مناورات بيلاروسيا النووية وآفاق التحركات العسكرية الروسية

الدور البيلاروسي في هذه المناورات خاصة، وفي المقاربة النووية العسكرية الروسية بشكل عام، يعتبر من أهم السمات التي تتسم بها النظرة الاستراتيجية الروسية في الوقت الحالي.

  • بيلاروسيا في المعادلة النووية الروسية.
    بيلاروسيا في المعادلة النووية الروسية.

في التاسع عشر من أيار/مايو الماضي، أطلق الجيش الروسي مناورات عسكرية نووية في بيلاروسيا، تمت فعالياتها على مدار ثلاثة أيام، جمعت فيها قوات الصواريخ الاستراتيجية، والأصول النووية البحرية، والطائرات بعيدة المدى، ووسائط عسكرية تابعة للجيش البيلاروسي.

اتسمت هذه المناورات - بجانب ما يرتبط باستراتيجيات الردع بعيد المدى - بعدة سمات مهمة، من بينها الجانب "التنسيقي"، الذي أبرز الإمكانات الروسية الحالية لتنسيق العمليات النووية على المستويين الاستراتيجي والميداني، ودمج خيارات متعددة للضربات النووية في هيكل قيادة موحد في حالات الطوارئ.

شارك في هذه المناورات، ما يناهز 65 ألف جندي، وأكثر من 200 منصة إطلاق صواريخ، و140 طائرة، و73 سفينة حربية، و13 غواصة، وتضمنت عمليات إطلاق صواريخ بالستية وصواريخ جوّالة  في ميادين اختبار روسية، وعمليات نقل وتخزين وتمويه للأسلحة النووية في بيلاروسيا، وهو الأمر الذي يمكن اعتباره - من حيث الشكل - استمراراً لسلسلة من المناورات النووية التي صاحبت العمليات العسكرية الروسية في أوكرانيا، بدءاً بالمناورات النووية التكتيكية للوحدات الصاروخية الروسية، التي شاركت فيها القوات الجوية وقوات الصواريخ الاستراتيجية والأسطولان النوويان الاستراتيجيان "الشمال والمحيط الهادي"، في شباط/فبراير 2022، وحتى المناورات التي نحن بصددها.

بيلاروسيا في المعادلة النووية الروسية

حقيقة الأمر أن الدور البيلاروسي في هذه المناورات خاصة، وفي المقاربة النووية العسكرية الروسية بشكل عام، يعتبر من أهم السمات التي تتسم بها النظرة الاستراتيجية الروسية في الوقت الحالي، حيث أدخلت موسكو هذا الدور إلى منظومتها النووية بشكل معلن، منذ عام 2023، حيث بدأت بتجهيز الميدان في بيلاروسيا، لتمركز قوات صاروخية نووية بشكل دائم، وهذا شمل عدة خطوات جانبية، بداية من الإعلان عن تمركز وحدات صاروخية من نوع "إسكندر" في بيلاروسيا، وتجهيز القاذفات البيلاروسية من نوع "سوخوي-25" بالتجهيزات الفنية التي تمكنها من حمل ذخائر نووية، وصولاً إلى حديث الرئيس الروسي في آذار/مارس 2023، عن بدء التجهيز لتمركز أسلحة نووية تكتيكية في بيلاروسيا، ووجود عشر مقاتلات روسية هناك تمتلك القدرة على حمل ذخائر نووية، وهو ما تم تأطيره في الشهر نفسه، بتوقيع موسكو مع مينسك، اتفاقية لنشر الأسلحة النووية التكتيكية، وهو ما بدأ بشكل فعلي في منتصف العام نفسه.

على الجانب الاستراتيجي، يُعدّ إدماج المكوّن البيلاروسي في المناورات النووية الروسية، أهم تطور عسكري طرأ على المنظومة النووية لموسكو، لأنه نقل المناورات النووية من مجرد وسيلة لإيصال الرسائل الإستراتيجية، واختبار الجاهزية اللوجستية والعملياتية للمنظومة العسكرية النووية، إلى ما يشبه "عمليات شبه قتالية" على تخوم الحد الأمامي لحلف الناتو، خاصة أن الجيش البيلاروسي تدرب خلال هذه المناورات، على تكتيكات إيصال الذخائر النووية وإعدادها للاستخدام، مع التركيز على التخفّي والتمويه، والتحرك لمسافات طويلة، والمقتضيات اللوجستية المرتبطة بهذا الأمر.

هنا لا بد من الإشارة إلى أن قرار استخدام السلاح النووي، والسيطرة الكاملة على قرارات نشره وتجهيزه، تبقى في حوزة القيادة الروسية، حيث أشارت مجريات هذه المناورات، إلى أنه جرى اختبار قدرة الوحدات الروسية المسؤولة عن حماية أنظمة الإطلاق والتخزين، بجانب تدريب الوحدات البيلاروسية، التي تعتبر في هذه المنظومة "قوة دعم"، تتولى بشكل أساسي الجانب اللوجستي الخاص بأمن القوافل والاتصالات، وإجراءات التخزين الميداني، وهذا مؤشر أكثر وضوحًا، على النظرة "الهجومية" في العقيدة النووية الروسية، في ظل المحاكاة التي تمت خلال هذه المناورات، على نقل أسلحة قادرة على حمل رؤوس نووية إلى مناطق متفرقة يصعب فيها تحديد مواقعها ومراقبتها واستهدافها.

