أصوات الملاعب وصداها

جمهور كرة القدم أكثر من مجرد مؤثرات صوتية. إنه جزء رئيس من طقوسية هذا الحفل الممتد إلى ما يزيد على الساعة والنصف، وصوت فريد ينجدل مع طيف الأصوات الأخرى التي يتضمنها الملعب.

كثيراً ما نسمع بأن لعبة كرة القدم أشبه بمسرحية تتبدَّل فيها الأحداث، والأبطال، والصراعات، وآليات رسم الحبكات، وكيفية تلوين زخم الأفعال، وفق المواقف المختلفة في الزمان والمكان، لكن ماذا لو نظرنا إلى تلك اللعبة باعتبارها مهرجاناً صوتياً، تُشارك فيه أوركسترات مختلفة، تعزف كلٌّ منها على مقامات "صُنِعَ بسحر" بطريقتها الخاصة في الأداء، وأسلوبيتها في تحقيق الأثر الجَمَالي المأمول؟

وبدل أن ننظر إلى اللاعبين على أنهم ممثلون على خشبة خضراء، دعونا نُحاكمهم هذه المرة على أنهم أعضاء في جوقات موسيقية، يمتلك كل منهم صوته الخاص، وقدرته على التحكُّم بطبقاته بين القرار والجواب، واللعب بِعُرَبِه بغية تعزيز المعنى وتحقيق أقصى درجات التَّطريب، بانسجام تام مع بقية زملائه، أو عبر فقرات صولو قصيرة، تعززها مساحة الحرية الممنوحة من قبل المُدرِّب/"قائد الجوقة"، للارتجال بعيداً من صَرامة التنويط وتوزيع الأدوار، من أجل خلق المزيد من الإمتاع والمؤانسة، سواءً للجمهور على المدرَّجات، أو لمن يتابعهم أمام الشاشات في المنازل والمقاهي وصالات العرض.

في مباريات المنتخبات، يتحضّر اللاعبون صوتياً للمباراة بترديد نشيدهم الوطني، كبوابة للدخول في خضم المعركة، ثم لا تلبث صافرة الحكم أن تُعلِن البدء. لنسمع صوت الركلة الأولى وكأنها نوتة افتتاحية، تليها حواريات متناغمة، وتمريرات مدروسة، بأبعاد زمنية مختلفة، وزخم في الضغط على أعضاء الفريق الثاني، أشبه بإيقاعات متوترة، مع محاولة للبقاء ضمن ميزان المقام، بغية الوصول إلى ذروة اللحن وهو الهدف. يتخلل ذلك طبعاً "سَكْتَات"/فترات من الصمت، وتشويش من الخصم، وسعي لفرض جُمَل لحنية مُضادّة على مقام مختلف، وأحياناً بعض النشازات الاضطرارية، قبل العودة إلى الهارموني المنشود، وهكذا حتى النهاية.

وكما يشرح بيدرو سيلفا مارّا وفيليبي تروتّا، فإن الصوت علامة على حركة في الفضاء، يتردد من خلالها صدى اهتزازات الجسم في الآخر. 

لذا، إن أصخنا السمع جيداً، سنلتقط في كل مباراة مجموعة كبيرة من الأصوات، قادرة، على اختلاف شدَّتها وفاعليّتها وامتداد أثرها، على أن تترك بصمتها الخاصة في كل مفصل من مفاصل مباراة كرة القدم. فصوت الضربة الركنية يختلف عن الضربة الحرة المباشرة، وعن ضربة الجزاء. 

وبالمثل، فإن ما نسمعه من جراء تمريرة قصيرة يتباين عما تحققه رمية حارس المرمى التي قد تتجاوز منتصف الملعب. وأيضاً، فإن ارتطام الكرة بالعارضة يُخلخل الهواء بطريقة تختلف عما يفعله ارتطامها بجسد المدافع. وفي الإطار ذاته، فإن اهتزازات الأصوات الناجمة عن هجمة مرتدة ليست هي ذاتها التي تصلنا عند تجاوز لاعب لعدة لاعبين في منطقة جزاء الخصم.

