هل يسعى نتنياهو لاستئناف الحرب على قطاع غزه؟

قطاع غزة لا يبدو أنه على أعتاب حرب حتمية قريبة بقدر ما يبدو أنه على حافة توظيف دائم للصراع وخدمة المصالح السياسية بشكل أساسي لنتنياهو.

0:00
  •  نتنياهو يتعامل مع قطاع غزة كورقة سياسية!
    نتنياهو يتعامل مع قطاع غزة كورقة سياسية!

هناك قاعدة سياسية تقول إن الحروب لا تتحرك بدوافع عسكرية بحتة، كما لا تدار الانتخابات بمعزل عنها، والمشهدية في قطاع غزة تبدو إلى الآن شديدة التعقيد لطالما بقيت في قلب معادلات وحسابات السياسية الداخلية الإسرائيلية، في ظل ترقب التحولات الكبرى التي تجري في الإقليم، وتحديداً مسار المواجهة المحتملة مع إيران.

وفي هذا السياق، هناك تقدير موقف سائد يشير إلى أن نتنياهو يريد بل يتعمّد إبقاء خيار المعركة المقبلة مع قطاع غزة خياراً مفتوحاً ليس لاعتبارات أمنية فحسب بل كأداة سياسية واستراتيجية في آن واحد لأهداف انتخابية باعتبار سنة 2026 بالنسبة له هي سنة انتخابية بالدرجة الأولى.

ومع كل ظهور إعلامي، يلوّح بنيامين نتنياهو بالخيار العسكري من جديد ضد قطاع غزة. 

وللتعمق أكثر في قراءة المشهدية وتحليلها، والعلاقة بين قطاع غزة والاحتلال الإسرائيلي وتفسير السلوك الإسرائيلي في هذا السياق، فمن الواضح أن ملف غزة تحوّل إلى سيف مسلط يشهر عند الحاجة ويؤجل عند الضرورة لدى حسابات نتنياهو السياسية.

الاستراتيجية المعروفة منذ سنوات أن قطاع غزة لم يعد ساحة منفصلة أو هامشية في العقل الإسرائيلي الاستراتيجي، بل بات جزءاً من مشهد إقليمي أوسع تتداخل فيه الجبهات والرسائل. 

يدرك نتنياهو أن أي قرار بالذهاب إلى معركة واسعة مجدداً في قطاع غزة لا يمكن فصله عن احتمالات التصعيد مع إيران، سواء بشكل مباشر أو عبر قوى المقاومة الأخرى في الإقليم. 

التقدير أن نتنياهو يترقب المشهد بحذر وقلق شديد، ما الذي يخطط له الرئيس الأميركي ترامب تجاه ملف إيران في هذه المرحلة المقبلة، ففتح جبهة واسعة في غزة مرة أخرى في ظل احتمال اندلاع مواجهة أكبر مع طهران قد يضع "إسرائيل" أمام استنزاف جديد متعدد الجبهات، وهو سيناريو لطالما حاولت المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تجنّبه أو التحكم بإيقاعه. 

إبقاء التهديد قائماً من دون الانزلاق الفوري إلى تجديد الحرب الشاملة يحقق لنتنياهو هدفين أساسيين: الهدف الأول/ الحفاظ على الجهوزية العسكرية من دون الانزلاق والاستنزاف وانتظار اتضاح المشهد الأميركي-الإيراني قبل اتخاذ أي قرار نهائي يخص قطاع غزة. 

الهدف الثاني/ واضح أن نتنياهو يعمل وفق استراتيجية أن الحرب برنامج سياسي بامتياز، إذ لا يمكن فهم السلوك الإسرائيلي تجاه غزة بمعزل عن الاستحقاق الانتخابي المقبل في "إسرائيل"، سواء جرت انتخابات مبكرة في حزيران/ يونيو أو في موعدها الرسمي أواخر تشرين الأول/ أكتوبر القادم، لذلك فإن العامل الأمني سيظل حاضراً بقوة في وعي الناخب الإسرائيلي. 

نتنياهو الذي يواجه أزمات داخلية متعددة بعد توقف الحرب الإسرائيلية على غزة في وقت تشهد الساحة السياسية الداخلية انقسامات حادة، وتطارده ملفات قانونية، ويدرك أن الأمن هو الورقة الأقوى للعب على هذا الوتر، وفي هذا السياق. 

بمعنى أدق، إن ملف غزة تحوّل إلى أداة ضغط انتخابي بالدرجة الأولى في ظل إبقاء التهديد قائماً من قبل نتنياهو، والحديث المتكرر عبر وسائل الإعلام عن معركة قادمة لا مفر منها يضع الناخب الإسرائيلي في حالة مفادها أن "إسرائيل" تعيش في خطر دائم، وأنها بحاجة إلى قيادة قوية ومجربة في أوقات الأزمات، وبالتالي يحقق نتنياهو هدفه السياسي من وراء ذلك. 

وبهذه الاستراتيجية لا يسعى نتنياهو إلى حسم عسكري نهائي ضد حماس والفصائل المقاومة في قطاع غزة بقدر ما يسعى إلى إدارة الصراع معها بطريقة تخدم أجندته السياسية، فالحرب القريبة من موعد الانتخابات أو حتى التهديد الجدي بها كفيل بإعادة ترتيب الأولويات لدى الشارع الإسرائيلي وإزاحة قضايا الفساد والانقسام الداخلي إلى مرتبة ثانوية بشكل أساسي. 

