من الأهم.. كرد العراق أم سوريا وتركيا!

أنقرة مستمرة في مساعيها لإقناع حكام دمشق الجدد بالانصياع لتوصياتها لمنعهم من تقديم مزيد من التنازلات الاستراتيجية للكرد، إلا بالكمّ والكيف المناسبين بالنسبة لها.

0:00
  •  أنقرة تستمر في مساعيها للتمسك بالورقة الكردية.
    أنقرة تستمر في مساعيها للتمسك بالورقة الكردية.

في 10 مارس/ آذار 2025، أجبرت واشنطن الرئيس الانتقالي أحمد الشرع على الجلوس جنباً إلى جنب مع قائد "قسد" الكردي مظلوم عبدي؛ ليوقّع معه على اتفاقية التنسيق والتعاون والتكامل بين الطرفين، ثم عادت وانحازت إلى جانب الشرع ضد كرد سوريا بعد أن هدّدت وتوعّدت عبدي ومعه الزعيم الكردي العراقي مسعود البرزاني عندما التقاهما توم برّاك في  17 يناير/ كانون الثاني،  وقبل ساعات من توغل قوات الجيش السوري شرق الفرات.

وكان هذا التوغّل كافياً لإجبار قوات "قسد" والمقصود بها "وحدات حماية الشعب" الكردية على الانسحاب من الرقة ودير الزور ومساحات واسعة من الأراضي التي كان الكرد يسيطرون عليها منذ 2012، وأغلبية سكانها عرب.

وانتهت هذه العمليات بعد أن عادت واشنطن إلى عادتها التقليدية في سياسات "القط والفأر"؛ فأجبرت  الطرفين على التوقيع على اتفاق 28 يناير/ كانون الثاني، وعدّه كل طرف في مصلحته، خصوصاً بعد "التكريم" الذي حظي به أسعد الشيباني ومظلوم عبدي  عندما  أجلسهما الوزير روبيو جنباً إلى جنب خلال لقائه  بهما على هامش مؤتمر ميونيخ للأمن 14 الشهر الجاري.

وقد كان مظلوم عبدي  "نجم" المؤتمر بفضل  الكاميرات التي كانت تلاحقه، فيما لم تنقل الكاميرات  أي صورة لأي  مسؤول تركي، على الرغم من وجود وزيرَي الخارجية والدفاع ورئيس المخابرات إبراهيم كالين في المؤتمر. وكانوا جميعاً منزعجين ليس فقط من اجتماع الوزير روبيو مع  الشيباني ومظلوم عبدي بل أيضاً من لقاء عبدي مع الرئيس ماكرون، إذ أعلنت باريس أكثر من مرة دعمها للكرد خلال المواجهات مع القوات الموالية لأحمد الشرع  شرق الفرات.

ومن دون الدخول في تفاصيل الاتفاق الأخير بين الكرد ودمشق في 28 يناير/ كانون الثاني، والذي يقضي بتشكيل  فرقة عسكرية تضم ثلاثة ألوية من قوات "قسد" أي "وحدات حماية الشعب" الكردية  في شمال شرقي البلاد، بالإضافة إلى  لواء آخر من الكرد ومقرّه عين العرب  (كوباني) وربما لاحقاً  في عفرين، وهو ما تعترض عليه أنقرة بشدة،  ومن دون أن تخفي عدم ارتياحها من بعض البنود الواردة في اتفاق  28 يناير، ومنها احتمال الاعتراف غير المباشر للكرد بحكم ذاتي منسجم مع  السلطة المركزية في دمشق، وهو ما يحظى بدعم واشنطن التي تستخدم هذه الورقة للضغط من خلالها على حكام دمشق الجدد،   لحسم موضوع المصالحة  مع الكيان  العبري. 

كل ذلك مع استمرار أنقرة في مساعيها لإقناع أو إجبار حكام دمشق الجدد  على الانصياغ لتوصياتها، بل وربما تعليماتها؛ لمنعهم من تقديم مزيد من التنازلات الاستراتيجية  للكرد إلا بالكمّ والكيف المناسبين بالنسبة لها.

وذلك لأنها ترى في "وحدات حماية الشعب" الكردية امتداداً لحزب العمال الكردستاني التركي وزعيمه عبد الله أوجلان، وهو "أستاذ" مظلوم عبدي منذ طفولته. وتكتسب كل هذه التطورات أهمية إضافية بالنسبة إلى أنقرة لأنها صادفت الإعلان (18 شباط/ فبراير) عن تقرير اللجنة البرلمانية الخاصة بحلّ المشكلة الكردية التي ناشدها عبد الله أوجلان  للانتقال إلى المرحلة الثانية من مسيرة السلام،  وهي الاعتراف دستورياً للكرد بحقوقهم الدستورية،  بما في ذلك الحكم الذاتي الذي حصل عليه كرد سوريا عملياً،  وحتى لم يكن دستورياً حتى الآن.

