إدارة الصراع مع "إسرائيل" بين الخُرافة والمنطق
قد يتحوّل التفكير المنطقي إلى تفكير خُرافي، فحتمية النصر الإلهي وزوال "إسرائيل" بحدّ ذاته بمنطق القرآن والتاريخ والواقع ليس تفكيراً خُرافياً، لكن ما يحوّله تفكيراً كذلك هو الاجتهادات الظنية بتحديد موعد زمني لحدوث "وعد الآخرة".
أثناء مقاومة شعب جنوب أفريقيا للاحتلال البريطاني ظهرت فتاة من قبيلة (الخوسا) عام 1856 وزعمت أنها رأت نبوءة فحواها أنّ أرواح الأجداد ستعود من الموت لتطرد الغزاة من الوطن بشرط أنْ تذبح القبيلة كلّ ماشيتها وتحرق كلّ محاصيلها، فقامت القبيلة بذبح أكثر من 400 ألف رأس ماشية وحرق كلّ مخازن المحاصيل، وانتظر أبناء القبيلة عبثاً عودة الأجداد من الموت ليعيدوا لهم ماشيتهم ومحاصيلهم، وليهزموا الغزاة البيض ويلقوهم في البحر، فلم يحدث ذلك وبدلاً من العودة والخلاص انتشرت المجاعة بينهم ومات فيها أكثر من 40 ألف إنسان، وتحوّل رجال القبيلة إلى عمال سخرة بلقمة العيش في معسكرات ومستوطنات المحلّين، وبسطت بريطانيا سيطرتها المطلقة على الأرض والشعب، فكان ذلك عاقبة التفكير الخُرافي في إدارة الصراع مع الاحتلال.
نبوءة قريبة من نبوءة فتاة (الخوسا) في جنوب أفريقيا من حيث الاستعانة بالتفكير الخُرافي في إدارة الصراع مع الاحتلال حدثت في فلسطين، استند مؤلفها على حقيقة قرآنية هي "وعد الآخرة"، ولكنه ألبسها ثوب الخُرافة باسم العلم، فحدّد توقيت تحقّق الوعد وزوال "إسرائيل" عام 2022، مُستعيناً بالشعوذة الرياضية والخدع العددية والمصادفات الرقمية، من دون معايير علمية وضوابط بحثية ومناهج تفسيرية، مستخدماً رغبته الانتقائية في توجيه "البحث" الخُرافة نحو موعد زوال "إسرائيل"، كما حدّده بنفسه وافترض أنّ تلك إرادة الله - سبحانه وتعالى - فكانت النتيجة بعد مرور العام المضروب للوعد من دون تحقق النبوءة، الإحباط والخيبة لمن صدّق التكّهن وآمن بالنبوءة، فكان ذلك عاقبة التفكير الخُرافي في إدارة الصراع مع الاحتلال.
من سمات التفكير الخُرافي في حالتي جنوب أفريقيا وفلسطين وغيرهما في إدارة الصراع مع الاحتلال: الاعتماد على أماني النصر بلا تهيئة أسبابه وصناعة مقدّماته، وتعطيل قانون السبب والنتيجة للتهرّب من تحمّل مسؤولية القرارات والأفعال في حالتي الصواب والخطأ، والتقييم المشوّه للواقع كتضخيم قوة وقدرة الذات وتصغير قوة وقدرة العدو، وانتظار المعجزات الإلهية والمصادفات القدرية بدلاً من الإعداد والتخطيط، وتجاهل القوانين والسُنن التاريخية للنصر والهزيمة، والتعامي عن موازين القوى الفعلية على الأرض، والبناء على حسابات غيبية وتوقّعات افتراضية ونبؤات رغبوية لأحداث المستقبل وردود من الفعل، والاستهتار بالكلفة الإنسانية للصراع باعتبارها أضراراً جانبية وخسائر تكتيكية لمشروع أيديولوجي أكبر وأهم من الشعب.
تناول سمات التفكير الخُرافي من حيث التفسير الدكتور الراحل المتخصص في علم النفس، مصطفى حجازي، في كتابه "التخلّف الاجتماعي: مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور"، فكتب تحت عنوان "العقلية المتخلّفة": "إنّ ذوبان التفكير السببي العلمي يترك مكانه التفكير الخُرافي والقدرية الاتكالية، حيث يُلغي التقييم الموضوعي للقرارات والأفعال، وتُسقط أسباب الفشل أو العجز على قوى غيبية أو اعتباطية خارجية.. مما يُعفي الفرد والجماعة من عبء مراجعة الذات وتحمّل مسؤولية المصير".