على المستوى التسليحي، كان السلاح الأساسي الذي جرى اختباره في هذه المناورات، هو منظومة صواريخ "إسكندر-إم" البالستية التكتيكية قصيرة المدى، وهو صاروخ بالستي أحادي المرحلة يعمل بالوقود الصلب، يُطلَق من منصات ذاتية الحركة، ويصل مداه إلى 500 كيلو متر، ويُزوّد برأس حربي تراوح زنته بين 500 و500 كيلو غرام، يمكن تذخيره بأنواع متعددة من المواد المتفجرة، بما في ذلك شحنات نووية، ويتسم بدقة ممتازة، حيث راوح هامش الخطأ في تهديفه بين 10 و20 متراً فقط.

التمركز الدائم لهذا النوع من الصواريخ في بيلاروسيا، وكذا امتلاك بيلاروسيا أعداداً منها بشكل مستدام ضمن تسليح جيشها، تسبب بشكل كبير في إعادة تقييم حلف الناتو لمنظومته الدفاعية ضد الصواريخ، إذ يُمكن لنطاق مداه البالغ 500 كيلومتر من غرب بيلاروسيا، أن يُغطي قسماً مهماً من الأراضي البولندية، بما في ذلك المطارات، ومراكز الإمداد، ومحطات السكك الحديدية، ومستودعات الذخيرة، ومواقع القيادة؛ ومن جنوب بيلاروسيا، يُمكنه تهديد كييف، والمناطق الخلفية لشمال أوكرانيا، والطرق المُستخدمة لنقل الاحتياطيات أو مواقع الدفاع الجوي، وبالتالي حتى في حالة وجود عدد قليل من منصات الإطلاق الخاصة بهذا الصاروخ في بيلاروسيا، سيكون حلف الناتو بشكل دائم في وضع استنفار استخباري واستطلاعي، حيال الحدود مع بيلاروسيا، رغم أن هذه الحدود - نظرياً - لا تشهد أي أعمال عدائية.

"سارمات" و"أوريشينك" في ميزان الردع النووي الروسي

استراتيجياً، شملت المناورات النووية الروسية أيضاً، القوات النووية البحرية والجوية، وجاءت في أعقاب تجربة جرت في الثاني عشر من أيار/مايو، لإطلاق الصاروخ العابر للقارات "سارمات"، وهو صاروخ بالستي عابر للقارات ثلاثي المراحل يعمل بالوقود السائل، جرى تصميمه ليحل محل صاروخ "فويفودا" العابر للقارات، ويمثل عملياً - بجانب صاروخ "يارس" العامل حالياً في التشكيلات الصاروخية الروسية - مستقبل القوة الصاروخية النووية الروسية، حيث يستطيع أن يحمل ما يُقدَّر بـ 10 إلى 15 مركبة "إعادة دخول" قابلة للتوجيه بشكل مستقل، ما يعني أن عملية إطلاق واحدة يمكن أن تحمل ما يصل إلى 15 رأساً حربياً نووياً منفصلاً موجهاً إلى أهداف مختلفة، فضلاً عن الإمكانية المستقبلية لتحميل المركبة فرط الصوتية الانزلاقية "فانجارد" على متنه، وهي تمثل في حد ذاتها رأساً حربياً قادراً على المناورة بسرعات تفوق سرعة الصوت في طبقات الجو العليا، ما يُعقِّد بشكل كبير قدرة أي نظام دفاع صاروخي على اعتراضه.

تعتبر هذه التجربة ثالث عملية إطلاق تجريبية من نوعها تجري لهذا الصاروخ، منذ التجربة الأولى عام 2022، لكنها تتسم بأنها التجربة الناجحة الأولى بشكل كامل، في ظل إعلان وزارة الدفاع الروسية أن عملية الإطلاق من إحدى منصات الإطلاق في منطقة "دومباروفسكي" قد تمت بشكل ناجح ومن دون أي أخطاء. اللافت أيضاً فيما يتعلق بهذا الاختبار، هو تعليقات الرئيس الروسي على إمكانات هذا الصاروخ، حيث قال إن مداه الأقصى يتجاوز 35 ألف كيلومتر، وقادرٌ على الطيران في مسارٍ "شبه مداري"، وهو تعبير يُشير إلى قدرة الصاروخ على الاقتراب من الولايات المتحدة من الجنوب بدلًا من الشمال، متجاوزًا بذلك أنظمة الرادار المُخصصة لرصد عمليات الإطلاق فوق القطب الشمالي.

