من غورو إلى ماكرون.. سوريا حصة من؟

الرهان اليوم هو على النتائج المحتملة للصداقة الوطيدة بين واشنطن وأنقرة التي يريد لها الرئيس ترامب أن تلعب دوراً رئيسياً في مجمل سياساته الإقليمية والدولية.

0:00
  • سوريا من حصة من؟
    سوريا من حصة من؟

فاجأ الرئيس الفرنسي ماكرون الجميع عندما زار دمشق كأول رئيس أجنبي يحل ضيفاً على الرئيس الانتقالي أحمد الشرع، ورافقه في جولة خاصة إلى الجامع الأموي، الذي قال الرئيس إردوغان في 5 أيلول/ سبتمبر 2012 إنه "سيصلي فيه بعد التخلص من الأسد"، وهو ما لم يستطع أن يحققه حتى الآن.

علماً أن الرئيس إردوغان هو الذي "أطاح بالرئيس الأسد وأرسل رجاله كي يستولوا على السلطة في دمشق" على حد قول الرئيس ترامب، الذي يتناقض بينه وبين نفسه؛ إذ يقول تارة إنه "هو الذي جاء بالشرع إلى السلطة بمفرده، وتارة أخرى مع إردوغان، وأحياناً مع الآخرين"، ويقصد بهم نتنياهو وولي العهد السعودي محمد بن سلمان.

وهو الحديث الذي كرره ترامب خلال لقائه الرئيس إردوغان على هامش القمة الأطلسية في أنقرة، إذ وصفه بأنه "زعيم عظيم وصديق حميم له"، ومن دون أن ينسى تذكير الجميع بتهديداته له كي يخلي سبيل الراهب الأميركي برونسون في أكتوبر/ تشرين الأول 2019، وهو ما فعله فوراً على حد قوله.

كما لم ينسَ ترامب مديحه للرئيس أحمد الشرع الذي التقى به على هامش أعمال القمة الأطلسية، بعد أن التقى الرئيس إردوغان الذي اجتمع هو الآخر مع الشرع.

وأشارت المعلومات إلى أجواء التوتر التي خيّمت على لقائه مع ترامب وإردوغان، ولا يدري أحد هل وكيف اتفقا أو اختلفا حول القضايا التي تم بحثها في إطار المطالب الأميركية من الشرع، الذي يريد له الرئيس ترامب أن يلعب دوراً مهماً في مجمل المشاريع والمخططات الأميركية الخاصة بلبنان، وبالتالي العراق وإيران، التي عاد ترامب وهددها وتوعدها كالعادة قبل القمة الأطلسية وخلالها.

وعودة إلى زيارة ماكرون، كان علينا جميعاً أن نتذكر دخول الجيش الفرنسي إلى دمشق بعد معركة ميسلون في 22 تموز 1920، ووصول الجنرال هنري غورو إلى ساحة الجامع الأموي، ومنها إلى ضريح صلاح الدين الأيوبي حيث وقف هناك وقال مقولته الشهيرة: "ها قد عدنا يا صلاح الدين، نحن أحفاد الصليبيين ولكنك أنت في هذا القبر".

وربما لهذا السبب أراد ماكرون من خلال زيارته لدمشق -وكأول زعيم أجنبي- أن يقول للجميع إن "سوريا مستعمرتهم السابقة، ولن يسمحوا لأحد أن يسرح ويمرح فيها من دون إذن منهم".

ومن دون شك، كان ذلك بالتنسيق والتعاون والاتفاق المباشر مع "السيد الأكبر" ترامب، الذي جمع ممثله الشخصي توم براك كلاً من الوزير أسعد الشيباني مع الوزير الصهيوني دريمر في باريس وليس في أي مكان آخر، وبعد أن ساهم الجنرالات الفرنسيون في نقل مظلوم عبدي من القامشلي إلى دمشق في 11 مارس/ آذار 2025 بمروحية أميركية، وكان فيها جنرالات أميركيون جمعوا عبدي مع الرئيس الشرع.

وبدا من ملامح وجهه المتوترة خلال لقائه مع ترامب، وقبل ذلك مع إردوغان، أنه كان يتعرض لضغوط إقليمية ودولية تهدف للحصول على الحصة الأكبر من الكعكة السورية، التي يعرف الجميع مدى التأثير التركي الكبير والواسع والعميق في جميع أطرافها الرسمية والخاصة.

بعد أن نجحت أنقرة بكل أجهزتها ومرافقها ومؤسساتها في إقامة وتطوير علاقات واسعة جداً مع أطراف المعارضة السورية منذ بدايات ما يسمى بـ"الربيع العربي"؛ حيث كانت هذه القيادات تقيم في تركيا عندما كانت إدلب -وهي معقل جبهة النصرة وحليفاتها- تغطي كل احتياجاتها من تركيا.

