ما مستقبل الشراكة بين العرب والهند بعد الاجتماع الوزاري لمنتدى التعاون العربي ـ الهندي؟

يمثل إعادة إحياء الاجتماع الوزاري العربي الهندي خطوة مهمة نحو بناء شراكة متوازنة ومستدامة بين العالم العربي والهند.

0:00
  • العلاقات الهندية العربية شهدت خلال السنوات الماضية تطوراً كبيراً.
    العلاقات الهندية العربية شهدت خلال السنوات الماضية تطوراً كبيراً.

شهدت العلاقات الهندية العربية خلال السنوات الماضية تطوراً كبيراً في ظل سعي الهند إلى تعزيز حضورها العالمي، والتغيرات المتسارعة التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط بعد عملية طوفان الأقصى، فضلاً عن سياسة الرئيس الأميركي دونالد ترامب التي أجبرت الدول الحليفة والصديقة على إيجاد مسارات وتحالفات تفضي إلى حمايتهم من الضغوط الأميركية والرسوم الجمركية المفروضة عليهم وتهديدات ترامب المتكررة بزيادتها.

وأسهمت التوترات المتصاعدة في منطقة الشرق الأوسط، والموقع الاستراتيجي لدول المنطقة، في أن تعزز حضورها العالمي كاستضافتها مفاوضات إنهاء الحرب الروسية الأوكرانية. كما عملت دول المنطقة خلال السنوات الأخيرة على تنويع شركائها كي لا تبقى معتمدة على طرف دولي واحد فبدأت تطور علاقاتها مع دول الشرق.

استضافت الهند في الـ 31 من كانون الثاني/ يناير الماضي اثنتين وعشرين دولة عضواً في جامعة الدول العربية لعقد الاجتماع الثاني لوزراء خارجية الهند والدول العربية بعد عشر سنوات من انعقاد الاجتماع الأول في البحرين عام 2016. وإذا كان انعقاد الاجتماع يشكل أمراً طبيعياً يهدف إلى تعزيز العلاقات بين الهند والدول العربية ولا سيما الاقتصادية، إلا أن توقيت انعقاده يحمل أبعاداً كثيرة.

فقد جاء المنتدى في وقت تتعرض فيه الساحة الدولية لموجة من التحولات أبرزها التوترات في الشرق الأوسط، والاستعدادات الأميركية لشن هجوم عسكري على إيران، وزيارة مستشار الأمن القومي الهندي طهران للقاء كبار القادة الإيرانيين، والخلافات السعودية الإماراتية، كما بدأت تتشكل تحالفات جديدة، فقد انتشرت التكهنات حول قيام حلف يضم باكستان والسعودية وتركيا.

ويأتي الاجتماع أيضاً بعد زيارة رئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان للهند في الـ 19 من كانون الثاني/ يناير الماضي. وبالرغم من أن الزيارة استغرقت ثلاث ساعات، إلا أنها كانت ذات أهمية بالغة نظراً للاتفاقيات المبرمة، بما في ذلك خطاب نيات بشأن إطار شراكة دفاعية استراتيجية واتفاقية توريد غاز طبيعي مسال بقيمة 3 مليارات دولار لمدة عشر سنوات، وسبق هذه الزيارة توقيع اتفاقية دفاع مشترك بين السعودية وباكستان، وتشكيل مجلس السلام بشأن غزة برئاسة ترامب، والذي يضم عدداً من الدول العربية، أما الهند فلم يصدر عنها أي رد حول الانضمام إليه.

وقبل الاجتماع الوزاري بين الهند والعرب تم التوصل إلى اتفاقية تجارية حرة بين الهند والاتحاد الأوروبي، وصفتها رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، بأنها " أم جميع الصفقات".

 كما أسهمت الضغوط الأميركية وعدم اليقين بتصرفات الرئيس ترامب في بحث الدول عن شراكات متعددة الأطراف تقوم على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل.

وإعادة إحياء هذه المنصة بين الهند والدول العربية بعد عقد من التوقف، يدل على تحول استراتيجي في العلاقات الهندية العربية. وبالنظر إلى التحولات التي يشهدها النظام العالمي والتي تتجلى بشكل أساسي في منطقة الشرق الأوسط سعت الهند إلى تعزيز علاقاتها مع دول المنطقة. فقد قال وزير الخارجية الهندي، سوبرامانيام جايشانكار، في كلمته الافتتاحية للاجتماع الوزاري، أنه ينعقد في خضم تحول يشهده النظام العالمي، وأضاف أنه لا يوجد مكان تتجلى فيه هذه التحولات بوضوح أكثر من غرب آسيا والشرق الأوسط، إذ شهدت المنطقة تغيراً جذرياً يؤثر بشكل كبير على الهند.

وقد أسفرت المباحثات الهندية العربية عن إصدار إعلان نيودلهي والبرنامج التنفيذي للفترة 2026-2028، ويشمل تعزيز التعاون في التجارة، والاستثمار، والطاقة، والأمن الغذائي، والتكنولوجيا، والفضاء، والابتكار، والتحول الرقمي، والتعاون في مقاومة الإرهاب الرقمي والبحري.

