معبر رفح..خطوة رمزية أم بداية انفراجة نحو التدويل؟

الرهان الحقيقي أمام الفلسطيني في قطاع غزة يجب ألّا يكون على فتح مؤقت أو استثناء إنساني، بل على تحويل معبر رفح إلى حق دائم غير قابل للمساومة، وفصل القضايا الإنسانية عن الحسابات الأخرى.

0:00
  • خطوة إعادة فتح معبر رفح ينبغي ألّا يجري تضخيمها أو تحميلها أكثر مما تحتمل.
    خطوة إعادة فتح معبر رفح ينبغي ألّا يجري تضخيمها أو تحميلها أكثر مما تحتمل.

بعد أكثر من عام ونصف من الإغلاق شبه الكامل، عاد معبر رفح البري إلى الواجهة من جديد، في ظل الحديث عن فتحه بشكل جزئي.  هذا الحدث استقبله الفلسطينيون بمزيج من الأمل والحذر، و أعاد طرح سؤال مركزي لا يزال مفتوحاً بحاجة إلى إجابة، هل نحن أمام خطوة رمزية هدفها امتصاص الضغوط الدولية؟ أم بداية فعلية وحقيقية لانفراجة إنسانية تخفف من معاناة نحو مليونَيْ فلسطيني يعيشون تحت وطأة حصار خانق؟ 

لقراءة وفهم دلالات هذه الخطوة، لا بد من النظر إلى معبر رفح بوصفه أكثر من مجرد بوابة حدودية بين قطاع غزة وجمهورية مصر العربية، بل إن معبر رفح يمثل شريان حياة وحيداً لسكان قطاع غزة الذي يخضع لحصار إسرائيلي مباشر، لكنه عملياً ظل على مدار سنوات طويلة أسيراً لمعادلات سياسية وأمنية معقدة، جعلت تشغيله أو إغلاقه قراراً سياسياً بامتياز، لا تحكمه أي اعتبارات إنسانية وحدها. 

تاريخياً، ارتبط عمل المعبر بتفاهمات غير معلنة بين عدة أطراف في سياق اتفاقية وتصنيف أمني سمي بالمنطقة (د) بحيث لا يعمل إلا بموافقتها مجتمعة، وفي مقدمتها مصر والاحتلال الإسرائيلي والاتحاد الأوروبي والسلطة الفلسطينية ، بينما ظل سكان غزة الطرف الأكثر تضرراً والأقل تأثيراً في القرار. 

منذ عام 2007 تحول المعبر الى أداة ضغط سياسي يفتح جزئياً في أوقات التهدئة ويغلق بالكامل عند أي توتر أمني في قطاع غزة، ما جعله عنواناً دائماً لحالة من عدم الاستقرار في حياة الفلسطينيين. 

إعادة فتح المعبر اليوم جاءت ضمن سياق وإطار إنساني محدود يقتصر على السماح بخروج عدد معين من المرضى يومياً، يرافقهم عدد محدود من أفراد عائلاتهم، من دون فتح شامل لحركة الأفراد ومنع دخول البضائع منه مباشرة. 

رغم الأهمية البالغة لهذه الخطوة بالنسبة لشريحة المرضى الذين يواجهون خطر الموت البطيء بسبب إنهيار المنظومة الصحية في قطاع غزة، إلا أنها تبقى خطوة جزئية لا ترقى إلى مستوى الكارثة الإنسانية القائمة والتي يعيشها القطاع الصحي في قطاع غزة. 

الحديث عن عشرات المرضى يومياً لا ينسجم مع واقع آلاف الحالات الحرجة التي خلفتها حرب الإبادة الجماعية والتطهير العرقي على مدار عامين متواصلين، خلفت  قوائم من آلاف المرضى الذين حُرموا حقهم في العلاج بحسب ما كفلت لهم كل القوانين بالحصول على حقهم في العلاج، وهذا الواقع لا يعالج أزمة بنيوية تتمثل في نقص المعدات الطبية وشح الأدوية وانهيار المستشفيات، كما أن غياب الحركة التجارية وعدم السماح بإدخال مواد البناء والوقود والمستلزمات الأساسية يجعل من فتح المعبر إجراءً رمزياً إدارياً لإدارة أزمة لا لإيجاد حلول جذريه لها. 

هنا يبرز موقف الاحتلال الإسرائيلي بوصفه عاملاً حاسماً في تحديد سقف عمل المعبر، فعلى الرغم من أن "إسرائيل" لا تسيطر عليه بشكل مباشر، إلا أنها تملك أدوات تأثير وتحكم غير مباشرة، سواء عبر التنسيق الأمني أم عبر الضغط السياسي، فالموقف الإسرائيلي من معبر رفح لم يتغير جوهرياً، إذ تنظر إليه تل أبيب من زاوية أمنية بحتة، وترفض أي فتح دائم وغير مشروط يمكن أن يكرّس انفكاك غزة عن منظومة السيطرة والتحكم التي تفرضها. 

