مشروع أميركا الشمالية الكبرى

عدم قدرة الأميركيين على حسم الحرب التي قاموا بشنّها على إيران، وخروجهم بخسائر مهينة بالنسبة لقوة عظمى، قد يؤدّي إلى تأخير محاولاتهم لتنفيذ مشروع أميركا الشمالية الكبرى والذي يراهنون عليه لإعادة مجدهم الصناعي.

  • هل يمكن أن تنجح هذه المحاولة الأميركية؟ 
    هل يمكن أن تنجح هذه المحاولة الأميركية؟ 

من المعروف تاريخياً أنّ القوة الاستعمارية عندما تتراجع للتمترس داخل محيطها، فهذا يعني أنها تحاول الحفاظ على كيانها من التفكّك. وهذا هو ما فعلته الإمبراطورية الرومانية عندما واجهت تضخّماً اقتصادياً وبرزت الصراعات على السلطة بين القادة، والتناقضات بين الجماهير نتيجة ظهور المسيحية وانتشارها. فقام الأباطرة بتقسيم الإمبراطورية إلى إمبراطوريتين شرقية وغربية لتسهيل إدارتها، وتخلّت روما تدريجياً عن مناطق مثل بريطانيا وأجزاء من جرمانيا (أطراف الإمبراطورية) للتركيز على حماية إيطاليا والبلقان والقسطنطينية، معتبرة إياها الخط الدفاعي الأخير لبقاء الهوية الإمبراطورية.

في كتابه "الاستراتيجية الكبرى للإمبراطورية الرومانية"، يجادل الأميركي (اليهودي) إدوارد لوتواك بأنّ هذه الاستراتيجية تنطلق من مبدأ الدفاع من العمق لتقليل الخسائر. فالإمبراطورية في لحظة ضعفها تدرك أنّ التوسّع الزائد يصبح عبئاً يستنزف مواردها، فتقوم بـبناء الجدران (مادية أو سياسية) لصدّ التأثيرات الخارجية، وتركيز القوة العسكرية في المناطق الاستراتيجية فقط. ومحاولة إعادة صياغة الهوية من قوة عالمية إلى قوة إقليمية مهيمنة في محيطها المباشر، وإعادة إحياء النزعات (وطنية، عرقية، دينية وطائفية)، لشدّ العصب الوطني تجنّباً للتفكّك، كسياسات التتريك التي قام بها حزب الاتحاد والترقي العثماني، أو كصعود النازية في ألمانيا خوفاً من الزحف الشيوعي.

من المؤكّد أنّ الإمبراطورية الرومانية ليست النموذج الوحيد، لكنه النموذج الأكثر وضوحاً في التعبير عن هذه المقولة. وبغضّ النظر عن أنّ هذه الإجراءات لم تطل عمر الإمبراطوريات المتداعية في كلّ النماذج السابقة أبداً، بل أدّت في النهاية إلى تحطيمها وتشظّيها، فإنّ اللجوء لهذه الوسيلة يظلّ نموذجاً متكرّراً مع الاختلاف في الأساليب المستخدمة، لكن يبقى أنّ اللجوء للتمترس داخل المحيط الخاصّ بالإمبراطورية المتراجعة أو داخل مجالها الحيوي، هو اعتراف واضح بأنها تواجه خطراً وجودياً يجعلها عرضة للتفكّك والانهيار.

يمكن الآن طرح التساؤل: ما هي علاقة تلك الخلفيّة التاريخية بالإمبراطورية الأميركية؟

 في 5 آذار/مارس الماضي، وخلال مؤتمر الأميركيّتين لمكافحة الكارتلات الذي عقد بمقرّ القيادة الأميركية الجنوبية في فلوريدا، تحدّث وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث حول مشروع أميركا الشمالية الكبرى. وهي منطقة تمتد من غرينلاند إلى خليج المكسيك وقناة بنما والدول المحيطة بها. 

