ليبيا: احتجاجات مفتوحة وأفق مسدود ومشهد متفجر
تفاقمُ الأزمات المعيشية والسياسية في ليبيا، واتساعُ الاحتجاجات الشعبية، وتآكلُ شرعية السلطات، بما يهدد بانفجار اجتماعي وسياسي ما لم تُعالج جذور الانقسام وسوء الإدارة وتُجدَّد الشرعيات والمؤسسات.
-
ليبيا: احتجاجات مفتوحة وأفق مسدود ومشهد متفجر
تُنتج ليبيا يومياً ما يزيد على مليون ونصف مليون برميل نفط، وتمتلك احتياطياً نفطياً مؤكداً بنحو 48.4 مليار برميل، وهي صاحبة أكبر احتياطي نفطي في أفريقيا؛ ويُقدّر الناتج القومي لليبيا بنحو 52.45 مليار دولار أميركي لعام 2026، ويبلغ عدد سكان ليبيا نحو 7.5 ملايين نسمة وفقاً لتقديرات الأمم المتحدة لعام 2026، يذهب بعض الإحصائيات إلى أن الرقم يصل إلى 8 ملايين نسمة، موزعين على مساحة جغرافية تساوي حوالى 1.76 مليون كيلومتر مربع، وتُعد بذلك رابع أكبر دولة من حيث المساحة في قارة أفريقيا والعالم العربي.
والسؤال، ما الذي ينقص ليبيا لتقف في مصافّ الدول المتقدمة؟، وبصيغة أخرى، دولة تمتلك هذه المقدرات لماذا يتظاهر الناس فيها ويحتجّون بسبب انقطاع المياه والكهرباء؟ وهل يمكن لدولة تقف بين النقيضين، الثروة والفقر، أن تتجاوز أزمتها السياسية؟
سقط نظام القذافي في عام 2001 ومرّ على سقوطه عقد ونصف تقريباً؛ مرّت ليبيا خلال تلك السنوات بمحطات عديدة من الحوارات والجولات واللقاءات، ولكن النتيجة انتهت إلى احتجاجات وتلويح بعصيان مدني؛ المفارقة أن تلك الاحتجاجات دافعها إنساني حياتي يومي يتعلق بالظروف المعيشية للناس من كهرباء ومياه؛ ولم تكن احتجاجات سياسية بسبب انغلاق الأفق السياسي واستمرار الأزمة السياسية التي تعصف بدولة لا ينقصها إلا حسن الإدارة وعدالة التوزيع لتكون نموذجاً يُحتذى به، بدلاً من أن تكون نموذجاً للدولة الفاشلة.
في الحيثيات الاقتصادية للمشهد الليبي هناك وفرة إنتاج يقابلها سوء توزيع؛ وفي حيثيات المشهد السياسي هناك تزاحم بل تضخم في المبادرات والمقترحات والمقاربات المقدمة إقليمياً ودولياً وأممياً من أجل الذهاب إلى الحل السياسي، ولكن الأزمة تتعقد أكثر ويبتعد الفرقاء عن الحل صوب المحاصصة بشكل أكبر.
الانغلاق السياسي في ليبيا مع تردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية جعل من أزمة الكهرباء والمياه ناقوساً يدق خطر الانزلاق الذي يبدأ باحتجاجات ثم تظاهرات، حتى يتطور إلى عصيان مدني وينتهي بالانفجار، وهو ما يهدد المشهد بكل مكوناته السياسية والعسكرية، تلك المكونات الرافضة للذهاب إلى الحل والتنمية وتحسين أوضاع الناس كمدخل وضرورة ومطلب لحدوث الاستقرار السياسي، لأن استمرار التردي الاقتصادي والاجتماعي وسوء التوزيع يُفشل كل الحلول ومشاريع التسوية.
