البارون برامبيوس في كسروان: 200 عام على رجم العاشقيْن الآثمين

من هو البارون برامبيوس الذي زار جبل لبنان قبل 200 عام؟ وماذا جاء في شهادته على رجم عاشقَيْن حتى الموت في أعالي كسروان؟

بعد 14 عاماً على إقامته في جبل لبنان، مطلع عشرينيات القرن الــ 19، كتب أوسيب إيفانوفيتش سينكوفسكي (1800–1858)، الملقب بالبارون برامبيوس قصتين تحت عنوان جامع هو "ذكرياتي عن سوريا"، خاطب نفسه قبل البدء بهما: "بعدما انقضت سريعاً جذوة الشباب، التفت إلى الخلف والقِ نظرة على خطّ الحياة الطويل الذي تركته وراءك. ستراه كحقلٍ ناضر اجتاحته فرقة عسكرية معادية، فدمّرته، وتناثر في أرجائه هشيم ذابل". 

تسأل المستشرقة إيرينا ميخائلوفنا سميليانسكايا (1925 - 2019)، التي درست أعمال سينكوفسكي بعمق: "من أين حلّ عليه كل هذا الحزن، ومن أين أتته هذه المقارنة المأسوية بين سنوات الشباب وحقلٍ ناضر اجتاحته فرقة معادية فاستحال هشيماً؟".

سينكوفسكي مستشرق روسي من أصل بولندي، يعتبر مؤسس مدرسة الاستشراق الروسية. ولد بعد 5 سنوات من تحوّل استقلال بولندا إلى حلم قومي بعيد المنال، أي بعدما محت الإمبراطورية الروسية ومملكة بروسيا وملكية هابسبورغ من خريطة أوروبا عام 1795 دولة عظمى كانت تسمى بـ"الكومنولث البولندي اللتواني". تقاسمت الدول الثلاث في ما بينها أراضي الكومنولث البائد، الذي استمر في الوجود نحو 225 سنة. 

نشأ سينكوفسكي في أسرة بولندية نبيلة، وتلقى تعليماً منزلياً، ثم درس اللغات الشرقية في جامعة فيلنوس (الآن، عاصمة ليتوانيا)، وسافر مبكراً إلى السلطنة العثمانية ومصر ولبنان وفلسطين وسوريا والنوبة والحبشة، حيث أتقن العربية، حتى قيل عنه إنه صار يتحدثها بلا لكنة، وجمع المخطوطات والفلكلور. 

عمل مترجماً في الممثلية الروسية في اسطنبول، ثم أستاذاً للغتين العربية والتركية في جامعة سان بطرسبورغ، ونال عضوية الجمعيات العلمية في وارسو وكراكوف ولندن، وأصبح عضواً مراسلاً للأكاديمية الروسية للعلوم، تاركاً أرضية صلبة في حقول الدراسات الشرقية وعدداً كبيراً من التلاميذ. 

في مقابل الأفكار المنتشرة في العالم المسيحي حول التعصب لدى المسلمين، رسم سينكوفسكي في نصّه "العاشقين الآثمين" مشهداً عن ردود الأفعال الدينية المسيحية، المتسمة أيضاً بالقسوة المتطرفة، ولا سيما في حال التعرض للمصالح السياسية الطائفية.

في الجانب الأدبي، اشتهر بلقب "البارون برامبيوس"، وأسس مجلة "مكتبة القراءة" التي أحدثت نقلة نوعية في الصحافة الروسية. وضع سينكوفسكي أسساً تحريرية ثابتة في المجلة وأجرى نظام الأجر عن الصفحة، ونشر فيها أعمال ألكسندر بوشكين ونيقولاي غوغول. كتب قصصاً ساخرة حادّة، مثل "الشيطان في خروجه الكبير" و"الرحلة العلمية إلى جزيرة الدب"، مزج فيها الخيال بالنقد الاجتماعي والديني، كما كتب عدداً من الحكايات الشرقية المبنية على ترجماته من العربية. 

تركّب أسلوبه بين الهجاء والمقالة الافتتاحية التوجيهية. انتهت حياته في فقر، تاركاً إرثاً غنياً في العلم والأدب والصحافة.

"العاشقان الآثمان"

  • جبل لبنان بريشة ويليام بارتليت تعود الى ثلاثينيات القرن الــ 19
    جبل لبنان بريشة ويليام بارتليت تعود الى ثلاثينيات القرن الــ 19

كان سينكوفسكي في طريقه من الجزيرة إلى دير القمر في جبل لبنان. وصف في قصته "العاشقان الآثمان" الطبيعة والطريق من الساحل صعوداً إلى أعالي كسروان، ووصل إلى السفح الغربي لجبل "المحجّرة". 