في الوقت الذي يعرف الجميع أن المطرقة الأكثر إزعاجاً أو إحراجاً بالنسبة إلى الرئيس الشرع هي مطرقة الرئيس ترامب، الذي يقول بين الحين والحين إنه هو الذي جاء به ومنحه الشرعية الدولية بلقائه في الرياض في 14 مايو/ أيار 2025، ومن ثم دعوته لحضور اجتماعات الجمعية العمومية للأمم المتحدة في أيلول/ سبتمبر، وأخيراً استضافته في البيت الأبيض في 10 نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي.

وأما مساعي فرض الوصاية السعودية أو الإماراتية أو القطرية على الرئيس أحمد الشرع، الذي لم يحظَ حتى الآن بضوء أخضر مصري واضح، فالحظ لن يحالفها في منافسة الدور التركي بحساباته التاريخية، كما هي الحال بالنسبة إلى الدور الفرنسي الذي لم يصطدم حتى الآن بالحسابات البريطانية.

مع التذكير هنا بالعلاقة الوطيدة بين مستشار الأمن القومي البريطاني جوناثان باول والرئيس الشرع، بعد أن كشف السفير الأميركي السابق في دمشق روبرت فورد عن دوره في "تعليم وتربية وتأهيل أبو محمد الجولاني" ليتحول إلى أحمد الشرع، وكل ذلك بناءً على طلب باول الذي شغل سابقاً منصب رئيس المخابرات البريطانية.

وفي جميع الحالات، وأياً كان كمّ وكيف التنسيق بين جوناثان باول وتوم براك، وهما صديقان مقربان، يبدو واضحاً أن الرئيس ماكرون وبزيارته المفاجئة لدمشق والجامع الأموي أراد أن يقول للجميع إن الحصة الأكبر من الكعكة السورية يجب أن تكون لهم بعد أن استعمروا هذا البلد لمدة 36 عاماً، ناسياً أن سوريا والمنطقة برمتها كانت تحت الحكم العثماني التركي لمدة 402 عاماً.

ويبدو أن حكام "تل أبيب" لا يخفون انزعاجهم من ذكرياتها التي يتغنى بها الرئيس إردوغان والمسؤولون الأتراك الذين يتحدثون عن الحق التاريخي للدولة العثمانية في القدس الشريف وفلسطين عموماً.

ومن دون أن يكون واضحاً هل وكم انزعج زعماء الأطلسي من استقبال فرقة من الجيش الإنكشاري العثماني لهم أمام مدخل مبنى القمة في أنقرة.

والتي شهدت لقاءً ودياً بين إردوغان وماكرون رغم المنافسة التقليدية بينهما في سوريا، بعد أن قال ماكرون في دمشق إنه والشرع بحثا موضوع مد أنابيب الغاز من الخليج إلى سوريا.

وهو الموضوع الذي رفضه الرئيس بشار الأسد خلال مباحثاته مع الرئيس ساركوزي في دمشق 4 أيلول/ سبتمبر 2008 وبحضور الرئيس إردوغان وأمير قطر حمد آل ثاني، ولعبا معاً دوراً أساسياً مع أميركا والسعودية في ما يسمّى بـ"الربيع العربي" وحسب اعترافات رئيس الوزراء القطري حمد بن جاسم.

وفي نهاية المطاف، يبقى الرهان على النتائج المحتملة للصداقة الوطيدة بين واشنطن وأنقرة التي يريد لها الرئيس ترامب أن تلعب دوراً رئيسياً في مجمل سياساته الإقليمية والدولية، بعد أن قال أكثر من مرة إن "تركيا تملك جيشاً كبيراً وقوياً وسيساعدها في مجال التصنيع العسكري، وإنه هو والرئيس إردوغان جعلا من الشرع رئيساً لسوريا".

ويبدو واضحاً أن ترامب يريد لها أن تساعده في تحقيق أحلامه الشخصية والرسمية التي أطلقها بالاتفاقيات الإبراهيمية صيف عام 2020.

ويريد الآن أن يحسم مصيرها قبل نهاية ولايته الحالية التي يعقد الرئيس إردوغان آمالاً كبيرة عليها؛ ليضمن خلالها البقاء في السلطة إلى الأبد وبفضل الدعم الأميركي، وحتى لو كلفه ذلك تلبية البعض من مطالب الرئيس ترامب بشكل مباشر أو غير مباشر وعبر حليفه في سوريا الرئيس أحمد الشرع.

وأهداه الرئيس إردوغان ومعه كل الزعماء الذين شاركوا في القمة الأطلسية مسدساً تركياً، ولكن من النوع الذي كان يستخدمه الكوبوي الأميركي، في الدقائق التي قرر فيها ترامب رفع اسم سوريا من لائحة الدول الراعية للإرهاب، ناسياً أنه هو الذي صنّف أبو محمد الجولاني ومن معه من حكام سوريا الحاليين كأخطر إرهابيين في العالم، ولكنه عاد وأحبّهم ما داموا هم يحبونه أيضاً!