نحو مؤتمر عام للشيعة في لبنان

فكرة عقد مؤتمر عام للمسلمين الشيعة في لبنان، من جبل عامل جنوبي لبنان ابتداء إلى بعلبك، مرورًا بالضاحية الجنوبية، وعلى امتداد التراب الوطني، هي جديرة بالبحث.

0:00
  • يُفترَض أن يصدر عن المؤتمر العام للشيعة بالبلد إعلان وثيقة سياسية.
    يُفترَض أن يصدر عن المؤتمر العام للشيعة في البلد إعلان وثيقة سياسية.

في زمن التحوّلات الكبرى، التي اجتاحت المنطقة وعصفت بالبلد، لا يمكن التقليل من وطأة المستجدات التي طرأت مؤخرًا على الحياة الوطنية في لبنان على وجه الخصوص، والنظام الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط على وجه العموم، والتي ألقت بثقلها، بقوة وبعنف، على جماعة المسلمين الشيعة، كجماعة سياسية في البلد، وإن طالت بقية اللبنانيين أيضًا؛ ولكنها أثّرت كثيرًا، ولا تزال تؤثّر، في واقع هذا المكوّن السياسي الأساسي، ومصيره ومستقبله، كما في مصير كل البلد ومستقبله. هذا في التوقيت، وكذلك في السياق.

ثمة حاجة إلى عقد مؤتمر عام للشيعة في لبنان. فكرة المبادرة إلى اتخاذ مثل هذا القرار وهذه الخطوة هي في مكانها وفي زمانها. فما حصل مؤخرًا مع الشيعة في لبنان على وجه التحديد ليس بقليل على الإطلاق. من هنا، لا بد من المراجعة للفترة السابقة، والتجربة السابقة أيضًا، للبناء عليها، بعد التقييم والتقويم والنقد. وقد انطلقت هذه المراجعة في الآونة الأخيرة؛ ولكنها ما تزال خلف الأبواب والجدران وفي داخل الغرف المغلقة والمقفلة. هي لم تخرج بعد إلى العلن؛ ولكنها باتت قائمة وواقعة، ولا بد منها، إن عاجلًا أو آجلًا.

من هنا، يُفترَض بمثل هذا المؤتمر العام أن يُظهِر ويعكس التئام أو انعقاد النصاب السياسي والوطني للمسلمين الشيعة في لبنان، بل حتى اكتمال أركان هذا النصاب، بمدلوله السياسي، في مقابل حملة التحريض العنصري والهجمة المركبة والاستهداف الجماعي. إن فكرة المؤتمر العام تهدف إلى تظهير واقع وحقيقة التموضع السياسي للشيعة، ولا نقول أبدًا الاصطفاف السياسي للشيعة، وكذلك اتجاه وربما اتجاهات الرأي العام الشيعي والتفكير السياسي الشيعي في البلد.

هكذا يُفترَض بالمؤتمر العام، في حال انعقاده والتئامه قريبًا أو حتى لاحقًا، أن يضم ويشمل: المجلس الشيعي، قيادتي الثنائي الشيعي (الحركة والحزب)، النواب والوزراء الشيعة، الحاليين والسابقين، الشخصيات العامة الشيعية، الوازنة والفاعلة، النخب الشيعية، السياسية والحزبية والفكرية والمثقفة، وقادة الرأي وصنّاع الرأي والفاعلين والمؤثرين والناشطين السياسيين من الشيعة... فالفكرة تكمن في تأمين أو توفير أكبر وأوسع قدر أو مساحة من المشاركة السياسية والنخبوية لتأمين أو توفير أكبر وأوسع مظلة من الغطاء الشعبي، بحيث لا يجوز بعدها، أو لا يصح، أو لا يستقيم، التشكيك في شرعية ومشروعية التمثيل الشعبي والقدرة على التعبئة والتحشيد السياسيين.

وتجدر الإشارة إلى أن هذه المراجعة، في أعقاب المرحلة السابقة، وعلى أعتاب المرحلة اللاحقة، في هذه اللحظة التاريخية والزمنية، المصيرية والمفصلية، ذلك أنها تفصل ما بين زمنين اثنين، لا تعني البتة التخلي عن الثوابت والمسلمات والمقدسات والمحرمات؛ ولكنها تفترض إعادة التكيف، على ضوء مستجدات المرحلة أو اللحظة، بل ربما إعادة التموضع، بحسب مقتضيات هذه المرحلة أو هذه اللحظة. يجب حسم العديد من الأمور في مثل هذا المؤتمر العام للشيعة في البلد، وإن كان البعض يعتبر أن من الأفضل الانتظار بعد، إلى حين انقضاء هذا المخاض، ومعه انقشاع الدخان والضباب والسحاب، بقصد الرؤية لاستشراف المستقبل. وقد يكون هذا البعض محقًّا في مقاربته للتوقيت وتقديره للوقت؛ ولكن ذلك لا يلغي أهمية وضرورة المباشرة بالمبادرة، ولا ينفي مسؤولية القيّمين عليها والمعنيين بها في التحضير والاستعداد لها.

