هل تتحرك الصين لاحتواء التصعيد بين السعودية وأنصار الله؟

تتجه الأنظار اليوم إلى الصين بوصفها إحدى القوى الدولية التي تمتلك علاقات تتيح لها المساهمة في احتواء توتر السعودية مع القوات المسلّحة اليمنية من دون أن يعني ذلك استعدادها للانخراط المباشر في تعقيدات الصراع اليمني.

0:00
  • المصالح الصينية تحت ضغط التصعيد.
    المصالح الصينية تحت ضغط التصعيد.

منذ اندلاع الحرب على إيران، أبدت بيجين مخاوف متكررة من اتساع نطاق المواجهات العسكرية وتحوّلها إلى صراع إقليمي يصعب احتواؤه. ويبدو أن ما كانت تخشاه بدأ يتجسد مع انتقال التصعيد إلى الجبهة السعودية–اليمنية، واستهداف منشآت حيوية داخل المملكة، بما فيها منشآت الطاقة والمطارات.

فقد شهدت الأيام الأخيرة هجمات من قِبل القوات المسلّحة اليمنية على مطار الملك خالد الدولي ومنشآت "أرامكو"، وسط تهديدات بمواصلة العمليات العسكرية، الأمر الذي يثير تساؤلات بشأن قدرة الأطراف الإقليمية والدولية على منع انزلاق المنطقة نحو مواجهة أكثر اتساعاً.

تتجه الأنظار اليوم إلى الصين بوصفها إحدى القوى الدولية التي تمتلك علاقات ومصالح تتيح لها المساهمة في احتواء توتر السعودية مع القوات المسلّحة اليمنية، من دون أن يعني ذلك استعدادها للانخراط المباشر في تعقيدات الصراع اليمني.

والصين بالتالي أمام معادلة معقدة؛ فمن جهة، لا ترغب في الانخراط المباشر في النزاعات الإقليمية، أو تحمّل مسؤوليات أمنية تتجاوز نهجها الدبلوماسي التقليدي، ومن جهة أخرى، لا تستطيع تجاهل التهديدات التي تطال مصالحها الاقتصادية وشركاءها التجاريين ومصادر إمداداتها النفطية. لذلك، قد لا يتخذ شكل التدخل الصيني وساطةً مباشرةً تهدف إلى التوصل إلى تسوية سياسية شاملة، بل قد يتركز على توظيف علاقات بيجين مع السعودية وإيران وأنصار الله لتقريب وجهات النظر، وتشجيع الحوار، والحد من التصعيد العسكري، بما يحول دون اتساع رقعة المواجهة وانعكاساتها على الاستقرار الإقليمي والمصالح الاقتصادية الصينية.

المصالح الصينية تحت ضغط التصعيد

لا تنطلق المخاوف الصينية من تصعيد السعودية وأنصار الله من اعتبارات سياسية أو إنسانية فحسب، وإنما ترتبط بصورة مباشرة بمصالح بيجين الاقتصادية والاستراتيجية المتنامية في المنطقة؛ إذ إن أي انزلاق نحو مواجهة إقليمية أوسع من شأنه أن يهدد أمن إمدادات الطاقة والممرات البحرية، ويعرض استثماراتها وشراكاتها الاقتصادية لمخاطر متزايدة. فالسعودية تمثل شريكاً رئيسياً للصين في مجال الطاقة والتجارة والاستثمار، كما أن استقرار المنطقة يشكل عنصراً مهماً في ضمان استمرار تدفقات النفط والغاز والسلع إلى الأسواق الآسيوية.

وتبرز في هذا السياق العلاقات الواسعة بين شركة "أرامكو" السعودية والشركات الصينية، ولا سيما الاستثمارات المشتركة في المصافي ومجمعات البتروكيميائيات داخل الصين. وبعض هذه الشراكات تحوّل العلاقة من مجرد تبادل تجاري للنفط إلى ترابط صناعي واستثماري طويل الأمد، يجعل استقرار الإنتاج والإمدادات السعودية مصلحةً مباشرةً للاقتصاد الصيني.

وتزداد أهمية هذه المخاوف في ضوء التداعيات التي خلفتها الحرب على إيران بالنسبة إلى أمن الملاحة في مضيق هرمز؛ فقد أصبحت الموانئ السعودية على البحر الأحمر، ولا سيما ميناء ينبع، ذات أهمية متزايدة في نقل النفط بعيداً من المضيق. غير أن التصعيد من قِبل القوات المسلّحة اليمنية في البحر الأحمر وباب المندب يهدد بدوره سلامة هذا المسار البديل، ما يضع الصين أمام تحدٍّ مزدوج يتعلق بأمن الطاقة من جهة، واستقرار طرق التجارة البحرية من جهة أخرى.

جهود صينية سابقة

على خلاف الاعتقاد بأن الصين بعيدة عن الملف اليمني، فقد سبق لبيجين أن انخرطت في اتصالات سياسية مع أطراف الصراع، وإن ظل دورها محدوداً مقارنةً بالأدوار التي اضطلعت بها الأمم المتحدة وسلطنة عمان.

ففي عام 2016، استقبلت بيجين وفداً من جماعة أنصار الله برئاسة محمد عبد السلام لبحث الأزمة اليمنية وسبل تسويتها سياسياً.
وفي عام 2017، سعت بيجين إلى إعادة فتح قنوات التواصل بين أنصار الله والمبعوث الأممي إلى اليمن إسماعيل ولد الشيخ أحمد، بعد تعثر الاتصالات بين الطرفين بشأن ميناء الحديدة.
والحديث عن دور صيني حالي للتهدئة بين السعوديين والقوات المسلّحة اليمنية لم يعد مجرد احتمال نظري، بل يستند إلى تحركات واتصالات معلنة. ففي 17 أيلول/سبتمبر الماضي، كشفت وكالة «رويترز» أن السعودية طلبت مساعدة الصين عقب تصاعد عمليات أنصار الله، وأن بيجين تواصلت مع طهران بصورة غير معلنة لحثها على استخدام نفوذها للحد من التصعيد.