وبالرغم من أنّ الاجتماع الذي شهد هذا التصريح هو أمني بالأساس ويتعلّق بمكافحة كارتلات المخدّرات والهجرة غير الشرعية، فإنّ للتصريح الأميركي أبعاداً أخرى، لعلّ أهمّها أنّ أميركا ترغب في التأسيس لمجال حيوي أمني يضمّ غرينلاند، كندا، المكسيك، دول أميركا الوسطى، قناة بنما، دول الكاريبي، وخليج المكسيك ضدّ النفوذين الروسي والصيني المتقدّمين.

إذاً تسعى أميركا للتمترس داخل ما تعتبره قلعتها في النصف الغربي من الكرة الأرضية، حيث يرى الأميركيون أنّ هذه المنطقة التي وصفوها بأميركا الشمالية الكبرى، تحتوي على ما يكفي من الثروات والموارد القادرة على استعادتهم لقوتهم وريادتهم الصناعية. ستستفيد أميركا من غرينلاند بالموقع الجغرافي والمعادن الحيوية، من كندا ستحصل على المعادن والغاز الطبيعي والمياه، ومن البحر الكاريبي ستحصل على قواعد بحرية، وستحصل من المكسيك على موارد هامة كالمعادن النادرة والفضة والليثيوم والنحاس والذهب، إضافة إلى العمالة الرخيصة، أيّ أنها يمكن أن تكون مكمّلاً صناعياً لأميركا. 

على أنّ هذا المخطّط الأميركي المرتبط بنصف الكرة الغربي، بحسب التصريحات الأميركية، يعني بوضوح أنّ أميركا الشمالية الكبرى ليست سوى مقدّمة، تليها محاولات أخرى لفرض الهيمنة على أميركا الجنوبية، والتي توجد فيها قوة اقتصادية ناهضة بقوة هي البرازيل، المدعومة من الصين وروسيا في أميركا الجنوبية، والتي يمكن أن تشكّل عائقاً كبيراً أمام الهيمنة الأميركية لاحقاً بما تمتلكه من مساحة وكتلة سكانية كبيرة، مما يؤجّل الصدام معها لكن لا ينهيه.

إنّ مشروعاً بهذه الضخامة لا يمكن أن يستمرّ من دون عقيدة سياسية (مشروع فكري)، ويبدو أنّ الولايات المتحدة الأميركية سوف تكون مضطرة لاستعادة أفكار القرنين الـ19 والـ20 حول القومية الأميركية. ففي تسعينيات القرن الـ19 وبدايات القرن الـ20 برزت القومية الأميركية التي روّجت لها الولايات المتحدة في مواجهة النفوذ الأوروبي، وعبر هذه الأيدولوجية برّرت أميركا تدخّلاتها العسكرية في الأميركيّتين حيث سيطرت على بورتريكو وكوبا كما دعمت بنما في الاستقلال عن كولومبيا، وتدخّلت في نيكاراغوا وهندوراس. 

إلا أنّ الصيغة القديمة لم تعد كافية بالنسبة للأميركيين الذين بدأوا في الترويج لما يعرف بمبدأ دونرو نسبة لدونالد ترامب، والذي يسعى لفرض هذه المنظومة على الدول في الأميركيّتين ليس بدبلوماسية الدولار أو الثقافة أو حتى بتدبير الانقلابات العسكرية على الأنظمة غير المرغوب فيها كما حدث سابقاً، وإنما بالقوة العسكرية لتثبيت هيمنة أميركية مباشرة، تمكّن الأخيرة من استنزاف ثروات هذه الدول والشعوب كي تستطيع البقاء.

 أين يكمن الخطأ؟

في 15 آب/أغسطس 1971 أعلن الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون عن اتخاذ مجموعة قرارات عرفت بـ"صدمة نيكسون" استهدفت حماية الاقتصاد الأميركي من التضخّم وعجز ميزان المدفوعات، ومثّلت نقطة تحوّل كبرى مهّدت الطريق للعولمة. ويمكن تلخيص هذه القرارات في الآتي:

1- تعليق قابلية تحويل الدولار إلى ذهب، مما أنهى نظام بريتون وودز الذي ساد بعد الحرب العالمية الثانية.

