مناورة "إرادة السلام 2026" في جنوب أفريقيا: رسائل ودلالات

المناورة البحرية في جنوب أفريقيا "إرادة السلام 2026" ليست حدثاً عسكرياً عابراً ولا استعراض قوة اضطرارياً، لكنها عملية فوق إقليمية تهدف إلى إعادة رسم خريطة التحالفات الاقتصادية والعسكرية.

0:00
  •  المناورة البحرية في جنوب أفريقيا عملية تهدف إلى إعادة رسم خريطة التحالفات الاقتصادية.
    المناورة البحرية في جنوب أفريقيا عملية تهدف إلى إعادة رسم خريطة التحالفات الاقتصادية.

في بيئة دولية تعصف بها المتغيرات والتحولات غير المسبوقة لجهة التفرد الأميركي في صياغة مفردات ومحددات جديدة تحكم النظام العالمي وعلاقاته الدولية عنوانها الأبرز التفرد والاستفراد الأميركيين؛ قررت كل من روسيا والصين وإيران وجنوب أفريقيا أن تكون لها كلمة وموقف وإرادة مستقلة.

 من دون تصعيد وبهدوء، وفي مشهد مُحمّل بالرسائل والدلالات، انطلقت يوم 9 كانون الثاني/ يناير 2026؛ مناورة "إرادة السلام 2026" البحرية متعددة الجنسيات قبالة سواحل جنوب أفريقيا، في أول تدريب عسكري يُنظم رسمياً تحت مظلة إطار "بريكس بلس" الموسّع، في خطوة وُصفت بأنها محطة مفصلية في مسار التعاون الدفاعي بين دول التكتل وشركائه.

مناورة "إرادة السلام 2026" ظاهرها تدريب وتنسيق عسكري يشمل أنشطة حول ضمان السلامة البحرية، وحماية الملاحة، وتنسيق العمليات المشتركة بين الأساطيل المشاركة؛ وفي باطنها رسائل استراتيجية عميقة؛ إذ تُشير إلى تحوّل في تموضع القوى الدولية وإعادة صياغة التحالفات البحرية خارج الهيمنة الغربية عموماً والأميركية على وجه الخصوص؛ إذ إنها تأتي في توقيت تشهد الساحة الدولية توترات متعددة على محاور القوة والهيمنة الاقتصادية والسياسية. 

في الإفادات المتاحة والصادرة عن وزارة الدفاع في جنوب أفريقيا، فإن المناورة تمتد من 9 إلى 16 كانون الثاني/ يناير 2026، ما يعني أن هذه ليست مناورة عابرة وأن هذه المدة تعني أن الرسائل المراد إيصالها تتجاوز الجغرافيا المحلية، خصوصاً أن المُعلن هو أن المناورة تهدف إلى تعزيز الجاهزية العملياتية المشتركة، وتنسيق أمن الملاحة، ورفع مستوى قابلية العمل البيني بين القوات البحرية المشاركة.

 أما سياسياً، فإن الصين هي رأس الحربة في تلك المناورة إذ تتولى دور الدولة القائد لهذه النسخة من التمرين، وقد أكدت وزارة الدفاع الصينية أن مخططيها العسكريين ينسقون هياكل القيادة والاتصال وجداول المناورات بالتعاون مع البحرية الجنوب أفريقية. وبينما تتغول الولايات المتحدة وتكشر عن أنيابها وتمد أذرعها العسكرية وتكشف أجنداتها تجاه دول العالم، تبدو الصين وفق تصريحات مسؤوليها في توصيف المناورة بأنها تجسيد للالتزام الجماعي بالسلام والأمن البحريين والتعاون بين دول "بريكس بلس".

جاءت المناورة في بيئة متوترة بين واشنطن وجنوب أفريقيا وبالتالي، فإن الرسائل ليست بريئة. وبحسابات الربح والخسارة ووفق أبجديات نظرية المباريات المُفسرة للصراعات الدولية، فإن جنوب أفريقيا تُسجل هدفاً مهماً جداً في الملعب الأميركي وذلك عندما جمعت روسيا والصين وإيران في مناورة "إدارة السلام 2026". وتقول الرسالة إن جنوب أفريقيا بوابة استراتيجية بين المحيطين الأطلسي والهندي وأنه لا يمكن لواشنطن الاستفراد بها.

ولجهة التوقيت ودلالاته، فقد نُفذت مناورة "إرادة السلام 2026" بعد أيام من إعلان الولايات المتحدة عن احتجاز ناقلة نفط روسية مرتبطة بفنزويلا في شمال الأطلسي بدعوى انتهاكها العقوبات الغربية، وقد تزامنت المناورات مع تصاعد التوتر بين إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب وعدد من دول "بريكس بلس"، بينها الصين وإيران وجنوب أفريقيا والبرازيل.

