الإبادة في غزة وجنوب لبنان: كيف تتحول الجغرافيا إلى ساحة للإقصاء والسيطرة؟
من غزة إلى لبنان: كيف يتحول التدمير الإسرائيلي إلى إبادة مدينية ومكانية تهدف إلى تفكيك المجتمع ومحو ذاكرته؟ وهل تنتهي الحرب بتوقف القصف أم تستمر في مرحلة إعادة الإعمار؟
لم تعد صور المدن المدمرة في غزة وجنوب لبنان مجرد مشاهد مألوفة من حروب الشرق الأوسط، ولا يمكن اختزالها في إطار الخسائر العمرانية التي يخلّفها العدوان العسكري. فما تكشفه الأشهر الأخيرة هو نمط متكرر من الاستهداف الواسع للأحياء السكنية، وشبكات الطرق، والمرافق الحيوية، والساحات العامة، والأراضي الزراعية، بما يُحوّل المدينة نفسها إلى هدف للحرب لا مجرد مسرح لها. فحين تُمحى أحياء كاملة من الخرائط، وتُسوّى المباني بالأرض، وتُقطع الروابط التي تجمع السكان بأماكنهم، يُصبح السؤال المطروح أبعد من حجم الدمار، ليمس طبيعة المشروع الذي يقف وراءه.
في هذا السياق، يبرز مفهوم الإبادة المدينية "Urbicide"، كما طوّره الأكاديمي البريطاني، مارتن كاوارد، باعتباره مدخلاً لفهم تدمير المدن خارج القراءات التقليدية التي تنظر إليه بوصفه أثراً جانبياً للصراعات المسلحة.
ويتقاطع هذا المفهوم، من زاوية أوسع تتعلق بالأرض والسكان، مع مفهوم الإبادة المكانية "Spacio-cide" الذي يستخدمه عالم الاجتماع الفلسطيني، ساري حنفي، لوصف استهداف المكان نفسه بما يدفع السكان إلى الرحيل عنه.
فكلا المفهومين ينطلق، رغم اختلاف نطاقهما، من أن المكان ليس كتلة من الإسمنت والحجارة، بل فضاء تتشكل فيه الهوية الجماعية، وتُنسج فيه العلاقات الاجتماعية، وتُحفظ الذاكرة، وتستمر الحياة الاقتصادية والثقافية. ومن ثم، فإن استهدافه بشكل نسقي لا يطال العمران وحده، بل يهدد شروط بقاء المجتمع واستمراره [1].
وانطلاقاً من التجربتين الفلسطينية واللبنانية، تحاول هذه الورقة مقاربة تدمير المدن باعتباره ممارسة تتجاوز الاعتبارات العسكرية المباشرة، لتندرج ضمن منطق أوسع يقوم على إعادة تشكيل الجغرافيا والتحكم بالمجال العمراني بما يخدم موازين القوة ومشاريع الهيمنة. فحين يصبح المكان موضوعاً للاستهداف، يتحول العدوان إلى أداة لإعادة هندسة الفضاء السياسي والاجتماعي، ويغدو تدمير المدينة جزءاً من صراع يدور على الوجود والذاكرة والحق في البقاء، بقدر ما يدور في الوقت نفسه على الأرض والسيطرة.
قتل المدينة وإقصاء التعدد
-
لا يقتصر الاستهداف على المباني والبنية التحتية بل يمتد إلى الفضاء العام الذي يسمح بظهور التنوع السياسي والاجتماعي والتجربة الحضرية المشتركة
يُعرّف مارتن كاوارد الإبادة المدينية بوصفها تدميراً متعمداً للمدينة ومبانيها وبيئتها الحضرية، لا بسبب القيمة المادية لهذه المنشآت وحدها، بل لما تمثله من فضاء يسمح بالتعدد والاختلاط وقيام حياة مشتركة.
ولا يقتصر هذا الاستهداف على المباني والبنية التحتية باعتبارها كتلاً مادية، بل يمتد إلى الفضاء العام الذي يسمح بظهور التنوع السياسي والاجتماعي والتجربة الحضرية المشتركة. فالمدينة، بما هي حيز للاختلاط والتعدد، يمكن أن تتحول إلى هدف لدى المشاريع التي تسعى إلى إعادة تنظيم المجتمع على أسس إقصائية أو هوياتية متجانسة، فيصبح استهداف البيئة المبنية وسيلة لتقويض شروط العيش المشترك واستبدالها بفضاءات أكثر عزلة وانغلاقاً وضبطاً [2].