2- فرض ضريبة إضافية بنسبة 10% على جميع الواردات الخاضعة للرسوم لتشجيع الشركاء التجاريين على رفع قيمة عملاتهم.

3- فرض تجميد للأجور والأسعار لمدة 90 يوماً للسيطرة على التضخّم الداخلي.

وقد أدّت هذه القرارات إلى انهيار نظام الصرف الثابت واعتماد أسعار صرف مرنة تحدّدها قوى العرض والطلب في السوق العالمية، مما زاد من تدفّق رؤوس الأموال عبر الحدود. ونمو أسواق المال العالمية بعيداً عن القيود المادية للذهب، وبالتالي ظهور أدوات مالية معقّدة وتوسيع دور البنوك الاستثمارية دولياً.

لكن أهمّ ما نتج عن هذه القرارات هو تعزيز هيمنة الدولار كعملة عالمية، رغم فكّ ارتباطه بالذهب، حيث اعتبر كعملة احتياط أساسية، خاصة بعد ربطه بالبترول فيما عرف بالبترودولار عقب اتفاقية حزيران/يونيو 1974 التي وقّعها وزير الخارجية الأميركي آنذاك هنري كيسنجر والأمير فهد بن عبد العزيز (ولي العهد حينها). وبموجبها وافقت السعودية على تسعير وبيع نفطها حصرياً بالدولار الأميركي، وإعادة استثمار فوائض عائداتها في سندات الخزانة الأميركية. مما جعل الاقتصاد العالمي أكثر ترابطاً ومركزية حول الولايات المتحدة.

وطوال الفترة اللاحقة كانت الأمور تسير كالآتي: العالم يصدّر السلع والمنتجات إلى الولايات المتحدة للحصول على الدولار كي يتمكّن من شراء النفط من دول الخليج، التي بدورها تعيد استثمار فوائض عائداتها في سندات الخزانة الأميركية والسلاح وصناديق الاستثمار. لكنّ هذا التدوير للدولار ساهم في إضعاف الصناعة الأميركية التي دخلت المنافسة مع صناعات لا تقلّ عنها تطوّراً لكن بأسعار أفضل، إلى درجة أنّ المناطق الصناعية التقليدية في أميركا صار يطلق عليها لقب حزام الصدأ في إشارة إلى توقّف المصانع عن العمل وزيادة البطالة. وفي المقابل كانت رؤوس الأموال التي صارت تتمتع بحرية التحرّك تستثمر في الصناعة بشرق وجنوب شرق آسيا، بحثاً عن عمالة وعقول رخيصة. حتى أفاقت الولايات المتحدة مؤخّراً إلى حقيقة أنها غير قادرة على الدفاع عن موقعها كقوة عظمى رغم هيمنة الدولار.

في تشرين الثاني/نوفمبر من سنة 2024 نشر الاقتصاديّ الأميركي ستيفن ميران ورقة من 41 صفحة بعنوان "دليل المستخدم لإعادة هيكلة نظام التجارة الدولي" في هذه الورقة يؤكّد ميران، أنّ أميركا تواجه معادلة مستحيلة وهي: إذا بقي الدولار عملة العالم فسوف تعاني أميركا عجزاً تجارياً. إذا سعت أميركا لإيقاف العجز التجاري فسوف تفقد هيمنة الدولار. وبمعنى آخر: إنّ الهيمنة المالية الأميركية = تدمير الصناعة الأميركية، نظراً إلى حاجة الدول الأخرى للحصول على الدولار وبالتالي تصدير السلع لأميركا، وهو ما هدّد الصناعة الأميركية. وفي المقابل: حماية الصناعة الأميركية = التخلّي جزئياً عن هيمنة الدولار، لأنّ الدول الأخرى لن تتمكّن من الحصول على الدولار.

إذاً كان الحلّ الأمثل هو إعادة ترتيب العالم بما يسمح لأميركا بالتراجع والتمترس في منطقتها الحيوية، وفي الوقت نفسه البقاء كقوة كبرى على الأقل، عبر اللجوء إلى دعم دول حليفة في المناطق الهامة تساهم في عرقلة تطوّر القوى المنافسة أو المعادية. كتركيا وبولندا والهند واليابان والمغرب والأرجنتين إضافة إلى الكيان الصهيوني بكلّ تأكيد.

