الفن التشكيلي المصري.. من توثيق حياة البسطاء إلى سوق المزادات العالمية
كيف تحولت أعمال رواد الفن التشكيلي المصري إلى قطع تحقق أسعاراً قياسية في المزادات العالمية؟ ولماذا تحظى السوريالية المصرية باهتمام متزايد عالمياً؟
تحوّلت أعمال عدد من روّاد الفن التشكيلي المصري إلى أسماء بارزة وثابتة الحضور في المزادات العالمية، مع تسجيل بعضها أسعاراً قياسية خلال العقدين الأخيرين.
والمفارقة أن جانباً مهماً من هذه الأعمال ارتبط بتصوير حياة العمال والفلاحين والفئات الشعبية، بينما تناولت أعمال أخرى الطقوس الدينية والهوية الوطنية والتحولات السياسية، ولم تكن في الأصل موجّهة إلى المستثمرين أو سوق الاقتناء العالمي.
وتفتح هذه المفارقة باباً للتساؤل حول أسباب صعود الفن المصري في السوق العالمية، ودور الندرة والقيمة الفنية وسجلّ الملكية وحركة الاستثمار في تحديد الأسعار، ولماذا تحظى أعمال بعض رواد الحداثة والسوريالية المصرية باهتمام متزايد من دور المزادات وجامعي الأعمال الفنية.
فخلال العقدين الأخيرين، سجّلت المزادات الدولية، وفي مقدمتها مزادات "كريستيز"، مبيعات لافتة لأعمال روّاد الفن المصري الحديث. فقد بيعت لوحة "الدراويش المولوية" لمحمود سعيد عام 2010 مقابل 2.55 مليون دولار تقريباً، بينما بيعت لوحته "الشواديف" في العام نفسه مقابل 2.43 مليون دولار تقريباً.
كما بيع عمل "حفر قناة السويس" لعبد الهادي الجزار في "كريستيز" دبي عام 2014 مقابل 1.02 مليون دولار تقريباً. والعمل منفّذ بالألوان المائية والغواش والحبر على الورق، ويعود إلى عام 1965.
كذلك، سجّلت لوحة "شارع القرية" لإنجي أفلاطون سعراً بلغ 69,850 جنيهاً إسترلينياً في "كريستيز" لندن عام 2025، فيما بيعت لوحة "الزعيم وتأميم القناة" لحامد عويس مقابل 557 ألف دولار في "كريستيز" دبي عام 2014.
ولا يقتصر التسعير على القيمة الفنية وحدها. إذ تشير تقارير متخصصة في سوق الفن إلى أن بعض المستثمرين يتعاملون مع الأعمال التشكيلية بوصفها أصلاً بديلاً يمكن أن يسهم في تنويع المحافظ الاستثمارية.
ومع ذلك، فإن هذه الأعمال لا تضمن الاحتفاظ بقيمتها أو تحقيق عوائد مرتفعة، نظراً إلى تأثرها بتقلبات الطلب ومحدودية السيولة وتكاليف البيع والتأمين والحفظ والترميم. وتزداد فرص ارتفاع القيمة عادةً في حالة الأعمال النادرة ذات التاريخ الموثّق والحضور الفني والمؤسسي البارز.
لماذا ترتفع الأسعار؟
-
لوحة "حفر قناة السويس" لعبد الهادي الجزار
يعتمد تسعير اللوحات التشكيلية على مجموعة من العوامل، من بينها مكانة الفنان، وندرة الأعمال المتاحة، وسجلّ الملكية، وحالة اللوحة، ومشاركاتها السابقة في المعارض والمتاحف، فضلاً عن اتجاهات الطلب داخل سوق الفن العالمي.
كما أن محدودية الأعمال الُمتاحة لفنانين مصريين في المزادات الدولية تزيد من حدة المنافسة عليها، وهو ما ينعكس على الأسعار النهائية.
