الإمام الخامنئي والأدب: من "البؤساء" إلى الجواهري

كثيراً ما أوصى السيد علي الخامنئي بقراءة أعمال أدبية بعينها، معتبراً أنّ الرواية الجيدة لا تقلّ أهمية عن الدراسات التاريخية والاجتماعية في بناء الوعي.

يتبيّن لأيّ مطّلع على مسيرة الإمام السيد علي الخامنئي، أنه يجمع في شخصيته أبعاداً كثيرة ومتنوّعة ومكثّفة؛ فهو مرجع ديني، وقائد سياسي، ومفكّر استراتيجي.

يُضاف إلى ذلك اهتمام كبير بالثقافة والفنون والآداب. وفي زمن تراجع فيه نموذج الحاكم المثقّف، تبدو علاقة الإمام الخامنئي بالأدب، ولا سيما بالرواية، إحدى السمات المميّزة في شخصيته، إلى جانب اهتمامه العميق باللغة العربية وآدابها.

في مذّكراته "إنّ مع الصبر نصراً"، يتحدّث الإمام الخامنئي عن شغفه المبكر بالقراءة، وعلاقته الوثيقة بالكتاب منذ سنوات الطفولة. وإذا كان هذا الجانب سمة مشتركة بين كثيرين من العلماء والمراجع، فإنّ ما يميّزه هو اهتمامه الخاصّ بالرواية، ولا سيما الرواية العالمية، التي أكد، في أكثر من مناسبة، ولعه بقراءتها.

يقول في مذكّراته: "لعلّي قرأت كلّ روايات ميشال زيفاكو، وتبلغ عشراً، وقرأت روايات ألكسندر دوما الأب والابن، كما طالعت جميع الروايات الإيرانية أو أكثرها".

وهو يرى أنّ "للروايات أثراً محسوساً على الذهن وأسلوب الكتابة"، ويؤكّد أنه تعلّم منها كثيراً، لأنها "توسّع أفق الإنسان، وتعرّفه إلى المجتمعات والشخصيات والطبائع".

وقد شملت علاقته بالرواية النقد والمتابعة، فقام بتدوين ملاحظاته على عدد من الأعمال الأدبية، واستقبل روائيين إيرانيين وناقشهم في البناء الفني والشخصيات والرسائل الفكرية لأعمالهم. وقال في أحد هذه اللقاءات: "أنا من قرّاء الرواية، وما زلت حتى اليوم، إذا وجدت وقتاً، أقرأ الرواية. الرواية الجيدة تنقل إلى الإنسان تجربة حياة كاملة".

وكثيراً ما أوصى بقراءة أعمال أدبية بعينها، معتبراً أنّ الرواية الجيدة لا تقلّ أهمية عن الدراسات التاريخية والاجتماعية في بناء الوعي.

وفي مقدّمة الروايات التي أشاد بها تأتي "البؤساء" لفيكتور هوغو، التي عدّها أفضل رواية كُتبت في التاريخ، ووصفها بأنها معجزة في عالم الرواية، لما تجمعه من قيمة فنية ورسالة إنسانية عميقة في تصوير الظلم الاجتماعي وتحوّلات الإنسان.

وقال عنها: "لقد قلت مراراً: اقرأوا "البؤساء" مرة واحدة على الأقل. إنها كتاب في علم الاجتماع، وكتاب في التاريخ، وكتاب في النقد، وكتاب إلهي، وكتاب للمحبة والعاطفة".

كما توقّف عند رواية "كوخ العم توم" لهارييت بيتشر ستو، لما تتناوله من قضايا العبودية والتمييز العنصري والظلم الاجتماعي، ورأى فيها نموذجاً للأدب الذي يدافع عن الكرامة الإنسانية.

ومن الروايات التي أولاها اهتماماً خاصاً أيضاً رواية "الجذور" لأليكس هيلي، التي اعتبرها أكثر من مجرّد قصة عن الرقّ في الولايات المتحدة، بل سرداً لهوية أمة وذاكرة شعب، لأنها تجعل القارئ يعيش التاريخ من خلال مصائر الأفراد.

ويرى عدد من الباحثين في شخصية الإمام الخامنئي الثقافية أنّ إعجابه بهذه الرواية لا يعود إلى موضوعها فحسب، وإنما إلى بنيتها الملحمية الممتدة عبر الأجيال، وقدرتها على قراءة مرحلة تاريخية كاملة من خلال التجارب الإنسانية.

وهو ما ينسجم مع دعوته المتكرّرة إلى كتابة الرواية التاريخية الإيرانية التي توثّق أحداث الثورة الإسلامية والحرب، وتنقلها إلى الأجيال اللاحقة.