وقد سبق وظهر هذا النمط خلال حرب البوسنة والهرسك بين عامي 1992 و1995، حين استُخدم التدمير الحضري المتعمد أداة لطمس المجتمعات المتعددة وفرض أجندات قومية عرقية على أنقاض تجربة العيش المشترك.
ويتجلى جانب من هذا المنطق في العدوان الإسرائيلي على جنوب لبنان، حيث يتركز على بلدات ذات غالبية شيعية تشكل جزءاً أساسياً من البيئة الاجتماعية للمقاومة. ولا يقف أثر التدمير عند حدود المباني والقرى، بل يتقاطع مع محاولات الضغط على العلاقات بين الجماعات اللبنانية نفسها.
ففي آذار/مارس 2026، وثّقت تقارير صحفية وحقوقية تواصل جهات عسكرية إسرائيلية مع مسؤولين محليين في عدد من البلدات الجنوبية، وبينها بلدات ذات غالبية مسيحية ودرزية، مطالبةً بإخراج عائلات نازحة قدم معظمها من بلدات ذات غالبية شيعية، مع تهديد بعض البلدات التي تستمر في استضافتهم بالقصف [3].
ويكشف ذلك كيف يمكن للعنف المكاني أن يمتد من تدمير العمران إلى الضغط على شبكات التضامن واللجوء الداخلي، بما يفاقم الانقسامات الاجتماعية ويجعل الجغرافيا الطائفية نفسها جزءاً من أدوات الحرب.
لا تقتصر مقاومة الإبادة المكانية على مواجهة التدمير المادي، بل تشمل أيضاً الدفاع عن حق المجتمعات في البقاء والعودة وحفظ الذاكرة وتقرير الطريقة التي يُعاد بها بناء أماكنها. فالمكان ليس مجرد فضاء عمراني، وإنما وعاء للذاكرة والهوية والعلاقات الاجتماعية والوجود الجماعي.
وفي إطار العدوان الإسرائيلي على غزة، يقدّم أستاذ علم الاجتماع، ساري حنفي، مفهوماً متقاطعاً ولكن أوسع هو "الإبادة المكانية" (Spacio-cide). ويصف حنفي المشروع الاستعماري الاستيطاني الإسرائيلي بأنه مشروع يستهدف الأرض والمكان الذي يعيش عليه الفلسطينيون بغرض دفعهم نحو ما يسميه الترانسفير "الطوعي" المحتوم، عبر جعل استمرار الحياة في المكان أكثر صعوبة ودفع السكان إلى مغادرته [4]. ويستند هذا المشروع، وفق حنفي، إلى 3 مبادئ متداخلة هي: الاستيطان، والفصل، وحالة الاستثناء.
ويتجلى الأول في توسيع المشروع الاستيطاني، بينما يقوم الثاني على الفصل المكاني وتجزئة المجال الفلسطيني، في حين تسمح حالة الاستثناء بتعليق القواعد القانونية وتحويل التدابير العسكرية والقانونية والاستثنائية إلى أدوات مستمرة لإدارة السكان والمكان معاً [4].
ولا تبدأ هذه العلاقة بين السيطرة على السكان والسيطرة على المكان مع الحرب الحالية. فقد وثقت دراسات تاريخية أكثر من 400 قرية فلسطينية دُمّرت أو أُفرغت من سكانها خلال نكبة عام 1948، كما تتبع باحثون إنشاء مستوطنات إسرائيلية على أراضي عدد منها وسياسات تغيير أسماء المواقع والقرى والمعالم الفلسطينية وإحلال تسميات عبرية محلها [5].
من هذا المنظور، تصبح السيطرة على الجغرافيا مرتبطة أيضاً بالسيطرة على الذاكرة، وعلى الطريقة التي يُعرَّف بها المكان ويُروى تاريخه.
من جهته، يضيف الباحث الفلسطيني، عبد الله بياري، بعداً أساسياً لفهم هذا الاستهداف، إذ يتعامل مع المكان الفلسطيني بوصفه مركباً لا يقتصر على الجغرافيا المادية، ليشمل أبعاداً رمزية وجسدية وسياسية واجتماعية.