الانغلاق السياسي والانسداد الاقتصادي في ليبيا يُقابلهما تدحرج عمودي وأفقي للاحتجاجات، وبالتالي تتحوّل أزمة الكهرباء التي باتت تتصدر المشهد إلى صاعق تفجير، بدأت نواته من العاصمة طرابلس وتمددت إلى الساحل ومصراتة، معقل حكومة عبد الحميد الدبيبة، وبعدما كان الناس يطالبون بحل أزمة الكهرباء وانقطاع المياه ويكتفون بالاحتجاجات السلمية، تصاعد الغضب إلى إغلاق الطريق الساحلي عند مدينة صبراتة، وهناك توتر في مدينة صرمان، وهو ما يؤشر إلى أن الغضب سيتمدد، وقد عاد المشهد لتسمية يوم الجمعة "بجمعة الغضب" وارتفعت المطالب إلى سقف رحيل الأجسام السياسية القائمة وإجراء تغيير سياسي شامل.
إذا غابت الدولة واختفى العقد الاجتماعي بينها وبين مواطنيها تحضر شياطين الأرض كلها، ليبيا ليست استثناء من هذه القاعدة، والشاهد أن كل شياطين العالم حاضرة في ليبيا، ومن عدة بوابات ومبادرات ومقترحات، بينما الدولة الليبية غائبة، وتغيب الدولة حتى وإن كانت مظاهر وجودها قائمة، ولا سيما عندما تفشل في توفير مقتضيات الحد الأدنى ليوميات وحياة مواطنيها، وفي ليبيا لا يقتصر الغياب على المياه والكهرباء وتردّي الخدمات الصحية وارتفاع الأسعار وأزمة العملة، ليبيا التي كانت يوماً قبلة الشباب العربي الباحث عن عمل وعن فرصة، وصلت نسبة الفقر فيها بحسب ما قالت المبعوثة الأممية إلى 30%، وعلى صعيد المدن، سجلت مدينة طرابلس النسبة الأكبر للأسر التي تقع تحت خط الفقر، حيث بلغت نسبتها 11.3% مقارنة بالمدن الأخرى. فهل يمكن في ظل مراكمة كل هذه الأزمات وتلك المؤشرات الذهاب إلى حل سياسي أو استقرار سياسي؟.
المفارقة أن الأزمات والتحديات المتراكمة في ليبيا بدلاً من أن تُفضي إلى توافق اجتماعي وسياسي بضرورة الحل وإنقاذ البلاد والعباد، أفضت إلى نتائج عكسية لا تتعلق بتعطيل فرص الحل السياسي وانسداده فقط؛ بل أفضت إلى تباينات وحالة من التراشق الإعلامي عبر فضاء السوشل ميديا. إذ إن البعض يرى في الاحتجاجات الحاصلة جزءاً من حسبة سياسية وأن المحتجين يُحمّلون حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة مسؤولية تدهور الأوضاع الخدمية، ورفعوا شعارات تطالب برحيلها؛ وبينما يطالب البعض بالتصعيد وتوسعة الاحتجاجات والعصيان المدني؛ يطالب البعض بالحفاظ على السلمية والهدوء.
الاحتجاجات التي تشهدها ليبيا لا تعني أن الدولة فشلت وأن الثورة أخفقت، ولا تعني تعطيل فرص الحل؛ لكنها تعني أن هناك أزمة حياتية اقتصادية واجتماعية أفضت إلى أزمة في شرعية السلطات الحاكمة في البلاد، وأن استمرار السطات الليبية في تجاهل حق الناس في الحياة الكريمة وتوفير أدنى مقتضياتهم من مياه وكهرباء وخدمات سيُفضي إلى انفجار الشارع الليبي؟
إن الاحتجاجات الحاصلة تعكس عمق الفجوة بين الشارع الليبي والسلطات الحاكمة، صحيح أن ظاهر الأمر هو أن دافع الاحتجاجات، وربما لاحقاً العصيان المدني، يتعلق بمطالب معيشية، ولكن يجب الانتباه إلى أن المحرك الأساسي هو دافع سياسي، ولا سيما في ظل استمرار الانغلاق وانسداد الأفق والانقسام بين المكونات السياسية الليبية، وبالتالي لاحقاً سيُصبح إسقاط هذه المكونات ومصادرة شرعيتها السياسية والاجتماعية أحد أهم وأبرز مطالب الشارع الليبي الذي سيتجاوز المطالب المعيشية ويطالب بالتغيير الشامل.