هذا ويُفترَض أن يصدر عن المؤتمر العام للشيعة في البلد إعلان وثيقة سياسية، تكون شاملة، وتتضمن العديد من النقاط التي يجب حسمها والبت بها، بحيث تعكس التوجهات العامة، المُتفَق عليها، والرؤية السياسية للشيعة في البلد في هذه المرحلة وفي المستقبل إزاء العديد من القضايا، لا سيما المسائل الخلافية أو الحساسة، في محاولة للإجابة عن التساؤلات ذات الصلة، بما في ذلك التعبير عن الهواجس والمخاوف، كما الطموحات والتطلعات، بقصد التوصل إلى قراءة مُحدَّثة ومُعدَّلة لنمط التفكير الشيعي، وكذلك ما الذي يريده الشيعة في لبنان، وما الذي قد يخشاه هؤلاء، أو يحذرون منه، أو يتحفظون عليه...

ثمة أسئلة مشروعة هنا لا بد من محاولة الإجابة عنها أو الرد عليها. وهي، إما أنها تعني الشيعة اللبنانيون، وتشغل بالهم، في ظل المتغيرات الراديكالية والدراماتيكية، وإما أنها تثير قلق أو حفيظة بقية اللبنانيين، ذلك أنها تتصل بمحددات وحدود الموقع والوضع أو الوضعية للشيعة في لبنان، ضمن إطار الصيغة والعقد الاجتماعي والكيان، وكذلك ماهية ومقدار الحجم والوزن والدور في المستقبل القريب وغير البعيد. ربما تحتاج هذه الأمور إلى قراءة جديدة، أو إعادة قراءة من جديد، وفهم عميق، لا لبس فيه، وتحديد أو ضبط خواتيمها ومخرجاتها، بما يؤدي إلى إنهاء حالة الارتباك والتخبط وإعادة بناء حالة التوازن والاستقرار، بعيدًا من الاستفزاز والاستفزاز المعاكس أو المقابل، المراوغة، المماطلة، المعاندة، المزايدة والمناكفة، من هذا أو ذاك، ومن هنا وهناك.

ومن بين القضايا أو المسائل على جدول الأعمال الافتراضي لمثل هذا المؤتمر العام الافتراضي للشيعة في لبنان: نظرة المسلمين الشيعة إلى الدولة اللبنانية؛ موقف المسلمين الشيعة من الدولة اللبنانية؛ علاقة المسلمين الشيعة مع الدولة اللبنانية؛ علاقات المسلمين الشيعة مع المكوّنات الأخرى في المجتمع والبلد والدولة في لبنان؛ السياسة العامة للدولة والحكومة في لبنان، بما يعني المسلمين الشيعة بالجنوب والضاحية الجنوبية وبعلبك؛ الأداء السياسي للسلطة في لبنان حيال المسلمين الشيعة ومساره التاريخي، وكيفية التعامل والتعاطي من قبلها مع المسلمين الشيعة؛ ميثاق العقد الاجتماعي والتوازن السياسي وموقع ومكانة ودور المسلمين الشيعة في هذا السياق وفي هذا الإطار؛ جدلية الحرب مع "إسرائيل" والعداء ضد "إسرائيل"؛ إشكالية الهوية الوطنية اللبنانية؛ خطاب الكراهية ضد المسلمين الشيعة في لبنان؛ صيغة المشاركة السياسية من قبل المسلمين الشيعة في العملية السياسية، ومقدار الحضور السياسي في الحياة السياسية والمشهد السياسي من جانب المسلمين الشيعة...

بناء على كل ما تقدم وورد أعلاه، فإن فكرة عقد مؤتمر عام للمسلمين الشيعة في لبنان، من جبل عامل جنوبي لبنان ابتداء إلى بعلبك، مرورًا بالضاحية الجنوبية، وعلى امتداد التراب الوطني، هي جديرة بالبحث.

فالمطلوب هو استنهاض الحالة الشيعية، أو لنقل الشيعية السياسية، كحالة سياسية، على غرار المارونية السياسية والسنية السياسية، وقياسًا عليهما، ضمن إطار الحياة الوطنية، أو لنقل بالأحرى الحياة الوطنية. ويبقى النقاش حول التوقيت السياسي والزمني بالتحديد، وليس الأهمية والضرورة والحاجة والجدوى والفعالية. فبينما يرى البعض أن الوقت حان لهذه المبادرة، يعتقد البعض الآخر أن من الأفضل التريث والتمهل بعد. بين هذين الحدين، ليس هناك ما يمنع من الشروع في التفكير والتحضير لمثل هذا المشروع، بنية وبقصد مواكبة التطورات والتبدلات، في الداخل وفي الخارج، ومجاراتهما.