كذلك أفادت «رويترز» في تموز/يوليو الماضي، بأن بيجين أجرت اتصالات مباشرة مع أنصار الله لضمان مرور ناقلاتها عبر جنوب البحر الأحمر، بعدما أعلنت الجماعة قيوداً على الملاحة المتجهة إلى الموانئ السعودية. وتكتسب هذه الاتصالات أهميةً خاصة؛ لأنها تشير إلى أن الصين لا تعتمد بالضرورة على الوسيط الإيراني للتواصل مع أنصار الله، وإنما تمتلك قنوات اتصال يمكن استخدامها لأغراض أوسع من حماية السفن الصينية.

بيجين بين الرياض وأنصار الله

تواجه الصين معادلةً دبلوماسيةً دقيقةً في التعامل مع التصعيد بين السعودية والقوات المسلّحة اليمنية؛ إذ تحرص على حماية شراكتها الاستراتيجية مع الرياض، وفي الوقت نفسه الحفاظ على قنوات التواصل مع أنصار الله وإيران بما يتيح لها هامشاً للتحرك الدبلوماسي.

وقد عكست المواقف الصينية هذا التوازن؛ إذ أعربت بيجين عن قلقها إزاء استهداف المنشآت المدنية ومنشآت الطاقة، مؤكدةً ضرورة احترام سيادة الدول وتسوية الخلافات بالوسائل السياسية. كما جددت دعمها للجهود الأممية والإقليمية الرامية إلى احتواء التصعيد. ويعكس هذا الموقف نهج الصين القائم على تجنب الانحياز العسكري والحفاظ على علاقات مع مختلف الأطراف.

غير أن استمرار الهجمات على السعودية قد يضع بيجين أمام اختبار أكثر تعقيداً؛ إذ إن تشديد موقفها تجاه أنصار الله قد يضعف قدرتها على تسهيل الحوار، بينما قد يؤثر الاكتفاء بالدعوات إلى التهدئة في نظرة الرياض إلى الدور الصيني. ومن هنا، تسعى بيجين إلى تحقيق توازن بين حماية مصالحها الاستراتيجية والحفاظ على قدرتها على التواصل مع أطراف النزاع.

لماذا تفضّل بيجين التدخل غير المباشر؟

تقوم السياسة الصينية في الشرق الأوسط على الانخراط الانتقائي؛ إذ تتحرك بيجين عندما ترى أن مصالحها تستدعي ذلك، من دون تحمّل أعباء أمنية وسياسية واسعة. وفي ظل التصعيد بين السعودية والقوات المسلّحة اليمنية، قد تفضل الصين تسهيل الحوار بالتنسيق مع سلطنة عمان والأمم المتحدة، مستفيدةً من علاقاتها مع مختلف الأطراف، بدلاً من قيادة وساطة مباشرة. كما يتيح هذا الدور لبيجين حماية مصالحها، وتعزيز حضورها الدبلوماسي، وإبراز نهجها القائم على الحوار في مقابل المقاربة العسكرية الأميركية، من دون التورط في تعقيدات النزاع اليمني، أو تحمّل مسؤولية ضمان أي اتفاق محتمل.

ورغم امتلاك الصين علاقات وثيقة مع السعودية وإيران وقنوات اتصال مع أنصار الله، فإن قدرتها على فرض التهدئة تبقى محدودة، خصوصاً في ظل تعقيدات النزاع اليمني وارتباطه بالتوترات الإقليمية. كما أن نجاح أي تحرك صيني يتوقف على استعداد الأطراف المعنية لتقديم تنازلات متبادلة. ولذلك، قد يقتصر دور بيجين على تسهيل الحوار وتقريب وجهات النظر، بما يسهم في احتواء التصعيد وحماية مصالحها، من دون الانخراط في وساطة شاملة أو تحمّل مسؤولية ضمان تنفيذ أي اتفاق.

كلما اتسعت المصالح الاقتصادية والاستراتيجية للصين في الشرق الأوسط، ازدادت حاجتها إلى الانخراط في قضايا المنطقة وتفاعلاتها السياسية والأمنية؛ لحماية تلك المصالح وضمان استقرار البيئة الإقليمية التي تتحرك فيها. غير أن هذا الانخراط المتنامي لا يعني بالضرورة استعداد بيجين للاضطلاع بدور شامل أو تحمّل أعباء الصراعات الإقليمية، بل يعكس مقاربةً صينيةً انتقائيةً وبراغماتيةً تقوم على التدخل عندما تتوفر الظروف الملائمة، وتتقاطع الفرص الدبلوماسية مع مصالحها الاستراتيجية، مع تجنب الانجرار إلى التزامات سياسية أو أمنية تتجاوز حساباتها.

فالصين لا تسعى بالضرورة إلى أن تصبح ضامناً لأمن الشرق الأوسط، لكنها باتت تدرك أن حماية مصالحها في المنطقة لم تعد ممكنةً بالاعتماد على الاقتصاد وحده. وفي الوقت نفسه، تستحضر دروس التجربة الأميركية، بعدما شهدت كيف تحوّل الانخراط العسكري في صراعات المنطقة إلى مستنقع من الاستنزاف السياسي والعسكري طويل الأمد. ولذلك، تسعى بيجين إلى تحقيق توازن بين حماية مصالحها وتجنب التورط في صراعات المنطقة عبر دور دبلوماسي أكثر حضوراً، لكنه يبقى محكوماً بسياسة الانخراط الانتقائي.