مشاركة "إسرائيل" في "يورفيجن".. قراءة في الأسباب والنتائج
قراءة أسباب ومُشاركة "إسرائيل" في الـ "يوروفيجن" ونتائج المسابقة، ومتابعة تحوّلات الرأي العام الأوروبي تجاهها أمر مهم، ولكن الأهم منه هو التأثير على هذه العلاقة العضوية والرأي العام لصالح القضية الفلسطينية.
-
هل يُمكن أنْ يكون السبب وراء مشاركة "إسرائيل" هو كونها مشروعاً استعمارياً يُديره أوروبيون؟
فازت الأغنية الإسرائيلية هذا العام بالمركز الثاني في مسابقة الأُغنية الأوروبية (يوروفيجن)، وقد وصلت إلى هذا المركز المتقدم بفضل تصويت الجمهور الأوروبي وليس تقدير الحكام، وهما معياري الحكم والترتيب للأغاني، وهذه المكانة المتقدمة للأُغنية الإسرائيلية تكررت في العامين السابقين إضافة إلى عشرات السنوات السابقة وغالباً بفضل تصويت الجمهور الأوروبي أيضاً، الجمهور الأوروبي الذي يسمع ويرى بالصوت والصورة والحركة الجرائم الإسرائيلية خاصة في الثلاث سنوات الأخيرة التي شهدت حرب الإبادة الإسرائيلية، وهذا التصويت مؤشر منطقي للانحياز لـ "إسرائيل"، وهذا الانحياز مدخل مناسب لقراءة في أسباب مُشاركة "إسرائيل" في "يوروفيجن" ونتائج المسابقة.
مُشاركة "إسرائيل" السنوية الثابتة في مسابقة الأُغنية الأوروبية "يوروفيجن" بدأت عام 1973 بعد أنْ انضمت إلى "اتحاد البث الأوروبي" مُنظّم المسابقة، رغم أنها ليست دولة أوروبية بمعيار الجغرافيا والمكان ومنطق الحدود والجوار، وهذا الانضمام والمُشاركة تكرر في مُعظم المنظمات الأوروبية لا سيما الرياضية والفنية، باعتبار "إسرائيل" في الرؤية الأوروبية دولة أوروبية بمعيار التاريخ والزمان ومنطق العنصرية والاستعمار، وهو الانضمام والمشاركة التي تحتاجها "إسرائيل" لكسر عزلتها الجغرافية وسط إقليم عربي وإسلامي رافض لها، وتوّظفها لتأكيد هويتها الغربية وانتمائها للحضارة الأوروبية البيضاء، وتستثمرها لتجميل صورتها المشوّهة وصوتها النشاز وروايتها المزوّرة.
مُشاركة "إسرائيل" في مسابقة "يوروفيجن" بمعيار التاريخ ومنطق الاستعمار يُمكن فهمه على أساس أنها امتداد للغرب الأوروبي وانتاج للمشروع الاستعماري الأوروبي، وقد أكد الصحفي البريطاني ريتشارد ميدهيرشت عندما عقّب على المُشاركة الإسرائيلية تحت عنوان "لماذا تُشارك إسرائيل في يوروفيجن؟"، متسائلاً بتعجب إنْ كانت "إسرائيل" جغرافياً تقع في أوروبا، ومُحدداً السبب بقوله: " أم هل يُمكن أنْ يكون السبب وراء مُشاركتها هو كونها مشروعاً استعمارياً أوروبياً يُديره أوروبيون بيض؟ّ!".
والحقيقة التي ذكرها الصحفي البريطاني تؤكدها وقائع التاريخ الحديث، فقد نشأت الحركة الصهيونية ومشروعها الاستيطاني ودولتها العبرية في فلسطين في سياق الحركة الاستعمارية الأوروبية وإنتاج لها ولتحقيق أهداف غربية أوروبية أهمها: حل المشكلة اليهودية، وإنجاز أهداف وظيفية للمشروع الاستعماري الغربي، ولتحقيق الرؤية الدينية البروتستانتية للمسيحية الصهيونية.