من هذه الزاوية، لا يستهدف الاستعمار وجود الفلسطينيين في المكان فحسب، بل أيضاً علاقتهم به وذاكرتهم وسرديتهم عنه.
ويربط بياري بين الحضور والغياب وبين مشروع يسعى إلى إعادة إنتاج الجغرافيا والتاريخ بطريقة تهمّش الحضور الفلسطيني، بحيث تصبح الممارسات اليومية التي تؤكد الوجود في المكان جزءاً من مقاومة محاولات المحو [6].
من غزة إلى جنوب لبنان... الجغرافيا مساحة للاستعمار
-
الإبادة المدينية ليست خاصية مرتبطة بحالة واحدة بل نمط من العنف يمكن أن يظهر حين تصبح إعادة تشكيل المجال الحضري جزءاً من صراع أوسع على السلطة والجغرافيا والهوية
في غزة وجنوب لبنان، تترجم الأرقام جانباً من حجم هذا المسار على الأرض، مع الإشارة إلى أن البيانات المستخدمة هنا تمثل لقطات زمنية من مراحل مختلفة من العدوان الإسرائيلي، وليست حصيلة محدثة حتى عام 2026.
فقد وثّق مشروع "رصد الإبادة المدينية في غزة" التابع لمختبر المدن في بيروت مستويات التدمير المتراكمة عبر طبقات البيئة المبنية والمساحات الخضراء والأماكن العامة في قطاع تبلغ مساحته 365 كيلومتراً مربعاً، ويبلغ عدد سكانه نحو 2.3 مليون نسمة [7].
وبحسب بيانات المشروع في التواريخ التي يغطيها، بلغ عدد الشهداء 43,603 على الأقل حتى 9 تشرين الثاني/نوفمبر 2024، فيما هُجّر نحو 90% من سكان القطاع تقريباً.
وحتى 6 أيلول/ سبتمبر 2024، قدّر المشروع أن 40.9% من مجموع المباني دخلت ضمن درجات الضرر التي اعتمدها في ذلك التحديث، مع تسجيل 48,722 مبنى مدمراً، و18,159 مبنى شديد الضرر، و54,533 مبنى متوسط الضرر، إضافة إلى مبانٍ صُنّفت ضمن الضرر المحتمل [7].
كل عودة إلى الأنقاض، وكل إعادة استخدام لمكان دُمّر، هي تجديد فعلي لقدرة المكان على إنتاج الحياة والحضور من جديد.
ويكشف مستوى الدمار قفزة كبيرة مقارنة بالحروب العسكرية الإسرائيلية السابقة. فوفق مختبر المدن، بلغ مجموع المباني المدمرة أو شديدة الضرر 66,881 مبنى في التحديث المشار إليه، مقارنة بنحو 10,326 مبنى في الحروب السابقة التي يعتمد عليها المصدر للمقارنة [7].
وقد طال الدمار المدارس والمستشفيات والمواقع الأثرية وأرشيف الدولة والبيوت البلاستيكية الزراعية. ويقرأ مختبر المدن هذا النمط بوصفه استهدافاً يتجاوز الخسارة العمرانية المباشرة إلى تفكيك البيئة المدينية وما تمثله من ذاكرة وهوية جماعية وشروط للحياة الاجتماعية.
ولا ينفصل هذا المسار عن الدمار الذي تعرّض له لبنان خلال جولات العدوان الإسرائيلي المختلفة. ففي توثيق امتد لأكثر من 300 يوم من التصعيد الذي بدأ في تشرين الأول/أكتوبر 2023، رصد "أستوديو أشغال عامة" في بيروت الاعتداءات التي طالت أكثر من 184 بلدة في مناطق لبنانية مختلفة، بما في ذلك بلدات في الجنوب والنبطية والبقاع وبعلبك الهرمل وجبل لبنان [8].
وشملت الاعتداءات الإسرائيلية القصف المدفعي والجوي واستهداف المنازل والبنية التحتية والأراضي الزراعية، إضافة إلى استخدام الفوسفور الأبيض.
ووثقت منظمة "هيومن رايتس ووتش" استخدام الاحتلال الإسرائيلي ذخائر الفوسفور الأبيض في ما لا يقل عن 17 بلدة في جنوب لبنان بين تشرين الأول/أكتوبر 2023 وأيار/ومايو 2024، بينها 5 بلدات قالت المنظمة إن الذخائر استُخدمت فيها جوياً فوق مناطق مأهولة بصورة عشوائية وغير قانونية بموجب قواعد القانون الإنساني الدولي [9].