طبعاً هذا الشعور بتلك الأصوات يتعزز مع "الرنين التعاطفي" الذي يتلقَّفه اللاعبون من جوقة الجمهور أو جوقاته على المدرَّجات، بتشجيعها وأغانيها، هتافاتها وتصفيقها، آلاتها الإيقاعية وأبواقها، تأييدها واستنكارها،... وتعبير "الرنين التعاطفي" استخدمه الباحثان بيدرو سيلفا مارّا وفيليبي تروتّا ضمن بحثهما "الصوت، الموسيقى، والسحر في ملاعب كرة القدم"، الذي أكَّدا فيه أن ذاك الرنين يتحقق بشكل أو بآخر اعتماداً على شدة الاهتزازات الصوتية التي تنقُل التحولات العاطفية من المشجعين إلى اللاعبين في شكل "طاقة". 

ويستشهدان بأن الهتافات المندغمة مع ضربات الإيقاع أثناء التحضير للركلة الحرة تأتي بمنزلة تصاعد للطاقة الموجهة للاعب المُرَكِّز الذي استوعب الصوت، وأصدر صدىً للطاقة المحيطة، تجسدت عندما ركض نحو الكرة ورَكَلَها مُسجِّلاً هدفاً، انفجر بعده الملعب بأكمله في جو من الإثارة العاطفية الهائلة.

يقول الباحثان في علوم التواصل الاجتماعي: "إن بعض الأغاني وصيحات التشجيع والإيقاعات تحتوي على ميزات صوتية جاذبة. عند الوصول إليها في مواقف معينة، فإنها تمتلك قوة مُعدية تنتشر عبر الفضاء، ما يتيح تحويل بحرٍ غير واضح من الأصوات إلى انسجام قوي، كما لو أنها تعويذة أو خدعة سحرية. إنها لحظات ذات شدّة عاطفية كبيرة ومتسامية، تُجَسِّد القوة الساحرة للغناء، والتي تملأ أجساد اللاعبين على أرض الملعب بطاقتها".

ورغم صعوبة تفسير هذه الظاهرة تفسيراً علمياً حاسماً، إلا أن المُشَجِّع، كما يقول عنه إدواردو غاليانو في كتابه "كرة القدم بين الشمس والظل"، هو: "اللاعب رقم 12 والذي يعرف جيداً أنه هو من ينفخ رياح الحماسة التي تدفع الكرة حين تغفو، مثلما يعرف اللاعبون الــ 11 الآخرون جيداً أن اللعب من دون مشجع أشبه بالرقص من دون موسيقى".

هذا ما أكدته تجربة اللعب من دون جمهور في ظل جائحة "كورونا". إذ قامت بعض القنوات والبطولات ببث المباريات مصحوبة بأصوات جماهير مسجّلة أو افتراضية، بينها أصوات مستمدة من أرشيف لعبة فيديو كرة القدم "فيفا". 

ورغم محاولتها محاكاة انفعالات الجمهور الصوتية، بحماسه في حال الأداء الجيد لفريقه، أو تعبيره عن الإحباط في حال العكس، أو استهجانه لقرارات الحكم، وغير ذلك، إلا أنها بقيت بعيدة عن حيوية الواقع وجمالياته، وأكَّدت في الوقت نفسه  أن جمهور كرة القدم أكثر من مجرد مؤثرات صوتية، بل هو جزء رئيس من طقوسية هذا الحفل الممتد إلى ما يزيد على الساعة والنصف، وصوت فريد ينجدل مع طيف الأصوات الأخرى التي يتضمنها الملعب.

ولهذا، فإن مهندسي عدد من الملاعب الحديثة باتوا يضعون في حساباتهم أن تشتمل تصميماتهم على ميزات تساعد في دعم المشجعين من خلال محاصرة أصواتهم وتضخيمها، واستخدام أسطح لا تمتص الضوضاء بل تنشرها، مع دراسة مستويات الصوت بالديسيبل واختبارها حتى تحقق المرجو منها في تضخيم صوت الهتافات وأغنيات التشجيع، وفي الوقت ذاته من دون أن تكون قاسية على الأشخاص داخل الملعب.

وبعد عرضنا لسيمفونية الأصوات هذه، لا يسعنا إلا التأكيد  أن التجربة السمعية في كرة القدم لا تقل أهمية أبداً عن نظيرتها البصرية.

 

اخترنا لك