محمد فرج: كلمة حقّ تُقال ورسالة مفتوحة لمن يعنيه الأمر
سجل الميادين كما أسرتها وفريق عملها، يخلو من أي سقطة أو دعسة ناقصة أو حتى زلّة لسان، بميزان المسؤولية، ذلك أنها تثبت وتؤكّد أنّ الحرية تقترن بالمسؤولية، أو أنّ الحرية هي، بطبيعتها، مسؤولة.
-
قضية محمد فرج وشبكة الميادين الإعلامية.
ربما تكون هذه الأسطر مناسبة، بل فرصة، للولوج لأقانيم أممية وكونيّة، لا حدود لها، ولا لآفاقها. وهي أيضاً مناسبة، بل فرصة، لكي نفي محمد فرج، هذا المرء، وقبل أيّ شيء آخر، حقّه وفضله، على الرأي العامّ الحرّ، في البلد والمنطقة والعالم، في إماطة اللثام عن الواقع والحقيقة، كما هما، ونقل الخبر، وإيصال الفكرة والمعلومة.
كما أنها أيضاً وأيضاً مناسبة، بل فرصة، لكي نفي الميادين، بشخص محمد فرج، وأسرتها وفريق عملها، شيئاً من حقّها وقدرها، لدورها الرسالي والرسولي!
قضية محمد فرج قضية رأي عامّ
إنّ عملية الاعتقال التعسّفي للمناضل، الصحافي والإعلامي محمد فرج هي بالتأكيد قضية رأي عامّ بكلّ معنى الكلمة. نعم، هي قضية رأي عامّ بامتياز ومن الطراز الأول. ولذلك، هي تعني الجميع، أو لنقل بالأحرى إنها يُفترَض أن تكون كذلك بالنسبة إلى الجميع؛ قادة الرأي، النخب المثقّفة، الأساتذة الجامعيين، الصحافيين، الإعلاميين، المحامين ورجالات القانون، المنظّمات الحقوقية، الناشطين الحقوقيين، وسواهم من عامّة الناس.
فقضية الرأي العامّ هذه هي قضية إنما تعني كلّ إنسان حرّ، وتمسّ أيضاً كلّ إنسان حرّ، بصرف النظر عن هويته أو انتمائه. هذه ليست مجرّد شعارات يوتوبية وسوريالية. فالمسألة تتعلّق، أوّلاً وأخيراً، بالحرية الإنسانية، التي تبقى مقدّسة، ويجب أن تكون مصونة بالممارسة، لا بالنصوص المرجعية فحسب؛ وهي أيضاً لصيقة بالكرامة الإنسانية، التي تبقى محترمة، ويجب أن تبقى محترمة على طول الطريق، في كلّ مكان وزمان.
قضية محمد فرج بميزان القانون والعدالة
إنّ توقيف الأستاذ محمد فرج في عمّان، بهذه الصورة وعلى هذا النحو، هو اعتقال تعسّفي وإخفاء قسري لا لبس فيهما. هو فعل اعتداء على الحرية الشخصية والكرامة الإنسانية قبل أيّ شيء آخر. كما أنه انتهاك فاضح وصارخ لحقوق الإنسان والمواثيق الدولية ذات العلاقة بمسألة حماية حقوق الإنسان، كما الحريات العامّة والأساسية، ومنع انتهاكهما أو عدم الاعتداء عليهما، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عام 1948، العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية والعهد الدولي للحقوق الثقافية والاقتصادية والاجتماعية الصادران عام 1966.
وتحت سقف هذه الوثائق المرجعية من القانون الدولي، وسواها من الأدبيات الدولية المرجعية، إنما تقع قضية اعتقال محمد فرج، الصحافي والإعلامي والناشط والمناضل. وهنا، تجدر الإشارة تحديداً إلى حريات الصحافة والإعلام والحريات الصحافية والإعلامية، كمسألة لا يجوز التعرّض لها، أو النيل منها، ولا حتى المسّ بها، بأيّ حال من الأحوال، كما في الماضي، من جرّاء العسكريتاريا مع الأنظمة الديكتاتورية والتوتاليتارية. فكيف حين يتعلّق الأمر بمسقط رأسه، موطنه الأصلي، بلده الأمّ، وهو بلد عربي شقيق؟!
قضية محمد فرج وشبكة الميادين الإعلامية
تبقى الإضاءة على قضية محمد فرج من ضمن قضية أكبر وأبعد وأوسع، وهي قضية شبكة الميادين الإعلامية نفسها، أو لنقل قضية محمد فرج ضمن إطار شبكة الميادين الإعلامية بالضبط وبالتحديد. فالحقّ يُقال، وهي قد تكون شهادة للتاريخ والإنصاف، إنّ الميادين لم تكن أبداً منصة لخطاب الكراهية، ولا حتى منبراً للتحريض الفئوي والجهوي، بل إنها كانت على الدوام نموذجاً صريحاً من الإعلام المسؤول، المتحرّر، المتجدّد، المنضبط غير المتفلّت، والملتزم الثوابت الوطنية والقومية والمبادئ الإنسانية والأخلاقية، وكذلك أيضاً الإعلام المحترف بالمعايير المهنية أو الوظيفية والرسالية. وكذلك هو محمد فرج: عيّنة من هذا النموذج الفريد والمميّز، بل المتميّز!
إنّ سجل الميادين، كما أسرتها وفريق عملها، يخلو، صدقاً وقطعاً، من أية سقطة أو هفوة أو دعسة ناقصة أو حتى زلّة لسان، بميزان المسؤولية، ذلك أنها تثبت وتؤكّد أنّ الحرية تقترن بالمسؤولية، أو أنّ الحرية هي، بطبيعتها، مسؤولة. وهي ليست منفلتة أو متفلتة، ولا غوغائية، ولا ديماغوجية. وهي ليست شعبوية، ولا همجية، ولا حتى عبثية، في زمن التسيّب والتفلّت وانعدام الوزن.
وكذلك هو محمد فرج، وعلى غرار الميادين، على منصتها الأصيلة والشريفة ومنبرها الحرّ: جريء، شجاع، رسالي أو رسولي، رؤيوي، متفانٍ ومقدام. وإلى من يسأل، ها هو الأرشيف، بين أيدي كلّ الناس، يشهد على أنّ هذا المرء وهذه المؤسسة، على حدّ سواء، هما ليسا من أصناف الزبائنيين، ولا المركنتيليين، ولا حتى السفسطائيين.
وعليه، هي مجرّد كلمة حقّ، لا أكثر ولا أقلّ، لا بدّ أن تُقال، حيال محمد فرج، وذلك على أمل أن ينال الفرج قريباً. لكنها أيضاً رسالة مفتوحة إلى كلّ من يهمّه وكلّ من يعنيه هذا الأمر. هي قضية إنسانية، أخلاقية، قانونية، وربما سياسية. وهي قضية محقّة، وحتى قضية "مقدّسة": قضية الحرية الشخصية وقضية الكرامة الإنسانية! وأما بعد كلّ التعاطف والتضامن، فتبقى المطالبة والمناشدة، وبأعلى الصوت، بالحرية والكرامة، وكذلك بالعدالة والإنصاف. وليتحمّل كلّ مسؤوليته!