هل هي المنازلة الكبرى؟
تتجلى مشهدية المنازلة الكبرى في قراءة عبث الاستراتيجيات الأميركية- الإسرائيلية الراهنة، والتي ظهرت في كشف نتنياهو عن رؤية "إسرائيل الكبرى" وما تابعه فيه السفير الأميركي في القدس منذ أيام مؤيداً ومروّجاً للرؤية ذاتها.
-
مستقبل الاستثمارات في المنطقة سيبقى رهناً بمآلات الحرب على إيران خلال الفترة المقبلة.
ليست هرمجدون الواردة في الأساطير المسيحية بالتأكيد، ولا حروب المهدي المنتظر في الثقافة الإسلامية أو انبعاث المسيح في السياق اليهودي، ولكنها حرب الغرب كل الغرب برأس حربته "إسرائيل"، ضد قوى النهوض في أمتنا وقد اكتملت أركانها، ولم يعد ثمة نهوض حقيقي في أمة المليارين إلا ما كانت القدس بوصلته المباشرة، ودونها مشاريع في تمرير المؤامرة لتبقى القدس أسيرة والأمة في تجزئة والاستبداد سيد الموقف.
ولا هي حرب بين حربين وقد حشدت أميركا أساطيلها في عمق بحارنا، وأقامت عشرات القواعد العسكرية في كل صحارينا، واتخذت جبال عروبتنا مرابض للرصد ورادارات للتتبع، وحددت هدف الحرب أن يسقط نظام الجمهورية الإسلامية، لذا اغتالت مرشدها وصاحب ميراث ثورتها، ولم يسلم من جحيم قصفها حتى مدرسة أساسية للبنات، كما حفيدة المرشد وزوجته ولاعبات كرة الطائرة.
ظلت إيران وقوى المحور تحاول تأجيل هذه المنازلة، وهي تتحرك طوال العقدين الماضيين في خطين متوازيين؛ مراكمة المساس بهيبة الردع الإسرائيلية- الأميركية بشكل تدريجي منضبط، مع التعبئة الداخلية وتعزيز التماسك الداخلي سواء في إيران أو عبر امتداد المحور، حتى جاء السابع من أكتوبر2023، والذي تجاوزت قوته حدود طاقة غزة وعامة المحور، عندما نسف هيبة الردع الإسرائيلية دفعة واحدة بكل ارتداداتها العسكرية والنفسية، ما استدعى الغرب كل الغرب أن يهرع لنجدة رأس حربته المتقدمة في قلب أمتنا.
حشد الغرب كامل قوته وجعل من سحق غزة ثم لبنان وسوريا وإيران، هدفاً تمر عبره استعادة الكيان الإسرائيلي لتوازن دوره المركزي من جديد، ومعه يجدد الغرب بزعامة أميركا نفوذه الحاسم على مستوى العالم بطاقة جديدة تكون غزة عندها عبرة لمن يعتبر، وفي ضوء ذلك سقطت سوريا، بعد أن تلكأ نظام الأسد عن المشاركة في الإسناد وقد اعتبر ذلك عنتريات جوفاء، ليبدأ عهد سوريا الجولاني كأداة طيّعة بيد السيد الأميركي، ووجد لبنان نفسه أمام استحقاق حكومته الجديدة بأولوية نزع سلاح مقاومته، وقد تكامل الطوق على إيران وحانت ساعة نظامها الإسلامي المقاوم.
تتجلى مشهدية المنازلة الكبرى في قراءة عبث الاستراتيجيات الأميركية- الإسرائيلية الراهنة، والتي ظهرت في كشف نتنياهو عن رؤية "إسرائيل الكبرى" وما تابعه فيه السفير الأميركي في القدس منذ أيام مؤيداً ومروّجاً للرؤية ذاتها، وفي أصدائها ظهر عجز الأنظمة والأحزاب والنخب عن مواجهة دعوات كهذه، لتتكثف مشهدية المنازلة الكبرى على مستوى الميدان المتفجر منذ السابع من أكتوبر، وما تخلله من مواجهات الوعد الصادق 1، 2، 3.
وعد صادق ظل كبريق السيف يتدحرج عبر ارتدادات حرب الإبادة في غزة، وما نتج عنه من حرب راهنة جعلتها إيران إقليمية شاملة ظهرت في الوعد الصادق 4، وقد طاش سهم الثنائي ترامب- نتنياهو باتجاه اغتيال مرشد الثورة، بعد أن درسوا نتائج النجاح السابق باغتيال سيد المقاومة ونبض روحها حسن نصر الله، بهدف حشر حزب الله في زاوية المراوحة الداخلية حفاظاً على سلاح مقاومته.