تصريحات نتنياهو المتكررة تنضوي في سياق إدارة الصراع لا حسمه بحيث تبقي سيف التهديد مسلطاً، وهو أحد أهم مفاتيح فهم السياسة الإسرائيلية تجاه مفهوم إدارة الصراع مع قطاع غزة بدلاً من حسمه، ونتنياهو بخلاف الخطاب العلني المتشدد يدرك جيداً أن القضاء على حماس والمقاومة الفلسطينية في قطاع غزة ليس هدفاً واقعياً أو ممكناً من دون أثمان باهظة سواء كانت داخلية أو خارجية، لذلك يبقي حال التهديد العسكري قائماً كسيف مسلط يشهره متى يشاء ويخفضه متى اقتضت الحاجة، وهذا السيف يخدم نتنياهو على مستويات عدة، أبرزها المستوى الداخلي الذي يعزز صوته كسيد ورائد للأمن القومي في "إسرائيل"، وكذلك على المستوى الخارجي يرسل رسائل ردع خاصة بفصائل المقاومة الفلسطينية وإلى اللاعبين الإقليميين بشكل واضح وصريح.

انتخابيًا، يبقي نتنياهو الحرب حاضرة في ذهن الناخب الإسرائيلي حتى من دون اندلاعها فعلياً، وبهذا المعنى تصبح غزة مساحة ضبط إيقاع أكثر منها ساحة قرار نهائي للتصعيد المحدود والضربات المركزة، أما التلويح بحرب شاملة فكلها أدوات تأتي في صندوق نتنياهو السياسي الانتخابي.

ثمة سؤال يطرح نفسه، لماذا يكثر نتنياهو الحديث عن توقيت المعركة مع غزة قرب الانتخابات الإسرائيلية؟

في تقديري، نتنياهو يريد أن تكون أي معركة محتملة قريبة جداً من موعد الانتخابات الإسرائيلية. هذا التوقيت ليس تفصيلاً هامشياً أو عابراً بل عنصراً حاسماً في الحسابات السياسية الخاصة لدى نتنياهو، فالحرب أو حتى أجواء الحرب تنتج حالة تأييد كبير والتفاف واسع حول نتنياهو وحزبه في أي معركة انتخابية، وتقلل من شهية الجمهور الإسرائيلي للمغامرة بتغيير رأس السلطة في وقت حساس تمر به "إسرائيل" على وجه الخصوص، وبالتالي كلما اقتربت المعركة من موعد الانتخابات زادت قدرتها على التأثير في خيارات الناخبين في "إسرائيل". 

لكن، في المقابل، يدرك نتنياهو خطورة الذهاب إلى حرب مفتوحة قد تطول أو ربما تخرج عن السيطرة فتتحول من رصيد انتخابي إلى عبء سياسي كبير، لذلك يبدو الخيار المفضل لديه هذه الفترة هو إبقاء المعركة محتملة لا مؤكدة ولا قريبة واقعة في المنظور القريب. 

قطاع غزة لا يغيب في الحسابات الإسرائيلية بالمطلق، وفي خضم هذه الحسابات المعقدة تبقى غزة الحلقة الأقرب في التهديد الدائم بالحرب حتى من دون اندلاعها بشكل فعلي، وهذا يعني استمرار الحصار وتفاقم الأوضاع الإنسانية من دون إعمار وبقاءها في حالة انتظار ثقيل لمعركة قد تأتي في أي لحظة من دون التقدم في أي مسار يمكن أن يعيد الحياة مجدداً إلى قطاع غزة. 

وثمة سؤال آخر، قد يسأله سائل ماذا عن موقف حماس والمقاومة الفلسطينية من هذه السردية؟ أعتقد أن حماس والمقاومة الفلسطينية تدركان الحسابات جيداً وتتحضران لها إزاء أي سيناريو مفاجئ وتحاولان إدارة الصراع بما يقلل من فرص الانزلاق إلى مواجهة شاملة لا تخدم مصالحهما في هذه المرحلة. وهكذا يقف كل طرف في حرب أعصاب طويلة. 

في ضوء هذا التقدير، يمكن القول إن نتنياهو لا يتعامل مع قطاع غزة بوصفه ساحة معركة قادمة فحسب بل كورقة سياسية واستراتيجية طويلة الأمد، هو يريد أن يعرف أولًا إلى أين يتجه المسار الأميركي تجاه إيران، ويريد ثانياً أن تستمر سياسة التهديد بالحرب مجدداً على غزة انتخابيًا إلى أقصى حد ممكن. 

وبالتالي، بين هذين الهدفين تبقى غزة كالمعتاد رهينة حسابات إسرائيلية لا علاقة لها بأمن أو بحلول جذرية للصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، فالمعركة في عقل نتنياهو ليس بالضرورة تلك التي تخاض بل التي تظل حاضرة في الذهن والعقل الإسرائيلي، وقابلة للاشتعال في أي لحظة بشرط أن تكون قادرة على إعادة إنتاجه سياسيًا مره أخرى.

أعتقد أن قطاع غزة لا يبدو أنه على أعتاب حرب حتمية قريبة بقدر ما يبدو أنه على حافة توظيف دائم للصراع وخدمة المصالح السياسية بشكل أساسي لنتنياهو، حيث يصبح التهديد نفسه أداة للوصول مجدداً إلى رأس السلطة في "إسرائيل" وتتحوّل المعركة المؤجلة إلى جزء من استراتيجية نتنياهو للبقاء في السلطة، وعلى رأس هرم السلطة في "إسرائيل".