إن دلالات الرسائل التي تحملها مناورة "إرادة السلام 2026" لا تقتصر على التوتر الحاصل بين جنوب أفريقيا والولايات المتحدة بل تتجاوز ذلك لتُعلن أن هذه الدول لا تكتفي بنقل التعاون الاقتصادي فيما بينها إلى درجة أعلى من التعاون والتنسيق العسكري، ولكنها تُعلن أن التكتل الاقتصادي الذي تمثله وتعبر عنه بات لديه إرادة عسكرية وبحرية أيضاً، ذلك أن هذا التمرين يعتبر أول مناورة بحرية تحمل رسمياً علامة "بريكس بلس" منذ توسع التكتل، وهو ما يعني تعزيز التعاون الأمني والعسكري داخل تكتل اقتصادي صاعد ومتدحرج ويتمدد ولديه رؤية واضحة وقراءة للمتغيرات الدولية المحيطة به. 

قوة المناورة أنها لا تُعبر عن إرادة دولية فقط بل تُعبر عن إرادة تكتل دولي اقتصادي عابر للأقاليم الجغرافية، وأن هذا التكتل يسير بخطوات مدروسة جيداً، والأهم أنه لا يريد استفزاز أي طرف، وهذا ما قدمته ومررته دولة جنوب أفريقيا على لسان نائب وزير الدفاع "بانتو هولوميسا" في قوله: "هذه التدريبات مُخطَّط لها منذ فترة طويلة"، مضيفًا: "لا داعي للذعر لأنّ الولايات المتحدة لديها مشكلة مع بعض الدول، هؤلاء ليسوا أعداءنا. علينا التركيز على التعاون مع دول "بريكس" وضمان أمن المحيطين الهندي والأطلسي". 

من أهم دلالات مناورة "إرادة السلام 2026" أنها تُنظم ضمن تكتل اقتصادي هو "بريكس بلس"، وهو امتداد سياسي واقتصادي لتكتل "بريكس" الذي يضم قوى اقتصادية صاعدة، الأمر الذي يعكس رغبة هذه الدول وإرادتها في ترسيخ تعاون اقتصادي وأمني بعيداً عن الأطر الغربية التقليدية وخارج نطاق "الناتو"، لا سيما في منطقة استراتيجية مثل جنوب أفريقيا عند ملتقى المحيطين الأطلسي والهندي.

ومن بين أهم الرسائل أن يتم إجراء المناورة بمشاركة البحرية الروسية والصينية والإيرانية في مياه جنوب أفريقيا وهو ما يُعدّ تحدياً للإرادة الأميركية والغربية، وتُظهر المناورة قدرة تكتل "بريكس بلس" على التعاون العسكري في منطقة مهمة استراتيجياً ما يقلص من النفوذ البحري والاقتصادي للدول الغربية في المحيطات.

وكانت المناورة أُطلقت في سياق توتر متصاعد بين إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب وعدد من أعضاء "بريكس بلس"، وقد وصف ترامب سياسات هذه الدول بأنها "معادية لأميركا"، ما أفضى إلى توترات تجارية وسياسية. وبالتالي، يشكل توقيت المناورة رسالة ضمنية بأن هذه البلدان تتعاون اقتصادياً وعسكرياً رغم الضغوط الأميركية.

هذه المناورة رسالة سياسية جماعية موجهة إلى الولايات المتحدة الأميركية والغرب تؤكد أن هناك إرادة دولية أخرى لها رؤيتها ومحدداتها في إدارة النظام العالمي ومحدداته مختلفة عن الاستفراد والتفرد وتعتمد الشراكة والتفاهم، وهي رسالة من جنوب أفريقيا الدولة المضيفة إلى شركائها في القارة الأفريقية وخارجها مفادها أن أمن الملاحة البحرية والتعاون الأمني ممكن ويمكن له أن يتجاوز الإطار الغربي والوصاية الأميركية، ورسالة روسية مفادها أن موسكو ليست معزولة عن العالم وأنها اجتازت العقوبات، ورسالة صينية مفادها أن نفوذ الصين البحري يتمدد خارج محيطها الإقليمي والتقليدي، ورسالة إيرانية مفادها أن طهران شريك دولي في التحالفات الدولية العابرة للجغرافيا، وفوق هذا كله فإن الرسالة الأهم لمناورة "إرادة السلام 2026" أن هناك محوراً اقتصادياً سياسياً مقاوماً للهيمنة الأميركية والغربية يتشكل ليعيد التوازن إلى النظام الدولي. 

ختاماً، إن المناورة البحرية في جنوب أفريقيا "إرادة السلام 2026" ليست حدثاً عسكرياً عابراً ولا استعراض قوة اضطرارياً، لكنها عملية فوق إقليمية تهدف إلى إعادة رسم خريطة التحالفات الاقتصادية والعسكرية، مؤكدة أن النظام الدولي ليس قطباً أميركياً غربياً فقط بل هناك أقطاب أخرى لها إرادتها وقوتها التي ترفض الهيمنة الاقتصادية والسياسية والبحرية أيضاً، وأن جنون ترامب وتوحش إدارته كانا محفزاً دفع التكتلات الاقتصادية إلى التكشير عن أنيابها لتنتقل من التحالف الاقتصادي إلى التعاون العسكري البحري.