هل يمكن أن تنجح هذه المحاولة الأميركية؟ 

لقد بدأ الأميركيون العمل على تحقيق رؤيتهم بسرعة، وربما كانت المحاولة الأولى هي السعي للحصول على غرينلاند من الدنمارك، لكنّ الأمر تطوّر إلى العمليات القصيرة عبر اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو ومحاكمته في أميركا، وهي عملية استهدفت (من بين أهداف أخرى) محاولة إرهاب الدول في أميركا الوسطى واللاتينية لإجبارها على الاستسلام الهادئ لهذا المشروع الأميركي.

وفي 28 نيسان/أبريل ومطلع أيار/مايو الجاري، نشر موقع hondurasgate.ch بالتعاون مع منصتَي Canal Red وDiario Red مجموعة من التسريبات تضمّ 37 تسجيلاً صوتياً أُخذت من تطبيقات WhatsApp وSignal وTelegram، وتعود إلى الفترة الممتدة بين 30 كانون الثاني/يناير و30 نيسان/أبريل من العام الجاري. كشفت هذه التسريبات عن شبكة تنسيق أميركية-إسرائيلية-أرجنتينية تستهدف إعادة الرئيس الهندوراسي المُدان بتهريب المخدرات خوان أورلاندو هرنانديز إلى السلطة، مقابل تسليم قاعدة عسكرية وأراضٍ ومشاريع استراتيجية لواشنطن والكيان الصهيوني، وشنّ حملات تزعزع استقرار حكومات كولومبيا والمكسيك وفنزويلا وكوبا. ما يعني أنّ الولايات المتحدة نشطة بالفعل لتنفيذ هذا المخطّط.

لكنّ الفشل الأميركي في مواجهة إيران مؤخّراً، وقيام الإيرانيين بالسيطرة على مضيق هرمز أطاح بهيبة أميركا وجيشها، وهو ما سمح لدولة مثل كوبا، والتي تدرك أنها أول الدول استهدافاً من قبل إدارة ترامب، بأن تهدّد الجيش الأميركي بمقاومة العدوان وإرسال مقاتليه إلى أعماق البحر في حال تمّ الهجوم على أراضيها، ومن المؤكّد أنّ هناك تعاوناً سوف يتمّ بين الدول التي تحكمها أنظمة يسارية كنيغاراغوا، كولومبيا، والبرازيل في مواجهة التطلّعات الأميركية والتي قد تمثّل استنزافاً جديداً لقدرات الجيش الأميركي المتآكلة أصلاً. 

والأمر لن يتوقّف عند حدود أميركا الوسطى والجنوبية، فبروز القومية اللاتينية سوف يمتد إلى الجانب الأوروبي أيضاً، والذي سيخسر ما تبقّى من وجود له في النصف الغربي من الكرة الأرضية، وربما كان هذا هو الدافع للظهور المكثّف في غرب وجنوب أوروبا لأفكار القومية اللاتينية التي تجمع دولاً أوروبية وأميركية جنوبية تشترك في التحدّث باللغات الرومانسية.

إنّ عدم قدرة الأميركيين على حسم الحرب التي قاموا بشنّها على إيران، وخروجهم بخسائر مهينة بالنسبة لقوة عظمى، قد يؤدّي إلى تأخير محاولاتهم لتنفيذ مشروع أميركا الشمالية الكبرى والذي يراهنون عليه لإعادة مجدهم الصناعي مرة أخرى، ومع التراجع الواضح للاقتصاد الأميركي، ومحاولات الدول المستهدفة التكتل لحماية مصالحها وحقوقها، فإنّ سلبيات مثل هذا المشروع قد ترتدّ إلى الداخل الأميركي ذاته حيث توجد جاليات كبيرة من هذه الدول على الأراضي الأميركية، ولا يبقى سوى فشل أميركي جديد ليفجّر هذه التناقضات الداخلية التي لجأ ترامب للعبث بكلّ ثوابت استقرارها.