واضح وبعد مراقبة خاصة لمجريات فتح المعبر، يبدو أن الموافقة الإسرائيلية الضمنية على فتح محدود للمعبر تأتي في إطار تكتيكي واضح، هدفه تخفيف حدة الانتقادات الدولية بعد ضغط أميركي في سياق خطة الرئيس ترامب، وبهدف تحسين الصورة أمام الرأي العام العالمي، من دون المساس بجوهر سياسة الحصار، لذلك فإن أي فتح يتجاوز الإطار الإنساني الضيق يظل مرهوناً بحسابات إسرائيلية دقيقة، لا باعتبارات إنسانية خالصة. 

الدور المصري في هذا الشأن بالغ الحساسية والتعقيد، فمصر التي تتحمل العبء الجغرافي والسياسي الأكبر، تجد نفسها أمام معادلة صعبة من جهه ضغوط إنسانية وشعبية متزايدة، تدفع باتجاه تخفيف معاناة الفلسطينيين في قطاع غزة، ومن جهه أخرى، هناك اعتبارات تتعلق بالأمن القومي المصري وحسابات السيادة المصرية ورفض تحمل  تبعات الاحتلال الإسرائيلي بشكل دائم، لذلك يبدو أن القاهرة اختارت مسار الفتح الجزئي المحسوب كحل وسط يوازن بين الواجب الإنساني والأخلاقي، وبين القيود السياسية التي تحيط في المعادله ككل.

لكن يبقى السؤال الأهم، هل ما يجري يشكل بداية انفراجة حقيقية؟ للإجابة بواقعية وموضوعية، لا بد من تحديد معايير واضحة لهذه الانفراجة والسؤال هنا، هل تشمل فتحا دائماً ومنتظماً للمعبر وحرية في حركة الأفراد وإدخال البضائع والمواد الأساسية والمساعدات، وربط تشغيل المعبر بمعايير إنسانية مستقلة بعيدة عن سياسة الابتزاز السياسي ؟ 

حتى اللحظة تبدو هذه الشروط غير متوفرة، وما يحدث أقرب إلى خطوة رمزية محسوبة تهدف إلى إدارة الضغط الدولي واحتواء الانفجار الإنساني، من دون إحداث تغيير حقيقي في بنية الحصار المفروض على قطاع غزة. 

بالنظر إلى المستقبل القريب يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات محتملة لمصير معبر رفح بعد فتحه جزئياً، وفق قراءة واقعية بعيدة عن لغة التضخيم. 

السيناريو الأول: يتمثل في استمرار فتح محدود وطويل الأمد لمعبر رفح ضمن إطار إنساني ضيق وهو السيناريو الأكثر ترجيحاً في المستقبل القريب في غزة. 

السيناريو الثاني:  يتمثل في عودة الإغلاق الكامل في حال حدوث تصعيد أمني أو انهيار التفاهمات السياسية مع المقاومة الفلسطينية، وهذا وارد حال حدوث أي تطور يمكن أن يحدث بشكل مفاجئ. 

السيناريو الثالث: يتمثل في فتح استراتيجي شامل للمعبر، وهو خيار يتطلب تسوية سياسية أوسع وضمانات دولية حقيقية، وهذا السيناريو هو الأقل احتمالاً للتحقق. 

ثمه تساؤل مهم في هذا الشأن حول احتمالية التوجه نحو تدويل غير معلن لملف معبر رفح من خلال حضور المؤسسات الدولية وعلى رأسها الأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية، وفي ظل وجود المراقبين الأوروبيين كجهات وسيطة أو مشرفة على حركة سفر المرضى، يشير ذلك إلى محاولة نزع الطابع السياسي المباشر عن المعبر وإدارته ضمن إطار إنساني دولي يخفف التجاذبات بين الأطراف، هذا المسار وإن لم يعلن رسمياً، يعكس رغبة في توزيع المسؤولية وتخفيف الضغط عن جمهورية مصر العربية، وتوفير غطاء دولي يرضي ،إسرائيل" من دون رفع كامل للحصار عن قطاع غزة ،ما يجعل التدويل المحتمل أداة لإدارة الأزمة لا لحلها،  ويبقي سيادة القرار مرهونة بالتوازنات السياسية أكثر من الحقوق الإنسانية للفلسطينيين. 

في النهاية، فإن خطوة إعادة فتح معبر رفح، ورغم أهميتها الإنسانية، ينبغي ألّا يجري تضخيمها أو تحميلها أكثر مما تحتمل، فهي لا تمثل حتى الآن كسراً حقيقياً للحصار، ولا بداية مؤكدة لانفراجة شاملة، لكنها في الوقت ذاته ليست بلا قيمة، فهي تمنح بعض المرضى فرصة للحياة، وتحمل دلالة سياسية، مفادها أن غزة رغم كل محاولات القتل والإبادة والعزل والحصار، لا تزال قادرة على فرض حضورها في المشهد الإقليمي والدولي.

الرهان الحقيقي أمام الفلسطيني في قطاع غزة يجب ألا يكون على فتح مؤقت أو استثناء إنساني، بل على تحويل معبر رفح إلى حق دائم غير قابل للمساومة، وفصل القضايا الإنسانية عن الحسابات الأخرى، والسياسية أولها،حتى يتحقق ذلك، سيبقى معبر رفح مرآة كاشفة لواقع غزة، وفتحاً جزئياً، وأملاً مؤجلاً، يقابله صمود فلسطيني لا ينكسر، وإصرار على الحياة أمام سياسة التحكم والإذلال و الابتزاز.