لا تُختزل مقاومة الإبادة المكانية في الفعل العسكري، بل تشمل أيضاً إعادة إنتاج الحضور في المكان، والحفاظ على الذاكرة وشبكات المجتمع والقدرة على العودة وإعادة الحياة إلى المساحات المستهدفة.
وبحسب بيانات تابعة للمنظمة الدولية للهجرة، فقد بلغ عدد النازحين داخلياً المسجلين في لبنان نحو 834.7 ألف شخص حتى 28 تشرين الأول/أكتوبر 2024 [10].
وتركز جانب كبير من حركة النزوح من القرى والبلدات الواقعة في مناطق القتال باتجاه مناطق "أكثر أمناً" في صور وصيدا وبيروت وجبل لبنان والشمال. ولا يمثل هذا الرقم مجموع كل من نزح في أي لحظة منذ بداية العدوان.
وتكشف خرائط "استوديو أشغال عامة" الخاصة ببيروت وضاحيتها الجنوبية بدورها اتساع الاستهداف. فحتى إعلان وقف إطلاق النار في 27 تشرين الثاني/نوفمبر عام 2024، تشير البيانات التي جمعها الاستوديو بالاستناد إلى مصادر رسمية ورصده الميداني، إلى أن العاصمة بيروت وضاحيتها تعرضتا لنحو 500 غارة، منها 279 غارة إسرائيلية معلنة.
كما وثق الاستوديو 13 غارة إضافية بعد ذلك التاريخ خلال عام 2025 [11]. وتوضح هذه البيانات أن الاستهداف لم ينته تماماً عند لحظة وقف إطلاق النار، وأن أثر الحرب على البيئة العمرانية استمر بعدها. كما تكشف الخرائط تفاوتاً بين الغارات التي سبقها إعلان إسرائيلي وتلك التي لم يسبقها إعلان، وهو ما يستدعي التعامل بحذر مع الخطاب الذي يختزل حجم الدمار كله في استهدافات عسكرية محددة.
وتُحيل هذه الوقائع إلى سوابق أخرى شهدت فيها المدن إعادة تشكيل عنيفة. ففي أعقاب الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003 وما تلاه من سنوات من العنف الطائفي والحرب، انقسمت أجزاء من بغداد على أسس عرقية وطائفية، عبر الجدران الفاصلة وتفجير أماكن تاريخية ودينية وتغيّر التركيبة السكانية لعدد من الأحياء، بما أنتج فضاءً حضرياً أكثر تجزؤاً وحواجز مادية واجتماعية بين مناطقه [12].
السيطرة على الجغرافيا مرتبطة أيضاً بالسيطرة على الذاكرة، وعلى الطريقة التي يُعرَّف بها المكان ويُروى تاريخه.
ولا تزال آثار هذه التحولات حاضرة، رغم تغيّر طبيعة الاحتلال العسكري الأميركي في العراق منذ انسحاب القوات الأميركية في 2011، ثم عودة قوات في إطار ما يسمى التحالف الدولي ضد "داعش" لاحقاً.
وتؤكد هذه السابقة أن الإبادة المدينية ليست خاصية مرتبطة بحالة واحدة، بل نمط من العنف يمكن أن يظهر حين تصبح إعادة تشكيل المجال الحضري جزءاً من صراع أوسع على السلطة والجغرافيا والهوية.
مقاومة المحو وإنتاج أساليب البقاء
-
استمرار الفلسطيني أو اللبناني في إنتاج الحياة داخل المكان المستهدف شكل من أشكال مقاومة المحو
لا تؤدي الإبادة المكانية بالضرورة إلى تحقيق الأهداف التي تسعى إليها القوى الاستعمارية، إذ إن المكان الذي يُراد له أن يتحول إلى العدم يحمل في تكوينه منطقاً مضاداً للمحو.
ذلك أن المدينة، بما هي نسيج متشابك من العلاقات والشبكات والذاكرة اليومية، تتسم بقدر من التنوع والتعقيد يجعل إخضاعها الكامل أمراً صعباً مهما بلغت شدة العنف الموجه ضدها.