التلويح بمسار الإطلاق هذا - بغض النظر عن المدى الأقصى لهذا الصاروخ، الذي تشير بعض التقديرات إلى أنه يصل فقط إلى 18 ألف كيلو متر - يمثل معضلة كبيرة على المستوى الاستراتيجي بالنسبة للولايات المتحدة الأميركية، التي كثفت من استثماراتها في شبكة الدفاع الصاروخي الموجهة نحو القطب الشمالي - وهو المسار التقليدي المحتمل للصواريخ العابرة للقارات التي قد تطلق من روسيا - وبات من الضروري أن تضع واشنطن احتمالية إطلاق الصواريخ من الجنوب الروسي، ليعبر القارة القطبية الجنوبية، ويقترب من الولايات المتحدة من جنوب خط الاستواء، من اتجاه لم تُصمم رادارات الإنذار المبكر الحالية لتغطيته، ما يقلّل وقت الإنذار المتاح أمام الدفاعات الصاروخية الأميركية.

وعلى الرغم من أن برنامج تطوير صواريخ "سارمات"، عانى من عدة معوقات ومشاكل في الاختبارات السابقة، كان جانب كبير منها يُعزى إلى التعجل في عمليات تطويره خشية ظهور فجوة في التسليح الصاروخي الاستراتيجي الروسي، نتيجة تقادم صواريخ "فويفودا" العابرة للقارات، إلا أن التأكيد على استمرار عمليات تطويره واختباره، يحمل في حد ذاته رسالة روسية، ويهدف وجوده في الخطاب السياسي المصاحب لهذه المناورات إلى إظهار أن منظومة الردع الروسية مازالت متكاملة وتمتد من صواريخ بالستية تكتيكية قادرة على حمل رؤوس نووية، إلى أنظمة استراتيجية تُطلق من الغواصات وأخرى عابرة للقارات، ضمن تشكيلة متكاملة تجمع ما بين الأنظمة القديمة "مثل فويفودا وتوبول"، والحديثة "مثل يارس وسارمات".

نقطة بارزة أخرى في المناورات النووية الروسية، ترتبط باستغلال موسكو مثل هذه المناسبات، لإعادة طرح صاروخ "أوريشنيك" فرط الصوتي في النقاش الأمني ​​الأوروبي. فقد سبق وأعلن الرئيس البيلاروسي أواخر العام الماضي، أن بلاده تسلمت ما يصل إلى 10 أنظمة صواريخ بالستية فرط صوتية من هذا النوع من روسيا، وهو صاروخ بالستي يُصنّف ضمن المدى المتوسط، ويعمل بالوقود الصلب، ويتسلح إما برأس حربي واحد أو بعدة رؤوس حربية قابلة للتوجيه بشكل مستقل، حيث تبلغ زنة الحمولة القتالية الإجمالية لهذا الصاروخ، نحو طن ونصف، يمكن في حالة تحويلها إلى حمولة نووية، أن تنتج قوة تفجير تناهز 900 كيلو طن موزعة، أي ما يناهز 45 ضعف قوة تفجير القنبلة النووية في هيروشيما اليابانية.

وقد بدأ دخول هذا الصاروخ في المنظومة العسكرية الروسية العاملة في آب/أغسطس 2025، كما بدأت عمليات الإنتاج الكمي له أواخر العام الماضي، ويُقدر مداه بين 3500 و5000 كيلومتر، وهذا المدى كافٍ للوصول إلى معظم العواصم الأوروبية من الأراضي الروسية، ونشره في بيلاروسيا سيقلّل وقت الإنذار لبعض الأهداف في وسط وشرق أوروبا. لكن النقطة الأبرز فيما يتعلق بهذا الصاروخ، هو أنه جرت تجربته ميدانياً بشكل قتالي مرتين في أوكرانيا، أولها كان في تشرين الثاني/نوفمبر 2024، أما المرة الثانية فجرت في كانون الثاني/يناير 2026.

خلاصة القول، إن الرهان الروسي على القدرات النووية ما زال قائماً وبقوة، وسيستمر على المدى المنظور بشكل متصاعد، إلا أن هذا الرهان بات يتضمن قواعد "خارجية" للإطلاق والتخزين، يمكن من خلالها ممارسة ما يمكن أن نطلق عليه "الغموض النووي"، بحيث يجري الضغط على الجناح الشرقي لحلف الناتو، عبر وجود الصواريخ ذات القدرات النووية في بيلاروسيا، وتكثيف عمليات اختبار وإنتاج الصواريخ الاستراتيجية والجوالة، بما يضع حلف الناتو أمام تشكيلة من المعضلات، تراوح بين قصر فترة الإنذار المتاحة لرصد واعتراض القدرات الروسية الاستراتيجية الجديدة، وصعوبة المتابعة المستمرة لمواقع وتمركزات منصات الإطلاق الصاروخي ذاتية الحركة، وعدم وضوح طبيعة الرؤوس الحربية المحمّلة على هذه الصواريخ، وامتداد نطاق التهديد الصاروخي الذي يواجهه الحلف، ليشمل الأراضي الروسية والبيلاروسية كافة.