وتتخوف أنقرة  أن ينعكس هذا النموذج السوري سلباً على حساباتها الداخلية والإقليمية مع ازدياد التوتر الداخلي بين الرئيس إردوغان والمعارضة، و لا سيما  الشعب الجمهوري الذي عيّن الرئيس إردوغان وزيرين جديدين لتضييق الحصار عليه وعلى قياداته، إذ يخشى إردوغان أن تحرّض الشارع الشعبي ضده بتهمة المساس بوحدة الأمة والدولة التركية مع استمرار الحديث عن مساعي الحكومة لإصدار قانون للعفو  عن أوجلان وإخراجه من السجن، وهو من أهم شروط المصالحة بين الكرد والدولة التركية.

ويبدو واضحاً أن أنقرة تواجه تحدياً جدياً وخطيراً في سوريا التي ما زال الرئيس إردوغان يؤثر في معظم سياساتها التي تلعب واشنطن فيها الدور الرئيسي، وحتى إن تناقض هذا الدور  بين الحين والحين مع الحسابات والمصالح التركية داخلياً وإقليمياً، أي سورياً و عراقياً.

مع التذكير بالتجربة العراقية حيث جعل الاحتلال الأميركي من العراق  بلداً  فدرالياً في استفتاء 2005، ومنح الكرد في شماله وبدعم أنقرة وبعد هزيمة العراق في حرب الكويت كياناً فدرالياً مرتبطاً ارتباطاً مباشراً بالخطط والمشاريع الأميركية مع السماح لتركيا بالاستفادة من هذا الكيان، ولكن بالكمّ والكيف المعترف بهما أميركياً.

ويتخوّف البعض في تركيا أن تجعل هذه المشاريع والخطط السرية منها والعلنية من تركيا عراقاً جديداً، ولكن بعد سوريا وبكل تناقضاتها الحالية والمستقبلية التي لن تقرر مصير الكرد في سوريا وتركيا والعراق ولاحقاً إيران فحسب، بل  ستقرر مصير المنطقة عموماً وفق مزاج واشنطن وحليفتها الأولى "إسرائيل". ولكن، بعد أن  يلبّي حكام دمشق الجدد وشركاؤهم في الوطن أي الكرد  كل المطالب الأميركية، وفي مقدمتها المصالحة مع الكيان العبري، وقبل أو بعد ذلك خدمة كل الحسابات  الأميركية في المنطقة بداية بلبنان مروراً بالعراق ومن ثم إيران مع استمرار التهديدات الأميركية والصهيونية ضدها.

ومن دون أن تمنع كل هذه المعطيات بخفاياها المعقدة والخطيرة أنقرة من الاستمرار في مساعيها للتمسك بالورقة الكردية، سورياً وإقليمياً، وحتى لا تجد نفسها أمام واقع مفروض عليها كما فرض في العراق والآن سوريا، وقبل ذلك بزمن طويل عندما دعم السوفيات جمهورية مهاباد الكردية عام 1946.

فقضى الشاه عليها بعد عام بفضل الدعم الأميركي والبريطاني وهو الآن خلف تجربة مسعود  البرزاني في شمال العراق ومظلوم عبدي في شمال سوريا.

مع التذكير بأن المخابرات الأميركية ومعها الموساد  اختطفت عبد الله أوجلان من نيروبي وسلّمته لتركيا في 14 شباط/ فبراير 1999. كما منعت واشنطن مسعود البرزاني من إجراء الاستفتاء على استقلال كردستان العراق في أيلول/ سبتمبر 2017. وهي التي شجعت، إن لم نقل  طلبت، والله أعلم بالسبب،  من الرئيس إردوغان وشريكه زعيم حزب "الحركة القومية" العنصري دولت باخشالي المعادي للكرد كي يبدء حواراً مباشراً مع عبد الله أوجلان في 22 أكتوبر/ تشرين الأول 2024 أي قبل 45 يوماً من سقوط نظام الأسد، ولأنها  كانت ومعها أنقرة و"تل أبيب" وربما آخرين تعرف بموعد هذا السقوط واستعدت مسبقاً لكل سيناريوهاته!