في إطار فهم العلاقة العضوية بين أوروبا و "إسرائيل"، أو النشأة الغربية الأوروبية للصهيونية حركةً ومشروعاً ودولةً، نستطيع قراءة سبب انضمام ومُشاركة "إسرائيل" في المنظمات الأوروبية بمختلف مجالاتها بما فيها "اتحاد البث الأوروبي" ومسابقة "يوروفيجن"، ونستطيع قراءة التصويت الشعبي الأوروبي السنوي المُتكرر رغم جرائم الاحتلال الإسرائيلي وحرب الإبادة الإسرائيلية والحروب العدوانية ضد دول وشعوب محور المقاومة لا سيما لبنان، وهي القراءة التي تأخذنا إلى عوامل التصويت المُنحاز للأُغنية الإسرائيلية كمؤثر للانحياز الأوروبي العام لـ "إسرائيل".
وهي العوامل المُستمدة من الاعتبارات الدينية والحضارية والثقافية والوظيفية التي تربط أوروبا بـ "إسرائيل"، والتراث اليهودي المسيحي المشترك الذي أبرزته الحركة البروتستانتية وأيديولوجيتها المسيحية الصهيونية، وتأثير الدعاية الصهيونية التي تُقدَّم الكيان الصهيوني كامتداد للحضارة والقيم الغربية الأوروبية، وكقاعدة متقدمة للدفاع عن الحضارة الغربية، وكحليف استراتيجي وحيد ضامن للمصالح الاستعمارية الغربية، والتأثر بالرواية الإسرائيلية التي تزعم بأنَّ الدولة العبرية هي واحة الديمقراطية الغربية وسط صحراء الديكتاتورية الشرقية، والتي تُصوّر اليهود كضحايا مظلومين ومجني عليهم من العرب والمسلمين "الأشرار".
ومن زاوية أُخرى هناك رأي لا يعتبر التصويت الجماهيري الأوروبي لصالح الأغنية الإسرائيلية مؤشراً لتوجهات الرأي العام الأوروبي الحقيقية، ويعتبر طريقة التصويت مُضللة لعيوب عديدة فيها، ولتأثرها بحملات الدعاية والإعلان الإسرائيلية النشطة التقليدية والرقمية أثناء المسابقة والتي تتفوق فيها "إسرائيل" على غيرها، ومما يُعزز هذا الرأي: نتائج استطلاعات الرأي العام الأوروبي أثناء حرب الإبادة تُشير إلى تراجع كبير في شعبية "إسرائيل" لصالح فلسطين، والمظاهرات الجماهيرية الأوروبية الكبيرة والكثيرة الرافضة لحرب الابادة وجرائم الاحتلال، والهتافات الجماهيرية المستنكرة للإرهاب الإسرائيلي والمتضامنة مع الحق الفلسطيني أثناء عرض الأغنية الإسرائيلية في كل سنة وتزايد دعوات المقاطعة الأوروبية الشعبية لـ "إسرائيل"، وتزايد النقد الأوروبي الرسمي للسياسة الإسرائيلية خاصة التجويع والتهجير والاستيطان، وانسحاب خمس دول أوروبية منها اسبانيا وايرلندا من مسابقة "يوروفيجن" هذا العام احتجاجاً على المشاركة الإٍسرائيلية.
قراءة أسباب ومُشاركة "إسرائيل" في الـ "يوروفيجن" ونتائج المسابقة، وفهم العلاقة العضوية بينها وبين الغرب الأوروبي، ومتابعة تحوّلات الرأي العام الأوروبي تجاهها أمر مهم، ولكن الأهم منه هو التأثير على هذه العلاقة العضوية والرأي العام لصالح القضية الفلسطينية والموقف العربي، وهذا يتطلب وجود الإرادة والخطة والعمل على إحداث التحوّل باللغة والطريقة التي يفهمها الغرب وفي مقدمتها لغة المصالح وطريقة الرواية، وقبل كل ذلك التمسك بالأرض والحق والإصرار على الوجود والصمود والمقاومة.