يقول: "سمّرت نظري على نقطة صغيرة متحركة تبيّن لي بمساعدة المنظار أنها جمع من الناس. جمع من الناس في هذه الساعة المبكرة! مشهد أثار دهشتي". فصل واد بينه وبينهم. يضيف: "على سفح الجبل المقابل شاهدت ديراً مارونياً، هو واحد من 340 ديراً زرعت في هذا الجبل. وعلى سفح الجبل ساحة.. هناك تحلق جمع الناس. ولاحظت حركة في الوادي وعلى جميع الطرق الجبلية، كان الناس يتنقلون سيراً أو على ظهور الدواب من جميع الجهات. قال لي مرافقي الدرزي: ربما يكون هذا تجمعاً عسكرياً. لكنني لم أوافق على هذا الرأي فلم أر مع هؤلاء الناس سلاحاً، بل تمكنت من رؤية بعض النسوة والرهبان الموارنة بين الجموع. لكن بعد المسافة لم يتح لنا التحقق في ما كان هؤلاء الناس يفعلون".

يتابع الكاتب: "تحركنا إلى الأمام مع تزايد أعداد الناس من ساعة لساعة، وقد استفز ذلك فضولي فلم أرفع المنظار عن مكان تجمعهم. شرعنا في الهبوط على السفح عبر ممر ضيق نحو الوادي. وكلما كنا نقترب من مستوى التجمع، في الجهة المقابلة، كلما بدت حركة الحشد أكثر وضوحاً. رأيت جماعات كثيرة وقد انفصلت عن الحشد الكبير تقف في أماكن وعرة مرتفعة أو على الحجارة والصخور، وجماعات أخرى تتحرك مسرعة كأنها في هياج واضطراب. لمحت بين الحشد راهباً كاثوليكياً يحمل صليباً كبيراً كأنه يقود الناس أو يتزعمهم. ظننت، للوهلة الأولى أنها جنازة، لكنّي لم ألحظ ما يدل على وجود مقبرة هناك فاستنتجت أنهم تجمعوا لممارسة طقس خاص بهم. وفجأة بدأت الجموع تتفرق وأخذ الكثيرون يتراكضون مبتعدين عن مركز التجمع في اتجاهات مختلفة، ورأيتهم ينحون إلى الارض ليتلقطوا شيئاً ما ثم يعودون أدراجهم بسرعة". 

أعلن الشاب أمام الجميع أن لا شيء في العالم يستطيع إرغامه على الابتعاد عن هذه الفتاة، وأقسم أنه سيحبها حتى الممات، وإذا ما حاول أحد ملاحقته مرة أخرى فسيرحل إلى صيدا ويعيش هناك بحماية الباشا.

أثناء هبوطه نحو الوادي مع مرافقه التقى بشاب صاعد في الاتجاه المعاكس، يقود 4 حمير محملة طحيناً. سأله: "ماذا يفعلون هناك على الجبل؟"، فأجابه الشاب: "أين؟ هناك؟... يرجمونهما بالحجارة". 

تابع سينكوفسكي: "الويل لك، ماذا تقول؟ كيف يرجمونهما بالحجارة؟ ومن؟ ولماذا؟". فأجابه الشاب: "إنهم يرجمون العاشقين. الفتاة وعاشقها". 

لكن الدرب ضيق، فحصل تلاسن سرعان مع تحول إلى عراك بين الشاب الماروني ومرافق سينكوفسكي الدرزي، ولم ينته إلا بعدما رجا سينكوفسكي مرافقه أن يتوقف: "وبقدرة قادر تجاوز أحدنا الآخر وافترقنا، وسارت الدواب بهدوء في اتجاهين متعاكسين، بينما ظل صاحباهما يتبادلان النظرات والشتائم لمسافة طويلة. لم أفكر إلا بمصير العاشقين البائسين هناك على الجبل المقابل وهما يموتان تلك الميتة الفظيعة، فوجهت منظاري الى تلك البقعة... حتى انقبض قلبي ولم أعد أستطيع النظر إليها...". 

حديث "الدكنجي"

  • سينكوفسكي بالزي العربي
    سينكوفسكي بالزي العربي

بعد ساعة وصل سينكوفسكي ومرافقه "إلى دكان، وهو عبارة عن كوخ نُصب بين أشجار الخروب الرائعة، حيث كان قروي عجوز يبيع للمارة القهوة والخيار والشراب المثلج. تمددت عدة بغال في الظل، وافترش بعض المكاريين الدروز والموارنة الأرض في حلقة. كانوا يدخنون لفائف التبغ ويحللون الأخبار المحلية، أي أخبار إعدام العاشقين البائسين. وترأس الاجتماع صاحب الدكان وأدار الحديث وهو جالس ولفافة التبغ في فمه. كان عبوس الوجه صارم الملامح بما يتناسب تماماً مع لقب الناطق الرسمي الذي أطلقه على نفسه. كان وحده الملم بتفاصيل القضية كلها، وإذا ما حاول أي من الحاضرين إضافة أي خبر لا يتفق مع ما يقوله، كان ينهره ويوقفه عن الحديث فوراً". 

