من دجلة إلى العصر الحجري: استهداف العقول

الفارق بين هولاكو وترامب لا يُقاس بالزمن، بل بطريقة إدارة العنف. الأول مارس التدمير دون خطاب، أما الثاني فيسبقه بخطاب يوسّع حدوده ويعيد تعريفه.

0:00
  • الحروب قد تُدمّر البنى، لكنها تعجز عن القضاء على الفكرة.
    الحروب قد تُدمّر البنى، لكنها تعجز عن القضاء على الفكرة.

حين سقطت بغداد، لم تُحرق كتبها فقط… بل أُلقيت في دجلة.

ومعها ضاعت ذاكرة مدينة كاملة، وعقلٌ كان يُنتج معرفةً للعالم من حوله

حين دخل هولاكو خان بغداد عام 1258، امتدّ الدمار إلى كل ما صادفته جيوش المغول، وانقضّ على ما يُنتج المعرفة داخل المدينة.

تروي المصادر أن خزائن الكتب، وفي مقدّمها بيت الحكمة، أُفرغت من محتواها، وأن آلاف المخطوطات أُلقيت في نهر دجلة حتى تغيّر لونه من كثافة الحبر. وهذا ما تسبب في ضياع إرثٍ معرفي هائل، وسقوط مدينة أُصيبت في عقلها وذاكرتها.

ذلك المشهد ينتمي إلى زمنٍ آخر، زمنٍ ظنناه اندثر، وظننا معه أن المعرفة خرجت نهائيًا من دائرة الاستهداف.

منذ بداية الحرب الأميركية–الإسرائيلية، اتّسع المشهد من ضربات طالت مدارس إلى استهداف بيئات تعليمية وجامعات في إيران، فيما امتدّت الضربات داخل لبنان لتصل إلى الجامعة اللبنانية. ومع تكرار هذه الوقائع، لم يعد الأمر يُقرأ كحوادث متفرقة، بل كمؤشر واضح بأن الجامعات، بوصفها مساحة إنتاج معرفة، دخلت بقوة إلى بنك الأهداف.

بدأ الخطاب حذرًا في المرحلة الأولى، تأكيد على دقة الضربات وحصر العمليات ضمن أهداف عسكرية وإنكار استهداف البنى التحتية والمراكز المدنية. مع تصاعد الحرب، تغيّرت اللغة واتّسع تعريف الهدف. انتقل الخطاب  من توصيف العمليات إلى توصيف الخصم.

ففي الساعات الأخيرة، خرج الرئيس الاميركي  دونالد ترامب مهدّدًا بضرب محطات الكهرباء والجسور والبنية التحتية في إيران، متحدثًا عن إعادة البلاد إلى العصر الحجري. في خطابٍ تصعيدي، استخدم توصيفات تُجرّد الإيرانيين من إنسانيتهم، واصفًا إياهم بالحيوانات. هنا تتحوّل الكلمات إلى أداة فاعلة في المعركة، تفتح الطريق لتوسيع الضربات وتمنحها غطاءً سياسيًا.

في علم النفس السياسي، يُقرأ هذا التحوّل كمسار واعٍ لنزع الصفة الإنسانية عن المستهدفين، بما يجعل كل ما يُمارس بحقهم قابلاً للتبرير. أعمال ألبرت باندورا حول فك الارتباط الأخلاقي، وأبحاث نيك هاسلم، توضّح أن تجريد الإنسان من إنسانيته ينقله خارج الدائرة الأخلاقية التي تحميه. عندها تتآكل القيود التي تضبط التعامل معه، ويصبح استهدافه، واستهداف ما يحيط به، أمرًا مشروعًا في منطق الحرب.

في الإبادة الجماعية في رواندا، سبق القتل خطابٌ وصف الضحايا بـالصراصير. تحوّلت الكلمة إلى إذنٍ بالقتل، واتّسعت معها دائرة العنف حتى تلاشت الحدود بين مقاتل ومدني.