وفي هذا الخصوص، ترى الفنانة التشكيلية وخبيرة ترميم اللوحات، مروة قاسم، أن ارتفاع أسعار أعمال روّاد الفن التشكيلي المصري في المزادات العالمية يرتبط، من بين عوامل أخرى، بارتفاع أسعار أعمال عدد من الفنانين الأوروبيين واتجاه بعض المشترين وصنّاع السوق إلى البحث عن مناطق وتجارب فنية أخرى تتميز بمستوى عالٍ من الجودة.
يواجه المسؤولون عن هذا القطاع تحدياً يتمثل في مدى امتلاك مصر الأدوات والمؤسسات اللازمة لتوثيق تراثها التشكيلي والحفاظ عليه، بدلاً من أن تظل قيمته السوقية تتحدد أساساً خارجها، وفي أسواق لا تملك المؤسسات المصرية تأثيراً كافياً في مسارها.
وكانت مصر من بين الأسواق التي استقطبت هذا الاهتمام، بحكم ريادتها التاريخية في حركة الفن التشكيلي الحديث في المنطقة.
وتوضح قاسم، في تصريحات خاصة لــ "الميادين الثقافية"، أن الاهتمام المتزايد في دول الخليج بالفن التشكيلي، والاتجاه إلى تأسيس متاحف ومؤسسات وتنظيم مزادات ومعارض متخصصة، أسهمت أيضاً في رفع أسعار أعمال الفنانين المصريين، ولا سيما الروّاد، في ظل محدودية أعمالهم وارتفاع مستواها الفني.
السوريالية المصرية
-
لوحة "الدراويش المولوية" لمحمود سعيد
ومن اللافت كذلك الحضور المتكرر لأعمال فنانين ارتبطوا بالسوريالية المصرية أو تأثروا بها في مراحل من تجاربهم في مزادات عالمية. وترى قاسم أن هذا الاهتمام يعود إلى خصوصية هذه التجربة التي جمعت بين الحداثة الأوروبية والواقع المصري.
وتُعد جماعة "الفن والحرية"، التي ظهرت في مصر في أواخر ثلاثينيات القرن الــ 20، من أبرز التجارب المرتبطة بالسوريالية المصرية. وضمّت أسماء مثل جورج حنين، ورمسيس يونان، وكامل التلمساني، وفؤاد كامل.
كما تأثرت إنجي أفلاطون بالسوريالية في بداياتها، قبل أن تنتقل لاحقاً إلى الواقعية الاجتماعية، ثم إلى أسلوب أكثر تحرراً واحتفاءً بالطبيعة والحياة اليومية.
وتوضح قاسم أن السوريالية اتجاه فني يتّسم بالصعوبة والتعقيد، وأن عدد الفنانين المصريين الذين قدّموا تجارب متميزة ضمنه كان محدوداً، وهو ما جعل الأعمال البارزة في هذا الاتجاه أكثر ندرة.
القيمة الفنية لا تعني بالضرورة سعراً مرتفعاً. فقد تتمتع بعض الأعمال بأهمية فنية كبيرة من دون أن تحقق سعراً يتناسب معها، لأن القيمة السوقية تتأثر أيضاً بالعرض والطلب، وشهرة الفنان، والتسويق، والمضاربات داخل السوق.
وتضيف أن إنتاج هؤلاء الفنانين يجد اهتماماً أوسع في بعض الأسواق الدولية مقارنة بالسوق المحلية.
وفي المزادات، لا تتوقف قيمة اللوحة على اسم الفنان وحده، إذ تلعب حالتها الفيزيائية دوراً مؤثراً في تحديد سعرها. فالترميم الاحترافي المدروس والموثّق يمكن أن يساعد على استقرار حالة العمل والحفاظ عليه، بينما قد يؤدي الترميم غير العلمي أو التدخل المفرط إلى خفض قيمته السوقية بصورة كبيرة.
كما تعتمد دور المزادات على تقارير لحالة العمل توضح الخامات المستخدمة، ومظاهر التلف، وأعمال الترميم السابقة، إن وُجدت.
ويدرس ذلك إلى جانب سجلّ الملكية، وإثبات الأصالة، وموضوع العمل، وتاريخ عرضه ونشره، ومكانة الفنان داخل الحركة الفنية، وهي عناصر تدخل مجتمعةً في عملية التقييم قبل عرض العمل للبيع.