وبموجب خارطة الطريق التي وضعها الطرفان، تم التوافق على رفع حجم التبادل التجاري بين الهند والدول العربية ليصل إلى 500 مليار دولار بحلول 2030 مقارنة بالحجم الحالي البالغ 240 مليار دولار أميركي.

تتطلع الهند من خلال إعادة إحياء المنتدى العربي الهندي إلى تطوير التعاون مع الدول العربية لتجاوز التعاون التقليدي الذي يقوم على الطاقة والبنية التحتية والزراعة والسياحة والثقافة إلى إدراج أبعاد جديدة للتعاون، تتناسب مع التغيرات والتحولات التي يشهدها العالم، وتشمل المجالات الرقمية والفضاء والإسكان والتكنولوجيا والطاقة المتجددة وغيرها.

تتمتع المنطقة العربية بأهمية كبيرة بالنسبة للهند، فعلى الصعيد الاقتصادي يتجاوز حجم التبادل التجاري بين الطرفين 240 مليار دولار أميركي، حيث تستورد الهند أكثر من 47% من احتياجاتها من النفط الخام و95% من احتياجاتها من غاز البترول المسال و60 % من الغاز الطبيعي المسال من الدول العربية، وتصنّف السعودية ضمن أكبر ثلاثة مورّدين للنفط إلى الهند، حيث توفر ما بين 16 و20 % من إجمالي وارداتها النفطية، إضافة إلى أن الهند تستورد أكثر من 50% من الأسمدة والمنتجات ذات الصلة من الدول العربية، وتمر معظم تجارة الهند الخارجية عبر قناة السويس والبحر الأحمر وخليج عدن، ويعيش أكثر من 9 ملايين هندي في الدول العربية.

قبل عدة أيام صرّح الرئيس الأميركي دونالد ترامب بأن الهند وافقت على وقف شراء النفط الروسي، ولم تنفِ نيودلهي أو تؤكد ذلك، ولكن الأمر المؤكد أن ترامب يمارس ضغوطاً كبيرة على الهند من أجل التوقف عن شراء النفط الروسي. وبالفعل خففت الهند من استيرادها النفط من روسيا تجنباً للرسوم الجمركية التي فرضها ترامب عليها بسبب شرائها النفط الروسي. وبهدف تعزيز أمنها الطاقي، رفعت الهند عدد الدول الموردة للنفط من 27 إلى 41 دولة. وفي حال رضخت الهند لمطالب ترامب، وتوقفت عن شراء النفط الروسي، فمن المحتمل أن تزيد شراءها للنفط من دول الشرق الأوسط.

ومن جهة أخرى، لدى الهند قلق من توسع النفوذ الصيني والباكستاني في الدول العربية، لذلك تسعى إلى أن تكون منافساً قوياً فيها. فالصين مثلاً، تعقد المنتدى الصيني العربي الذي يضم الصين ودول جامعة الدول العربية، وتعقد القمة العربية الصينية كل 4 سنوات، وخلال هذا العام ستُعقد القمة في بكين، وليس بعيداً في ظل إعادة إحياء المنتدى العربي الهندي، أن يتم الاتفاق على عقد قمة بين رئيس وزراء الهند ورؤساء الدول العربية.

وفي إطار آخر، تدخل المنطقة العربية ضمن الممر الهندي الشرق أوسطي الأوروبي الذي أُعلن عنه خلال قمة العشرين التي عُقدت عام 2023، وينافس مشروع الحزام والطريق الصيني. وربما يسعى مودي إلى تسريع العمل بالممر بعد توقف الحرب في قطاع غزة. ومن المحتمل أن يناقش الرئيس مودي مع رئيس وزراء الكيان الصهيوني بنيامين نتنياهو مشروع الممر، كونه يمر في "إسرائيل" خلال زيارته المتوقعة لتل أبيب الشهر الحالي.

بنَت الهند في علاقاتها مع الدول العربية نهجاً متوازناً بعيداً عن الاصطفافات والتكتلات، ومواقف معيارية راسخة للحفاظ على الاستقرار من دون أن تشجع أي اضطرابات. فمثلاً بعد خطاب النيات مع الإمارات، عقدت الهند حواراً استراتيجياً مع المملكة العربية السعودية في الـ28 من كانون الثاني/ يناير الماضي. وعلى الرغم من العلاقات الوثيقة بين الهند و"إسرائيل"، التي سيزورها مودي الشهر الحالي، بهدف تعزيز العلاقات الاقتصادية والعسكرية والتكنولوجية، إلا أن نيودلهي تدعم إقامة دولة فلسطينية على حدود عام 1967، وعلى هامش الاجتماع الوزاري الذي عُقد مؤخراً، التقى الرئيس مودي بوزيرة خارجية فلسطين، فارسين أغابكيان. 

إن الزخم الذي تبذله الهند لتعزيز علاقاتها مع الدول العربية ليس مجرد استعراض، بل هو انخراط مدروس وجاد، قائم على التزام كامل بالتعاون في مجالات مختلفة.

في المحصلة، يمثل إعادة إحياء الاجتماع الوزاري العربي الهندي خطوة مهمة نحو بناء شراكة متوازنة ومستدامة بين العالم العربي والهند. ومع استمرار التعاون يمكن للطرفين تحقيق الاستقرار والتنمية في عالم يشهد تغيرات متسارعة.