ففي هذا السياق، يرتبط توسيع بنك الأهداف باللغة التي تسبقه، فيمتدّ ليشمل البنى التحتية، والطاقة، والمستشفيات، والتعليم. الحديث عن العصر الحجري يمهّد لاستهداف شروط الحياة نفسها، وتوصيف شعبٍ كامل كـحيوانات يجعل هذا الاستهداف جزءًا طبيعيًا من منطق الحرب.

هذا المسار لا يتحرّك في اتجاه واحد. في الداخل الأميركي، ومع تصاعد الأصوات المطالِبة بوقف الحرب أو الحد من الانخراط فيها، يتحوّل الخطاب التصعيدي إلى أداة لإعادة تشكيل الرأي العام. كلما تراجع توصيف الخصم كإنسان، تراجع تأثير الاعتراض على ضربه، وتقلّصت القدرة على الحشد ضده. تُدار الحرب في الميدان، وتُدار أيضًا داخل الرأي العام. ولهذا، تعمل الإدارة الأميركية على تبرير توسيع استهدافاتها، حتى عندما تتخطى الخطوط المحظورة في القانون الدولي.

الفارق بين هولاكو وترامب لا يُقاس بالزمن، بل بطريقة إدارة العنف. الأول مارس التدمير دون خطاب، أما الثاني فيسبقه بخطاب يوسّع حدوده ويعيد تعريفه.

وعندما تدخل الصروح العلمية من جامعات ومراكز بحث في دائرة الاستهداف، يتحوّل المسار ليطال الثقافة ونتاجها العلمي وقدرتها على التطوّر. ومع مرور الوقت، يُراهن المعتدي على أن هذا المسار يُضعف حاضر الوطن ويقوّض مستقبله. وهنا يتضح هدفه الأعمق باستهداف العقل اكثر من السلاح والنفوذ.

ومع ذلك، فإن افتراض أن هذا المسار سيُفضي تلقائيًا إلى النتيجة التي يريدها من بدأ العدوان يبقى افتراضًا ناقصًا. فالحروب لا تُحسم فقط بما يُخطَّط لها، وإنما بما يُفاجئها. في حالة إيران، لا يبدو المشهد كمساحة مفتوحة بلا مقاومة. نحن أمام بيئة أعدّت نفسها لهذا النوع من المواجهات، على مستوى البنية العسكرية، وامتصاص الصدمات، وإدارة الاستنزاف.

هنا، قد تصطدم النوايا بصخرة صمودٍ حقيقي، وبقدرات صاروخية متقدمة، وإمكانات مفاجأة ميدانية قادرة على قلب الحسابات. وعندها، قد تتحوّل الضربات المصمّمة لإخضاع الخصم إلى نقطة انعطاف تعيد رسم موازين القوة في المنطقة. 

ومع ذلك، يبقى التشبيه بين هولاكو وترامب محدودًا. فهولاكو واجه عالمًا تُحفظ فيه المعرفة في خزائن، وتُمحى حين تُحرق. أما اليوم، فقد خرج الإنتاج العلمي من حدود الجغرافيا، ولم يعد قابلًا للإبادة بضربة واحدة.

قد تُقصف الجامعات، وقد تُستهدف البنى التي تُنتج العلم، لكن العقل الذي ينتجها لم يعد قابلًا للحصار. فالحروب قد تُدمّر البنى، لكنها تعجز عن القضاء على الفكرة. وقد تُصيب الحاضر، لكنها لا تملك السيطرة على المستقبل. 

في النهاية، ما أُلقي يومًا في دجلة لم يختفِ.  بل عاد في صور أخرى. ولهذا، تبقى المعركة على المعرفة، مهما اشتدّت، معركة لا تُحسم لصالح من يبدأها.

الجمهورية الإسلامية في إيران تعلن في الأول من آذار/مارس 2026 استشهاد القائد الأمة السيد علي خامنئي في مقر عمله في "بيت القيادة"، إثر العدوان الأميركي الإسرائيلي على البلاد.