من هنا يطرح باحثون في المدينة والمقاومة فكرة أن تدمير المجال الحضري قد يولّد في المقابل أشكالاً من الممارسات المضادة التي تحاول الحفاظ على الروابط الاجتماعية واستعادة الحق في المكان وإعادة إنتاج الحياة داخله [13]. فالمكان هنا ليس حيزاً محايداً، بل مجالاً تتكوّن فيه شبكات التضامن والذاكرة والتنظيم الاجتماعي، ويمكن لهذه الشبكات أن تتحول إلى موارد لمقاومة محاولات التفكيك والإقصاء.
ولا تُفهم المقاومة في هذا السياق حصراً بوصفها فعلاً عسكرياً. فاختزال علاقة المكان بالمقاومة في استخدام الأزقة والأنفاق من قبل الفصائل المقاومة لا يعبّر عن كامل الطرح النظري الذي تستند إليه الإبادة المكانية. الأوسع هو النظر إلى المقاومة بوصفها قدرة على إعادة إنتاج الحضور في المكان، سواء عبر البقاء والعودة، أو إعادة بناء العلاقات الاجتماعية، أو حفظ الذاكرة، أو إعادة استخدام المساحات التي جرى تدميرها.
المدينة، بما هي حيز للاختلاط والتعدد، يمكن أن تتحول إلى هدف لدى المشاريع التي تسعى إلى إعادة تنظيم المجتمع على أسس إقصائية أو هوياتية متجانسة، فيصبح استهداف البيئة المبنية وسيلة لتقويض شروط العيش المشترك واستبدالها بفضاءات أكثر عزلة وانغلاقاً وضبطاً.
بهذا المعنى، يصبح استمرار الفلسطيني أو اللبناني في إنتاج الحياة داخل المكان المستهدف شكلاً من أشكال مقاومة المحو، بصرف النظر عن الأشكال السياسية أو العسكرية الأخرى للحرب [6].
إضافة إلى ذلك، لا تكتفي المجتمعات المستهدفة بدور الضحية، بل تستثمر هذا المنطق الكامن في المكان لتطوير أشكال متعددة من المقاومة، تُعيد من خلالها تثبيت حضورها في الفضاء الذي يُراد إفراغها منه، إذ تبدأ بتوثيق المكان وسرد حكايته، حتى يغدو تسجيل آثار الدمار في حد ذاته ممارسة سياسية تتحدى محاولات المحو أو إعادة كتابة تاريخ المكان [6].
وإلى جانب التوثيق، تنخرط هذه المجتمعات في ممارسات يومية ومكانية تُصرّ على استدامة الحياة داخل المساحات المدمرة أو المُعسكَرة، عبر استرداد المواقع التي هُدمت، سواء بإعادة بنائها مادياً أو بإعادة ملئها رمزياً، فكل عودة إلى الأنقاض، وكل إعادة استخدام لمكان دُمّر، هي تجديد فعلي لقدرة المكان على إنتاج الحياة والحضور من جديد.
وتعتبر التجربة الفلسطينية مثالاً بارزاً على ذلك، حيث يتحول المكان من موضوع للاستهداف إلى مجال لممارسات متكررة تؤكد الوجود فيه، من العودة إلى مواقع القرى المهجّرة، إلى إعادة إعمار الأحياء، وتشكيل شبكات ولجان أهلية لمواجهة النزوح، وصولاً إلى التوثيق والخرائط المضادة والأعمال الأدبية والفنية التي تحفظ سردية المكان في مواجهة محاولات محوه [6].
ويمكن وصف هذه الممارسات بأنها أشكال من "المقاومة المكانية" التي تتجدد كلما تجددت محاولات الإقصاء، وتفتح المجال أمام تصور سياسات مكانية بديلة تنطلق من خبرات السكان وحقوقهم.
ومن هذا المنطلق، تبرز مشروعات إعادة الإعمار نفسها كساحة صراع وليست مجرد حل تقني محايد. فقد أظهرت أدبيات نقدية حول النيوليبرالية و"رأسمالية الكوارث" كيف يمكن لأزمات الحرب والدمار أن تفتح المجال أمام إعادة تشكيل المدن وفق أولويات السوق والاستثمار، بما قد يؤدي إلى إقصاء السكان الأصليين أو إضعاف قدرتهم على العودة والمشاركة في تقرير مستقبل أحيائهم [14]. وفي مثل هذه الحالات، قد تستمر عملية إعادة تشكيل المكان بأدوات اقتصادية وعمرانية بعد توقف الأدوات العسكرية.