يمكن قراءة جوانب مشهدية المنازلة الكبرى الراهنة، وهي توزع شظاياها كصواريخ "خيبر" و"فتاح" في سماء "تل أبيب" نحو أحيائها الكبرى في "هرتسيليا وبيتح تكفا وعموم غوش دان"، وحيث تحوّلت ملاجئ القدس المحصنة في "بيت شيمش" للاجتماعات الأمنية السرية قاعاً صفصفاً، في موازاة حرق القواعد الأميركية وسفاراتها في الكويت والسعودية والإمارات وقطر على امتداد الإقليم حتى قبرص، ونعوش الأميركيين بدأت تُشحن إلى الديار، مع مزيد من سقوط طائرات الإف15 بالجملة، ومعها بات يتصدر سؤال الحرب أميركياً عمن قررها؟ ومن يموّلها؟ ولمصلحة من تجري؟ وكم ستكون مدتها؟
يأتي سؤال الزمن كما سؤال العودة للتفاوض حاسماً في إجابة الأمين العام لمجلس الأمن القومي الإيراني علي لاريجاني، وهو الشخص القوي الذي يمسك بإدارة المعركة، وإن لم يكن من ثلاثيّ القيادة المؤقتة وهم رئيس الجمهورية ورئيس السلطة القضائية وممثل عن مجلسيّ الدستور والخبراء، يجيب لاريجاني بشكل حاسم أن لا تفاوض مع الأميركي الراهن وهو يجعل مصلحة "إسرائيل" أولاً بدلاً من أميركا أولاً، ويضيف أن إيران أعدّت نفسها لحرب طويلة الأمد وإن كان ترامب يتحدث عن مجرد أربعة أسابيع.
ترك هذا الحسم الإيراني الكامل وراءه عقوداً من الصبر الاستراتيجي والحرب الهجينة وجهود الاحتواء، ما يفتح الحرب على معادلة استنزاف يعلو فيها صوت الصواريخ والطائرات المسيرة على هدير حاملات الطائرات العملاقة في تصاعد يومي، وهي تفرض معادلة إخلاء "تل أبيب" والقدس وبئر السبع وحيفا من شوارعها وتكدس مستوطنيها معظم الوقت في ملاجئها.
الإخلاء بالإخلاء لم يعد يقتصر اليوم على "كريات شمونة" وحدها، ولا المستوطنات العقائدية التلمودية في الشمال، هو إخلاء عملي يطول أمده ولسان حاله يقول؛ ليست العديسة وكفر كلا ومارون الراس وقرى الحافة اللبنانية الـ53 وحدها من يتوجب إخلاؤها من ساكنيها، ولا أحياء طهران حيث مقار التلفزيون الرسمي ومجمعات الحكومة وحدها، ولا حارة حريك وبقية أحياء الضاحية حيث تلفزيون المنار وقناة الميادين، بل هي الحرب غير المسبوقة وهي تتسع وتزداد حدّة لتبتلع معها كل معادلات الضربات الأميركية- الإسرائيلية الخاطفة، وليذهب معها نجاح فنزويلا الأميركي وقد أصبح نسياً منسياً.
يخرج البحرينيون إلى الشوارع بصدور عارية في ملاحقة قوات درع الجزيرة التي استعبدتهم طوال سنين، بعد أن شاهدوا طوال ثلاثة أيام جبروت الأسطول الأميركي الخامس وهو يحترق، والطائرات الإيرانية المسيرة تطارد الأميركيين في أوكار اختبائهم على امتداد الخليج في البحرين والإمارات السبع، وتصبح المصالح الأميركية في السعودية على اتساع رقعتها ومدى بعدها، في متناول القوات المسلحة الإيرانية ما يؤرق ترامب ويجعله يتوعد بالرد.
يتوعد ترامب بالرد على تدمير سفارته في الرياض، أيّ رد هذا وهو الذي أشعل هذه الحرب، ويفشل في وضع حد لنهايتها، في وقت يظهر الإيراني أشد عزيمة وهو تحت النار تأكل جسد أطفاله، وقد بات الأميركي والإسرائيلي في معرض الدفاع مع كامل دول المرتزقة في الجوار، يبحثون عن حل من دون طائل، وكأنهم لا يعون أنها المنازلة الكبرى التي ستحدد مستقبل الشرق الأوسط لعقود كاملة، حسب ما رأى يوآف غالانت وزير الحرب الإسرائيلي السابق، هو مستقبل يريده الغرب إسرائيلياً بامتياز بعد أن رضخ له أكثر العرب منذ زمن بعيد، ولكنها إيران وحيدة مع بقية كرامة في دول المحور تنتصر لمبادئها، وتضع يدها على جرح القدس، فهل تواصل صمودها وكبرياءها وهي تنزف صبح مساء؟