وصل سينكوفسكي والحديث محتدم. بادره الدكنجي: "السلام عليك أيها الإفرنجي. هل الامور على ذوقك؟ اجلس هنا على الحصيرة. هل تأمرنا بشيء؟ يا ولد. قدم القهوة للمعلم. من أين أنت قادم؟ لقد طال انتظارك. لف سيجارة أو أعمر لك نفساً على كيفك؟ سأخبرك بالقضية كلها. حسناً. في الشوير، أتعرف الشوير؟ كانت فتاة صبية اسمها هلون. كان والدها يملك حقلاً من التبغ اغتصبه منه الشيخ منصور فمات من كربه، وربما خشية أن يموت جوعاً. كانت له ابنة في الثانية عشرة من عمرها. جميلة، عيناها كبيرتان مثل قبضة يدي. بقيت يتيمة. حسناً. وبعد فترة قصيرة تعرفت على شاب طائش من القرية التي تراها هنا أمامك في الوادي. اسمه حبّ. وكانت أمه ساحرة ولعلها لقنت حرفتها في السحر لابنها لأنه كان يجلس هنا طوال النهار ويحيى الليل في الشوير. تصوّر، هل الشوير قريبة؟ كم تفصلنا عنها من الجبال والوديان؟ لكنه كان يذهب إلى هناك على ظهر إبليس. حسناً. أنا نفسي رأيت مرتين جسماً ضخماً أسود اللون أكبر من الثور له ذيل طويل يطير في الليل عبر هذا الجبل إلى الشوير مباشرة. كان يحبّ هلون وهي كانت تبادله الحب. وماذا يُنتظر من إمرأة أفعى؟ حسناً. كانت هي أيضاً بارعة في السحر، فولدت منه طفلاً". ابتسم سينكوفسكي متعجباً: "الله يرضى عليك أيها الدكنجي. لماذا تضلل عباد الله؟ ومن أجل هذا، هل على المرء أن يكون ساحراً؟". إلا أن صاحب الدكان صرخ في وجهه مستنكراً وشرع يحاول إثبات روايته بكل ما أوتي من قوة.

وُوري نصفا جسديهما الأسفلين في حفرة، وصدراهما إلى أعلى. وانهال الرعاع الذين جمعهم الملتزمون وبتحريض منهم، عليهما بالحجارة، فهشموا رأسيهما وجسديهما.

يضيف سينكوفسكي: "لم أعد أصغي إليه. وعند الغروب التقيت في دكان آخر ببعض الموارنة العقلاء الذين حضروا حفل تنفيذ الإعدام وعادوا إلى منازلهم، وقد أخذت الحمرة منهم مأخذاً. روى لي هؤلاء القصة على نحو أبسط بكثير: كانت الفتاة هلون يتيمة فعلاً لا يرعاها أحد. ولسوء حظها لم تتمكن من تجنب الإغواء والوقوع في حب شاب يتيم هو أيضاً. أمه ابنة عم أمها. استخدمت السلطة المحلية مختلف الوسائل لفسخ العلاقة بينهما والتي استمرت لسنوات عدة. أخيراً حبستهما في زنزانة وظلا يتعذبان فيها سنة ونصف السنة. وعندما أطلق سراحهما عادا للالتقاء من جديد. وأعلن الشاب أمام الجميع أن لا شيء في العالم يستطيع إرغامه على الابتعاد عن هذه الفتاة، وأقسم أنه سيحبها حتى الممات، وإذا ما حاول أحد ملاحقته مرة أخرى فسيرحل إلى صيدا ويعيش هناك بحماية الباشا. كان هذا التهديد كافياً لرجمهما معاً، فقد أصر الملتزمون على أن ينفذ بهما حكم الإعدام عقاباً على الزنا. وُوري نصفا جسديهما الأسفلين في حفرة، وصدراهما إلى أعلى. وانهال الرعاع الذين جمعهم الملتزمون وبتحريض منهم، عليهما بالحجارة، فهشموا رأسيهما وجسديهما". 

لاحظت سميليانسكايا أن سينكوفسكي "أولى اهتماماً بالثقافة الدينية للشعوب الشرقية مظهراً اهتماماً خاصاً بوعي عامة الشعب، حيث ألقى بعض الضوء على بعض معالم الإحساس الشعبي، فوصف العلاقات السلمية المتبادلة بصورة عامة بين ممثلي جماعتين دينيتين مختلفتين من سكان جبل لبنان، أي الدروز والموارنة". 

  • غلاف المجلد الأول من أعمال البارون برامبيور
    غلاف المجلد الأول من أعمال البارون برامبيوس

وأضافت: "بغض النظر عن السخرية والتهكم اللذين يعرض بهما سينكوفسكي للوضع (في ذكرياتي في سوريا)"، فأسلوبه مفعم بالعاطفة حيال سكان البلاد، وهو بريء من كل الآراء العنصرية، بل يظهر كل الاحترام لأي عقيدة دينية. 

وفي مقابل الأفكار المنتشرة في العالم المسيحي حول التعصب لدى المسلمين، رسم سينكوفسكي في نصّه "العاشقين الآثمين" مشهداً عن ردود الأفعال الدينية المسيحية، المتسمة أيضاً بالقسوة المتطرفة، ولا سيما في حال التعرض للمصالح السياسية الطائفية. فتهديد بطل القصة بالذهاب إلى صيدا ليحتمي بالباشا "يمكن أن يفهم منه أنه أظهر النية في اعتناق الإسلام"، وعندئذ كان لا بد من قتله. 

اخترنا لك