تحولت أعمال عدد من رواد الفن التشكيلي المصري إلى أسماء بارزة وثابتة الحضور في المزادات العالمية، رغم أن جانباً مهماً منها ارتبط بتصوير حياة العمال والفلاحين والفئات الشعبية، ولم يكن موجهاً في الأصل إلى المستثمرين أو سوق الاقتناء العالمي.
لكن القيمة الفنية لا تعني بالضرورة سعراً مرتفعاً في السوق. وتشير قاسم إلى وجود أعمال تتمتع بقيمة فنية عالية، لكنها لا تحقق أسعاراً تتناسب معها، مؤكدة أن السعر يتأثر بعوامل عدة، من بينها شهرة الفنان، وحجم المعروض والطلب، والمضاربات داخل السوق، والتسويق الذي يمكن أن يلعب دوراً مهماً في تحديد القيمة المادية للعمل.
وتوضح قاسم أن دوافع اقتناء الأعمال الفنية تختلف من شخص إلى آخر؛ فهناك من يقتنيها تقديراً لقيمتها الفنية، بينما يتعامل آخرون معها باعتبارها استثماراً، مشيرة إلى أن الأعمال ذات الأسعار المرتفعة تجذب، في الغالب، شريحة أكبر من المستثمرين.
ما وراء السعر
-
لوحة "الزعيم وتأميم القناة" لحامد عويس
في المقابل، يظل ارتفاع الأسعار في المزادات غير كافٍ وحده للحكم على حضور الفن المصري عالمياً. فالسعر المرتفع قد يلفت الانتباه إلى الفنان وعمله، لكنه لا يضمن بالضرورة استمرار هذا الاهتمام.
ذلك أن المكانة الفنية تُبنى أيضاً من خلال الدراسات الأكاديمية، والمعارض، واقتناء المتاحف، والتوثيق، وإعادة قراءة التجارب الفنية.
من هنا تبرز أهمية توثيق أعمال روّاد الفن التشكيلي المصري والحفاظ عليها، خصوصاً مع انتقال عدد منها إلى مجموعات خاصة خارج مصر. فكلما توافرت معلومات دقيقة عن العمل وتاريخه ومالكيه السابقين وحالته الفنية، أصبح من الأسهل التحقق من أصالته والحفاظ على قيمته الفنية والسوقية. ويساعد ذلك أيضاً على بناء سجلّ أكثر وضوحاً للفنان وأعماله داخل السوق العالمية.
لا تتوقف قيمة اللوحة في المزادات على اسم الفنان وحده، بل تتحدد أيضاً وفق ندرة العمل، وسجل ملكيته، وحالته الفيزيائية، وتاريخ عرضه، وإثبات أصالته، ومدى حضوره في المعارض والمتاحف والمراجع الفنية.
وتؤكد خبيرة الترميم أن هذه العوامل تحدد بدرجة كبيرة القيمة السوقية للعمل الفني، حيث تطلب دور المزادات عادةً ملفاً توثيقياً للعمل، بحسب أهميته وطبيعة المزاد. وقد يشمل هذا الملف سجلّ الملكية، وموضوع العمل وتاريخه، وأسماء مالكيه السابقين، ومشاركاته في المعارض، والمراجع التي نُشر فيها، وتقارير حالته، وعدد مرات ترميمه وطبيعة التدخلات التي أُجريت عليه، إن كان قد خضع للترميم.
وبينما يواصل السوق العالمي البحث عن الأعمال النادرة القادرة على جذب الطلب وتحقيق قيمة مستقبلية، يواجه المسؤولون عن هذا القطاع تحدياً يتمثل في مدى امتلاك مصر الأدوات والمؤسسات اللازمة لتوثيق هذا التراث والحفاظ عليه والاستفادة من الاهتمام الدولي به، بدلاً من أن تظل قيمته السوقية تتحدد أساساً خارجها، وفي أسواق لا تملك المؤسسات المصرية تأثيراً كافياً في مسارها.