هناك نظرية سياسية تقليدية تقول إن ارتفاع درجات الحرارة وشُحّ المياه وتزايد الفقر في أي دولة يؤدي إلى زيادة النزاعات والعنف ومعدلات الجريمة، وربما الحروب الأهلية، وذلك نتيجة الضغط النفسي والتوتر الاجتماعي والإحباط. وفي دولة مثل ليبيا تتجاوز درجة الحرارة فيها 45 درجة مئوية، ووصل انقطاع الكهرباء إلى أكثر من 14 ساعة، وأصاب الشلل مضخات المياه، وتوقفت إمدادات النهر الصناعي، طبيعي جداً أن ينفجر سكانها.
صبر الشعوب محدود، وترويضها ممكن، إذا استطاع النظام السياسي تمرير رواية معينة يُقنع بها الشارع، ولكن هذا مشروط بفترة معينة، في ليبيا أو دول ما بعد الثورات، ابتلع الناس الصبر وتعايشوا مع الفقر، ولكن عند لحظة معينة ينفد رصيد الصبر، ولا سيما في دولة غنية بالموارد والنفط مثل ليبيا، ويصبح السؤال المشروع أين ذهبت مليارات الدولة؟ ولماذا تتناقض أرقام الإنفاق الحكومي المُدّعاة على مشاريع الكهرباء والمياه والخدمات مع واقع الحقائق المُناقض على الأرض؟
في ليبيا، المحاصصة والانقسام المؤسساتي والصراع السياسي بين الحكومات المتنافسة في الشرق والغرب منذ سقوط نظام القذافي، وفشل المبادرات والحلول والمقترحات، كلها أسباب أدت إلى غياب خطط التنمية طويلة المدى، واقتصار الحلول على مسكنات مؤقتة ومهدئات تنهار أمام أول موجة حر أو أزمة انقطاع الكهرباء والمياه؛ فيصبح الجسد غير قادر على ابتلاع رواية النظام السياسي فيتمرد ويخرج إلى الشارع.
الاحتجاجات في ليبيا تكشف عن أزمة وفساد، وتُهدد المشهد بالانفجار، وعواقبها خطيرة، هذا صحيح، ولكن هناك وجه آخر إيجابي يُمكن التقاطه والبناء عليه؛ هو أن تشكل هذه الاحتجاجات ورقة ضغط على المكونات السياسية الليبية تجبرها على ضرورة الذهاب إلى الحل السياسي؛ وتسوية المسار والتوافق والوحدة، شريطة أن يترجم ذلك ويؤدي إلى تنمية اقتصادية واستقرار سياسي.
إن سقف الشعارات للاحتجاجات تجاوز أزمة الكهرباء وبات يُهدد الشرعية السياسية ويطالب برحيل المكونات السياسية وإجراء انتخابات وتجديد الشرعية. وبالتالي استمرار الاحتجاجات وعناد السلطات سيجبر البعثة الأممية والشركاء الدوليين على إعادة النظر في استراتيجيات التفاوض والتركيز على إجراء الانتخابات كأولوية.
ولكن يجب الانتباه من خطر التوظيف السياسي والأمني للاحتجاجات، ذلك أن الانقسام الأمني سيبقى يُشكل تهديداً كبيراً؛ إذ يُخشى من استغلال الأطراف المتصارعة لغضب الشارع لتصفية حسابات سياسية أو لتبرير تحركات أمنية وضبط السيطرة.
ختاماً، المشهد في ليبيا ما بين احتجاجات مفتوحة وأفق مسدود وموارد منهوبة ومهدورة، يعني أن احتمالات انفجار الشارع الليبي قائمة وواردة، ولا سيما إذا استمر الانفصال بين الشارع الليبي وبين الخطاب السياسي الرسمي، لأن الوعود انتهت صلاحيتها وتآكلت الثقة بها.
وعليه، فإن المشهد الليبي ذاهب إلى، إما استمرار انقطاع الخدمات وغلاء المعيشة والتلويح بالحلول الأمنية، ما يعجّل بالانفجار وسقوط ما تبقى من مؤسسات الدولة، وإما ان تنجح السلطات في امتصاص الغضب واحتوائه من خلال الوعود والمسكنات، وهذا يعني تأجيل الانفجار لا معالجة أسبابه. ومن دون تجديد الشرعيات والمؤسسات سيبقى خيار انفجار الشارع الليبي قائماً وحاضراً.