرجع لبلدنا".
هذا الحنين حفّز الحاج على انتهاز أول فرصة للعودة إلى السودان، ليقف على الخسائر الفادحة التي لحقت بمركزه القديم. ومع ذلك، بدأ من جديد في جمع الآلات التراثية ولملمة شتات الفرقة الكبيرة، انطلاقاً من "مركز الموسيقى التراثية السودانية" في أم درمان، مؤكداً أن ذلك يأتي في إطار حرصه على حفظ التراث الفني للأجيال المقبلة، وهي المهمة التي اضطلع بها طوال حياته المهنية.
الفنان التشكيلي السوداني... تحديات الإبداع في المنفى
-
سوزان إبراهيم
من جانبها، تعتبر الفنانة التشكيلية، سوزان إبراهيم، أن فترة النزوح كانت من أصعب التجارب وأقساها التي مرّت بها في حياتها.
وتضيف لـ"الميادين الثقافية": "إلى جانب المشقة الجسدية والنفسية للرحلة، فقد خلّفت ورائي كامل أدواتي وموادي، ومعظم إنتاجي طوال السنوات السابقة على الحرب".
وتستكمل: "حين قامت الحرب، وجدت نفسي في عزلة فنية وفي تخبط على المستويين الاجتماعي والنفسي، ولازمني هذا الشعور حتى بعد لجوئي إلى مصر. ثم بدأت، شيئاً فشيئاً، أتعامل مع هذا الوضع الجديد، محاولةً البدء مرة أخرى في عملي رسامةً وفنانة".
وعن المشهد الفني السوداني الذي تشكّل في مصر إثر اللجوء، تتحدث سوزان عن غلبة طابع التعافي ومحاولة الاستشفاء مما لحق بالفنانين أثناء الحرب عليه.
ومن وجهة نظرها، أسهمت المبادرات والفعاليات الثقافية في القاهرة في توفير مساحة لا بأس بها للفنانين السودانيين من أجل عرض أعمالهم ونشرها، مؤكدة أن الفنانين السودانيين الذين وجدوا في القاهرة قبل اندلاع الحرب بفترات طويلة أسهموا كذلك في التعريف بهم في الأوساط المصرية.
أما أبرز التحديات التي واجهها الفنانون التشكيليون السودانيون، فهي صعوبة عرض أعمالهم في صالات العرض الخاصة، مقارنة بسهولة العرض في السودان. وتضيف إبراهيم: "يتطلب عرض أعمالك في مصر أن تكون صاحب تجربة واسعة، وأن تمتلك اسماً فنياً، وهو ما يحتاج إلى وقت وصبر طويلين".
تحوّل بلد اللجوء إلى مساحة لإعادة صياغة الذاكرة وتوثيقها، وبناء شبكات جديدة من التعاون الثقافي، وهو ما قام به، دفع الله الحاج، الذي عمل لسنوات طويلة، قبل اندلاع الحرب، على توثيق التراث الموسيقي السوداني وحفظه.
وتؤكد أنه، إلى جانب ذلك، ثمة صعوبات كثيرة تحول دون تسويق أعمالهم، ما يشكّل عائقاً كبيراً أمام مسيرتهم الفنية وظروفهم المعيشية، خاصة في هذه الفترة الحرجة.
وتأمل سوزان أن تُتاح لها الفرصة يوماً ما لإقامة معرض فردي، تبث فيه مكنونات نفسها وخباياها، بعدما شاهدت ومرّت بالكثير خلال السنوات الماضية.
الإيقاع السوداني بروح جديدة
-
سارة ريقي
من بين الأصوات السودانية التي واصلت حضورها الفني في مصر، تبرز المغنية وعازفة الغيتار، سارة ريقي، التي كانت تقدم قبل الحرب مشروعاً موسيقياً يمزج بين الأغاني العربية والإنجليزية، إلى جانب ألوان موسيقية متنوعة، من بينها موسيقى الريغي والإيقاعات السودانية.
وتقول ريقي في حديث مع "الميادين الثقافية" إن الحرب تركت أثراً بالغاً في مسيرتها الفنية، بعدما فرضت عليها التوقف المؤقت وفقدان كثير من مقتنياتها، مضيفة: "خلقت الصدمة والتوقف المؤقت وفقدان كل شيء أثراً نفسياً كبيراً، لكن مع مرور الزمن حاولت لمّ شتات نفسي بالموسيقى، واستطعت كسر الصمت الذي فرضته الحرب، ثم بدأت التأقلم مع واقع جديد في القاهرة".
وترى المغنية السودانية أن الانتقال إلى مصر غيّر طبيعة أعمالها الموسيقية، إذ أصبحت تميل إلى تقديم محتوى أكثر بساطة، واختيار نصوص وألحان يغلب عليها الشجن الممزوج بالأمل والإصرار، موضحة أنها تعمل حالياً على إنتاج أعمال خاصة تعبّر عن هويتها السودانية، من خلال مزج الإيقاعات السودانية بروح موسيقية معاصرة تتجاوز الحدود الجغرافية.
وتوضح ريقي أن إيجاد موطئ قدم للفنان في القاهرة يتطلب جهداً كبيراً، مؤكدة أنها واصلت نشاطها الفني عبر تأسيس فرقة "بلاد"، التي تقدم أعمالاً سودانية متنوعة إلى جانب أعمال عالمية. ومن خلال فرقتها، قدّمت عروضاً في "المعهد الثقافي الفرنسي" ومعهد "غوته" الألماني.
أسهمت المبادرات والفعاليات الثقافية في القاهرة في توفير مساحة لا بأس بها للفنانين السودانيين من أجل عرض أعمالهم ونشرها، مؤكدة أن الفنانين السودانيين الذين وجدوا في القاهرة قبل اندلاع الحرب بفترات طويلة أسهموا كذلك في التعريف بهم في الأوساط المصرية.
وتلفت الفنانة الشابة إلى أن تعاونها مع موسيقيين مصريين، من بينهم فرقة "مشوار" وفرقة "جنوب الوادي" في الإسكندرية، إلى جانب مشاركاتها في الورش المفتوحة ضمن مهرجان القاهرة السنوي لموسيقى الجاز، أتاح لها الاحتكاك بتجارب موسيقية متنوعة، وأسهم في إثراء أعمالها وإبراز إمكانات المزج بين الإيقاعات السودانية والمصرية.
ورغم ذلك، تؤكد سارة أن إنتاج الأعمال الموسيقية لا يزال يواجه تحديات عديدة، في مقدمتها ارتفاع تكاليف الإنتاج، إلى جانب الإجراءات المطلوبة للحصول على تصاريح الغناء وإقامة الحفلات وتصوير الأعمال الفنية، معتبرة أن هذه المتطلبات تمثّل عبئاً كبيراً على الفنانين السودانيين المقيمين في مصر.
وترى ريقي أن الفنانين السودانيين يحتاجون إلى تيسير الإجراءات المنظمة للنشاط الموسيقي، إلى جانب توفير مؤسسات وشركات إنتاج تتبنى أعمالهم، ولا سيما الفنانين الشباب.