ويضيف تحت عنوان "الانكفاء على الذات" بأنّ التفكير الخُرافي "وسيلة تبريرية تُسقط مسؤولية تقصيره وأخطائه على قوى خارجة عن إرادته، إنّ هذا الهروب من مواجهة الذات ومحاكمتها نقدياً هو حصن الدفاع الأساسي الذي يقيه مرارة الاعتراف بالعجز الدفين".
رغم حالات التفكير الخُرافي في إدارة الصراع ضدّ الاحتلال، فإنّ الأصل هو التفكير المنطقي، وهناك العديد من الأمثلة ومن البلاد نفسها.
ففي جنوب أفريقيا ومن قبيلة (الخوسا) ذاتها خرج الزعيم الثائر نيلسون مانديلا لقيادة حركته "المؤتمر الوطني الأفريقي" وشعبه الجنوب أفريقي للتحرّر من الاستعمار والعنصرية بمنطق استراتيجي تدريجي واقعي في فكر وممارسة المقاومة وفي نظرية وتطبيق إدارة الصراع، فانتقل من النضال السلمي إلى الكفاح المُسلّح، ثم المفاوضات والتسوية والمصالحة.
وعلى جبهة الصراع ضدّ "إسرائيل" كانت المقاومتان اللبنانية والفلسطينية في جنوب لبنان وقطاع غزة تتبعان نمط التفكير المنطقي في إدارة الصراع من الاحتلال مُترجمة إلى حرب عصابات واستنزاف للاحتلال تعتمد على الصبر والإعداد والتخطيط، فكانت النتيجة تحرير جنوب لبنان عام 2000 وقطاع غزة عام 2005.
وينتج التفكير المنطقي ثماره في إدارة الصراع مع الاحتلال بسبب تميّزه بسمات إيجابية مُضادّة لسمات التفكير الخُرافي، منها: الاعتماد على مشروع التحرير الذي يأخذ بالأسباب والمقدّمات الممهّدة للنصر، وتفعيل قانون السبب والنتيجة الذي يتمّ بموجبه تحمّل مسؤولية القرارات والأفعال في حالتي الصواب والخطأ، والتقييم الموضوعي للواقع بلا تضخيم للذات أو تصغير للعدو، والاعتماد على الإعداد والتخطيط والعمل ثم التوّكل على الله من دون انتظار المعجزات والمصادفات، ووعي القوانين والسُنن التاريخية للنصر والهزيمة والعمل بموجبها، وعدم الغفلة عن موازين القوى الفعلية على الأرض لبناء المواقف على حسابات و توقّعات وتنبؤات واقعية وحقيقية، والاهتمام بالكُلفة الإنسانية للصراع باعتبار الإنسان هو هدف التحرير ومحور المشروع.
قد يتحوّل التفكير المنطقي إلى تفكير خُرافي كمثال نبوءة موعد "وعد الآخرة" السابقة، فحتمية النصر الإلهي وزوال "إسرائيل" بحدّ ذاته بمنطق القرآن والتاريخ والواقع ليس تفكيراً خُرافياً، لكن ما يحوّله تفكيراً خُرافياً هو الاجتهادات الظنية بتحديد موعد زمني لحدوث "وعد الآخرة"، ومن ثمّ الجزم بحدوث الوعد على يد من افترضوا أنهم "الطائفة المنصورة" التي سيتحقق على أيديها النصر في الزمان الذي حددوه بأنفسهم، فيقودهم تفكيرهم هذا إلى التواكل أو التهوّر، وإلى الجمود أو التسرّع، وإلى السكون أو المجازفة.
وبدلاً من ذلك المطلوب هو إيمان مع يقين بلا تواكل أو تهور، ووعي مع بصيرة من دون جمود أو تسرّع، وقوة مع حكمة من دون سكون أو مجازفة.. إيمان ووعي وقوة لإخراجنا من هامش الفعل والتاريخ ولحمايتنا من القفز في عبثية الفعل وفراغ التاريخ.