لم تقتصر قراءاته على الأدب الفرنسي والأميركي، بل امتدّت إلى كبار الروائيين الروس. فقد أبدى إعجابه بأعمال دوستويفسكي، ولا سيما "الجريمة والعقاب" و"الإخوة كارامازوف"، لما تتضمّنه من تعمّق في الصراعات الداخلية للإنسان وأسئلته الأخلاقية.

كما أشار إلى قراءاته المبكرة لأعمال ليو تولستوي، التي وجد فيها انعكاساً لصورة المجتمع وتحوّلاته، وإلى روايات ميخائيل شولوخوف، وخصوصاً "الدون الهادئ". كذلك توقّف عند أعمال جون شتاينبك، ولا سيما "عناقيد الغضب"، التي تصوّر معاناة الفقراء والهجرة الداخلية وآثار الكساد الكبير في الولايات المتحدة.

لم تكن الرواية المجال الثقافي الوحيد الذي استأثر باهتمام الإمام الخامنئي، بل احتلّت اللغة العربية مكانة خاصة في تكوينه العلمي والثقافي، حتى غدت واحدة من أبرز ملامح شخصيته الفكرية.

وقد خصص في مذكراته "إنّ مع الصبر نصراً" فصلاً بعنوان "ضفاف دجلة" للحديث عن علاقته باللغة العربية والشعر العربي، مستعيداً بدايات هذا الشغف الذي رافقه منذ طفولته.

ويشير الإمام الخامنئي إلى الأثر الكبير الذي تركته والدته، التي نشأت في مدينة النجف وأتقنت اللغة العربية، فنقلتها إلى أبنائها. ويروي أنه بدأ دراسة علوم العربية بصورة جادّة ومنتظمة عندما بلغ الــ 11 من عمره، ومنذ ذلك الحين أصبح، على حدّ تعبيره، "مولعاً باللغة العربية".

ويستذكر في مذكراته مشاهد مواكب الزائرين العراقيين الذين كانوا يفدون إلى مدينة مشهد لزيارة الإمام الرضا، فيقول إنه كان يقف ساعات طويلة في صحن المرقد، يستمع إلى قصائدهم وأناشيدهم، ويتابع أحاديثهم بشغف، مضيفاً: "كنت أستمع بإصغاء إلى كلماتهم وأستأنس بأقوالهم".

ويكشف عن إعجابه بهذه اللغة وحبّه لها بقوله: "يعتريني شعور خاص حين أستمع إلى اللغة العربية، وأهتز من الأعماق لسماع هذه اللغة". بل يذهب إلى حدّ القول إنه كان يتمنى لو أنه أمضى جزءاً من طفولته في إحدى المدن العربية.

وقام الإمام الخامنئي، نتيجة حبه للغة العربية وإتقانه لها، ببعض الترجمات. وأشار في مذكراته إلى أنه قرأ بعض كتب جبران خليل جبران، وترجم كتابه "دمعة وابتسامة"، إضافة إلى كتابي "شبهات حول الإسلام" و"المستقبل لهذا الدين" لمحمد قطب وسيد قطب. كما ترجم كتاب "صلح الإمام الحسن" للشيخ راضي آل ياسين.

أما الشعر العربي، فكان له حضور مميّز في قراءاته واهتماماته. فقد أبدى إعجاباً كبيراً بالشاعر أبي تمام، وذهب إلى القول إنه "لم يبلغ شأنه شاعر، حتى المتنبي"، كما أولى اهتماماً واسعاً بكتب التراث العربي، فقرأ "كتاب الأغاني"، إلى جانب عدد من الموسوعات الكبرى في التاريخ والأدب العربي.

وفي الشعر العربي الحديث، وجد الإمام الخامنئي ضالّته في الشاعر العراقي، محمد مهدي الجواهري، الذي رأى فيه مثالاً لـ"الأصالة في التعبير العربي، وتفاعل الشعر مع آلام الجماهير وآمالها". وكان يقول: "كنت كلما اشتقت إلى الأدب العربي المعاصر فتحت ديوان الجواهري فأقرأه".

كما يروي حرصه على لقاء الجواهري، الذي أهداه كتابه "ذكرياتي"، وضمّنه أبياتاً شعرية موجّهة إليه تحديداً، من بينها:

سيدي، أيها الأعز الأجلّ
أنت ذو منّةٍ وأنت المُدِلّ

وفي قصيدة أخرى، بمناسبة عيد الغدير، توجّه الجواهري إلى الإمام الخامنئي قائلاً:

أبا الحسين تحياتٌ معطَّرةٌ
في يوم عيد غديرٍ رحت ترعاهُ
كان الوليُّ أميرَ المؤمنين بهِ
واليومَ أنتَ وليُّ الأمرِ مولاهُ

الجمهورية الإسلامية في إيران تعلن في الأول من آذار/مارس 2026 استشهاد القائد الأمة السيد علي خامنئي في مقر عمله في "بيت القيادة"، إثر العدوان الأميركي الإسرائيلي على البلاد.

اخترنا لك