حين يصبح المكان موضوعاً للاستهداف، تتحول الحرب إلى أداة لإعادة هندسة الفضاء السياسي والاجتماعي، ويغدو تدمير المدينة جزءاً من صراع يدور على الوجود والذاكرة والحق في البقاء، بقدر ما يدور في الوقت نفسه على الأرض والسيطرة.
في المقابل، تصبح المشروعات التشاركية القائمة على العدالة والحقوق، والتي تنطلق من احتياجات السكان أنفسهم لا من رؤية المستثمرين أو المخططين الفوقيين، خط الدفاع الأخير عن حق المجتمعات في تشكيل مستقبل أماكنها، وتأكيداً حياً على أن المكان، مهما بلغ حجم الدمار الذي يلحق به، يظل قادراً على أن يعيد إنتاج ذاته كفضاء للحياة والمقاومة معاً.
في نهاية المطاف، تكشف التجارب في غزة وجنوب لبنان أن الإبادة المكانية ليست مجرد أثر جانبي للعدوان الإسرائيلي، بل يمكن أن تتحول إلى استراتيجية لإعادة تشكيل الجغرافيا بما يخدم مشاريع الهيمنة. ولا ينتهي هذا المسار عند القصف، بل قد يمتد إلى مرحلة إعادة الإعمار حين تُدار عملية إعادة بناء المكان بمنطق يُقصي سكانه أو يحد من قدرتهم على العودة والمشاركة في رسم مستقبله.
ومن ثم، لا تقتصر مقاومة الإبادة المكانية على مواجهة التدمير المادي، بل تشمل أيضاً الدفاع عن حق المجتمعات في البقاء والعودة وحفظ الذاكرة وتقرير الطريقة التي يُعاد بها بناء أماكنها. فالمكان ليس مجرد فضاء عمراني، وإنما وعاء للذاكرة والهوية والعلاقات الاجتماعية والوجود الجماعي.
المراجع والمصادر
[1] Martin Coward, Urbicide: The Politics of Urban Destruction, Routledge, 2009.
[2] المرجع نفسه.
[3] Euro-Med Human Rights Monitor، تقرير يوثق الضغوط الإسرائيلية على بلدات جنوبية ذات غالبية مسيحية ودرزية لإخراج عائلات نازحة، 2026.
[4] ساري حنفي، "الحرب على غزة: من الإبادة المكانية إلى الإبادة الجماعية"، صفر، 3 نوفمبر/تشرين الثاني 2023.
[5] وليد الخالدي، "كي لا ننسى: قرى فلسطين التي دمرتها إسرائيل سنة 1948"؛ وشكري عراف، دراسة أسماء المواقع الفلسطينية والتسميات العبرية، مؤسسة الدراسات الفلسطينية.
[6] عبد الله بياري، "المكان الفلسطيني في زمن الإبادة: مقدمة في مجالية مقاومة الاستعمار والحرب والإبادة"، مجلة الدراسات الفلسطينية، العدد 140، خريف 2024.
[7] مختبر المدن بيروت، "رصد الإبادة المدينية في غزة".
[8] أستوديو أشغال عامة، توثيق الحرب الإسرائيلية والدمار في لبنان منذ 2023.
[9] Human Rights Watch، توثيق استخدام الفوسفور الأبيض في جنوب لبنان، 2024.
[10] International Organization for Migration, DTM Lebanon, Mobility Snapshot, Round 57, 28 October 2024.
[11] أستوديو أشغال عامة، "قتل المدينة كاستراتيجية: الضاحية الجنوبية بين الاستهداف العسكري والتفكيك العمراني"، 2026.
[12] M. R. Izady, “Urban Unplanning: How Violence, Walls, and Segregation Destroyed the Urban Fabric of Baghdad,” Journal of Planning History, 2020.
[13] Bruce Stanley, “The City-Logic of Resistance: Subverting Urbicide in the Middle East City,” Journal of Peacebuilding & Development, 2017.
[14] David Harvey, A Brief History of Neoliberalism, 2005; Naomi Klein, The Shock Doctrine, 2007.
